في واحدة من أخطر بؤر التوتر بجنوب آسيا، وبينما تستحوذ الأزمات الدولية الكبري، علي اهتمام المجتمع الدولي، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية علي إيران، تتواصل المواجهة بين باكستان و أفغانستان ، فبعد أشهر من إعلان إسلام آباد أواخر فبراير الماضي ما وصفته بـ" الحرب المفتوحة " ضد حكومة طالبان الأفغانية، لم تنجح جهود الوساطة، خاصة الصينية، في التوصل حتي الآن إلي حل بين الجانبين، بل يبدو الصراع مرشحًا لمزيد من التعقيد في ظل عدم استعداد أي من الطرفين للتراجع، وخلافات حدودية وصراعات نفوذ إقليمية.
تدهورت العلاقات بين البلدين الجارين بصورة حادة منذ المعارك التي اندلعت في أكتوبر الماضي، عقب هجمات نفذتها حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الباكستانية، ما دفع إسلام آباد إلي الرد بغارات جوية داخل أفغانستان، ورغم التوصل إلي اتفاق لـ وقف إطلاق النار خلال المحادثات التي جرت في 2025 بالدوحة، فإن الاتفاق سرعان ما انهار أمام استمرار العمليات الإرهابية وتبادل الاتهامات.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، تشهد المناطق الحدودية منذ إعلان باكستان "حرب مفتوحة" علي أفغانستان اشتباكات متكررة، علي الرغم من جهود الصين لحل النزاع من خلال استضافة محادثات بين الطرفين في إبريل الماضي، وإرسال مبعوثين إلي البلدين في محاولة لإحياء الحوار بعد تعثر جهود الوساطة التي بذلتها دول أخري.
وكانت باكستان، مع تصاعد الهجمات الإرهابية ضدها خلال مارس الماضي، قد شنت عشرات الغارات الجوية التي استهدفت المدن الأفغانية والبنية التحتية العسكرية. كما اتخذت إجراءات إضافية تمثلت في إغلاق الحدود وطرد اللاجئين الأفغان بشكل جماعي. ورغم تراجع حدة العمليات العسكرية منذ ذلك الحين، فإن الاشتباكات الحدودية لا تزال تتسبب في سقوط ضحايا بصورة شبه أسبوعية.
وخلال زيارة للقوات المسلحة في 19 مايو الماضي، أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف استمرار العمليات العسكرية "بكل عزم"، مطالبًا حكومة طالبان باتخاذ إجراءات ملموسة وفعالة ضد الجماعات الإرهابية التي تنشط انطلاقا من الأراضي الأفغانية.
وتتهم باكستان جماعات مسلحة تتمركز داخل أفغانستان ، وعلي رأسها حركة " طالبان باكستان"، بتنفيذ آلاف الهجمات داخل الأراضي الباكستانية خلال السنوات الأخيرة، وتؤكد أن حملتها العسكرية نجحت في تقليص قدرات هذه الجماعات.
علي الجهة الأخري، أقر عدد من مسئولي طالبان الأفغانية، في جلسات خاصة، حسب "نيويورك تايمز"، بانضمام بعض المسلحين الأفغان إلي صفوف طالبان باكستان، لكنهم يؤكدون أنهم لا يملكون السيطرة علي قيادة الحركة، كما ينفون توفير ملاذ آمن لها أو تسهيل أنشطتها، وتعتبر كابول أن تمرد طالبان الباكستانية يمثل في الأساس مشكلة داخلية باكستانية لا يمكن تحميل أفغانستان مسئوليتها بالكامل.
وتري أميرة جادون، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كليمسون والخبيرة في شئون الأمن بجنوب آسيا، أن الولايات المتحدة خفضت أولوية الملف الأفغاني وتدعم باكستان فيما تريد القيام به داخل أفغانستان، مضيفة أن إسلام آباد "تستغل هذا الوضع لصالحها".
