تفكيــك ملابســات الحوادث الكبــري في التاريــخ (مثل الحروب ومباريات كرة القدم) وإعادة تركيبها لاكتشاف مسببات النصر أو الهزيمة، تكشف لنا الكثير من الحقائق التي تحجبها غبار المعارك وضجيج الدعاية.. وتاريخ الحروب مليء بمحطات كانت فيها الحسابات المادية وموازين القوي الرقمية تؤكد حتمية انتصار طرف علي آخر، ثم تأتي النتائج الميدانية لتخالف كل التوقعات، وتصنع ما يمكن وصفه بالمعجزة التاريخية.
وينطبق هذا الوصف الاستراتيجي تمامًا علي حرب أكتوبر 1973، التي حققت فيها مصر انتصارًا ساحقًا علي إسرائيل ، محطمة نظرية "الجيش الذي لا يقهر" والخطوط الدفاعية الحصينة مثل خط بارليف، رغم التفوق التكنولوجي والتسليحي المادي للاحتلال في ذلك الوقت.
كما ينطبق الأمر ذاته علي المواجهة الراهنة بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل من جهة أخري؛ وهي مواجهة تفترض لغة الأرقام وإمكانيات القوة أنها محسومة سلفًا لصالح المعسكر الغربي-الإسرائيلي.
وإذا كانت نتائج حرب أكتوبر قد حُسمت ودُوّنت في سجلات التاريخ، فإن المواجهة الإيرانية لاتزال فصولها مستمرة، وتلوح في أفقها نذر تصعيد أوسع، وعلي الرغم من ذلك، فإن ما تحقق علي أرض الواقع حتي الآن يمثل في حد ذاته معجزة عسكرية وسياسية؛ إذ إن صمود الدولة الإيرانية ومؤسساتها العسكرية طوال هذه المدة أمام قوة تكنولوجية واقتصادية وعسكرية غاشمة ومجتمعة، هو أمر لم تكن مراكز الدراسات الغربية تتوقعه علي الإطلاق.
وأصل هذه المعجزة يعود إلي عامل جوهري طالما حسم الحروب عبر التاريخ، وهو "إرادة الصمود" والإصرار علي ردع المعتدي وتدفيعه الثمن، هذه العقيدة القتالية في العرف العسكري تعوض كثيرًا الفجوة في موازين التسليح التقليدي، بل تتفوق أحيانا علي أعتي الترسانات المادية.
وفي المقابل، يكشف تحليل شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وتناقضات إدارته، أنه علي الرغم من تحريكه للآلة العسكرية الأمريكية وتوجيه الضربات، لم يكن علي قناعة راسخة بأنه يخوض معركة وطنية تخص المصالح الأمريكية المباشرة؛ بل كان مدفوعًا بضغوط وتحريض منظم من بنيامين نتنياهو وأقطاب حكومته اليمينية المتطرفة، إلي جانب جماعات الضغط (اللوبي) الداعمة لإسرائيل في واشنطن والعواصم الغربية.
لقد نجحت اليهودية الصهيونية في دفع الإدارة الأمريكية الحالية لاتخاذ قرار الحرب، وهو القرار الذي ظل مؤجلاً ومحل تراجع من إدارات أمريكية متعاقبة علي مدار عقدين من الزمن، علي الأقل، بينما الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي ثابت ومُعلن، وهو تقويض المشروع النووي الإيراني ، وإخراج طهران من معادلة القوي الإقليمية، تلافيًا لأي خطر قد يعطل مخططات إسرائيل التوسعية، والأيديولوجية الصهيونية المرتبطة بالمسجد الأقصي والقدس، كما تستهدف تل أبيب ضمان عدم وجود منافس لها علي قيادة الشرق الأوسط، ومحاولة تحجيم القوي الإقليمية الثلاثة الكبري في المنطقة: مصر، وتركيا، وإيران.
والعبرة والدرس اللذين رفضت إسرائيل استيعابهما من حرب أكتوبر 1973، لن تتعلمهما في حربها الحالية؛ فالغريزة العدوانية لذئاب الصهيونية لا تتبدل، وهو ما يفسر مطاردتهم المستمرة لفرائسهم دون جدوي.. والتاريخ يعلمنا أن القوي الاستعمارية القائمة علي غريزة السيطرة لا يمكن ترويضها أو مهادنتها، وأن الحل الوحيد لكف شرها وضمان استقرار المنطقة هو مجابهتها وإفشال مخططاتها بشكل كامل.