لبنان الذي تجرع ويلات الحرب الأهلية علي مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، بالكاد اليوم يحاول التعافي من الجرح العميق في ظل استمرار نفس الأجواء التاريخية بل تزايد وتنامي التجاذبات والتشابكات الإقليمية ما يثير مخاوف تكرار أخطاء الماضي وتكريس الانقسام الداخلي، وهو ما تسعي إسرائيل لإحداثه عبر مواصلة التوغل وانتهاك الأراضي اللبنانية، في المقابل مهد حزب الله الساحة ليفعل نتنياهو فعلته بعد أن قرر أبناء نصر الله خوض حرب بالوكالة انتقلت إلي مرحلة متطورة مع اشتعال الحرب بين أمريكا و إسرائيل من جانب و إيران من جانب آخر، وبالتبعية يدفع لبنان الثمن من أرضه واستقراره وسيادته، ما يصنع أجواء تغذي النبرة الطائفية التي يستند عليها حزب الله في حربه بجانب إيران ويساهم بشكل عام في إسقاط مفهوم الدولة مقابل إعلاء قيمة الامتدادات الأيديولوجية الخارجية، ولهذا تجد اليوم لبنان وقد تم أسره للتفاوض عليه ضمن الحرب الإقليمية الدائرة الآن، فبات يصارع ما بين المحافظة علي التماسك الداخلي والصمود الإقليمي.
لبنان يواجه حربًا إقليمية لا تبقي ولا تذر أي دولة قابلة للانهيار الداخلي، فكلما تواجدت الفرصة أمام صناع الحرب اقتنصوها لصيد الدول القابلة للسقوط، حيث تكون الضربات مكثفة لتعزيز الانقسام الداخلي وإفشال الدولة، وهنا لا يمكن تبرأة إيران من هذا الجُرم الذي أحدثته في لبنان عبر دعم حزب الله ومحاولة فرض النفوذ والسيطرة علي القرار اللبناني كما هو يتضح مؤخرًا عبر إصرار طهران إقحام لبنان ضمن ملفتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والحديث عنها كونها جبهة ضمن الجبهات الإيرانية، في انتهاك سافر للسيادة اللبنانية، وعلي الجانب الآخر هناك المجرم الأصلي وهو الجانب الإسرائيلي المستمر منذ عقود وحتي الآن في استهداف لبنان فكما استغل الفرصة إبان الحرب الأهلية اللبنانية وتوغل حتي بيروت عام 1982 وهو يحاول تكرار نفس السيناريو عبر تكثيف الضرب باتجاه جنوب لبنان ومن ثم إحداث ضغط علي بيروت عبر نزوح سكان الجنوب ما يفجر غضبا شعبيا قد يمتدإلي الطائفي بين مؤيد ومعارض لاستمرار حزب الله في اتخاذ دور الدولة، خاصة أن هناك محاولات جادة وحقيقية من مؤسسات الدولة اللبنانية لاستعادة دور الدولة وفصل الملف اللبناني عن الإيراني.
لبنان يصارع شبح الحرب الأهلية وفي نفس الوقت يحاول الهرولة بعيدًا عن حرب إقليمية طاحنة ما يصنع مأزقا مصيريا يحتاج إلي قرار لبناني وطني خالص لا هو قرار طائفي أو حزبي أو حتي وفق حسابات التجاذبات الدولية والإقليمية، لبنان يجب أن يبحث عن نفسه ووجوده قبل أن يتصدر للدفاع عن الآخرين، وهنا الدفاع عن لبنان أولوية تحتاج إلي قلاع من الوعي وحصون متينة من الفهم تعزز الوعي الجمعي اللبناني الذي هو في حاجة ليقظة وإعلاء قيمة الدولة الوطنية فوق أي اعتبار، الدولة الوطنية اللبنانية التي تشكل الضمانة الوحيدة لبقاء لبنان صامدًا حيًا وسط هذه المقبرة الإقليمية.