وحسب بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان ، أسفرت العمليات العسكرية خلال الأشهر الثلاثة الماضية عن مقتل ما لا يقل عن 372 مدنيًا أفغانيا وإصابة نحو 400 آخرين. كما لحقت أضرار جسيمة بالأسواق ومراكز العبور والبنية التحتية المدنية في المناطق الحدودية، وهو ما فاقم الأوضاع الإنسانية في مناطق تُعاني أصلًا من الفقر والنزوح ومحدودية الوصول إلي الخدمات الأساسية.
كما تسبب إغلاق الحدود في توجيه ضربة قوية للاقتصاد الأفغاني، الذي يعتمد علي باكستان كوجهة للصادرات الزراعية وكمصدر لواردات المنتجات الغذائية الأخري ومواد البناء والإمدادات الطبية.
ويقول صيادلة أفغان، إنهم يواجهون نقصاً حاداً في أدوية السكري وأمراض أخري، ما دفع حكومة طالبان إلي مطالبة شركات الأدوية المحلية بزيادة الإنتاج، وطلب المساعدة من روسيا والهند لسدّ هذا النقص.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، استضافت مدينة أورومتشي الصينية في أبريل الماضي محادثات استمرت ثمانية أيام بين الجانبين، لكن الاجتماعات انتهت وسط حالة عميقة من انعدام الثقة، وما اعتبره كل طرف عدم رغبة الطرف الآخر في تقديم تنازلات، بحسب مسئولين أفغان وباكستانيين تحدثوا لـ "نيويورك تايمز".
ويقول مسئولون باكستانيون، إن نظراءهم الأفغان غير مستعدين للالتزام كتابياً بكبح جماح حركة طالبان باكستان وغيرها من الجماعات المسلحة، بينما تري طالبان أن تحميلها مسئولية جميع الهجمات الإرهابية التي تقع داخل باكستان، هو مطلب غير واقعي، كما تعتقد الحركة أن هدف باكستان علي المدي البعيد هو إسقاط حكومتها، ما يجعلها غير مستعدة للتراخي في تطبيق إجراءاتها الأمنية.
غير أن الخلافات الأمنية ليست سوي جزءًا من المشكلة، وما يزيد الصراع تعقيدا هو الخلافات التاريخية حول خط "ديورند" الحدودي، الذي تم ترسيمه عام 1893 خلال الاحتلال البريطاني، ويمتد لمسافة تقارب 2600 كيلومتر، حيث قسم مناطق البشتون (الأغلبية في أفغانستان) بين الدولتين، ما أدي إلي إشعال نزاعات متكررة بين الجارين.
ولم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة بخط "ديورند"، المعترف به دوليا، معتبرة أنه اقتطع أراضٍ كبيرة تسكنها قبائل البشتون الأفغانية في جنوب غرب البلاد، مطالبة باسترجاع الأراضي التي سُلبت منها.
كما اتهمت كابول جارتها باكستان باستغلال الحروب المتكررة التي خاضتها سواء ضد الاتحاد السوفياتي سابقا أو الولايات المتحدة، للتوسع داخل الأراضي الأفغانية.
علي الجانب الآخر، تؤكد باكستان أن خط "ديورند" يحظي باعتراف دولي وأن مطالب كابول تمثل مساسا بسيادتها.
وعندما عادت طالبان إلي السلطة عام 2021، أعادت فتح هذا الملف وطالبت باستعادة الأراضي التي تعتبرها جزءا من أفغانستان. وزادت الأزمة تعقيدا مع قيام باكستان ببناء سياج حدودي لمنع تدفق اللاجئين غير الشرعيين الأفغان إلي أراضيها، وهو ما ترفضه طالبان.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسب الصراع بعدًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا إضافيًا. ففي الوقت الذي اعتمدت فيه أفغانستان لعقود علي باكستان باعتبارها منفذها التجاري الرئيسي، بدأت حكومة طالبان العمل علي تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع قوي إقليمية أخري، خاصة الهند والصين وروسيا.
وفي هذا السياق، أشار تقرير نشرته "فرانس 24"، إلي أن بقاء أفغانستان كدولة شبه معزولة جعلها لسنوات طويلة تطور علاقات اقتصادية استراتيجية مع باكستان التي تتقاسم معها شريطا حدوديا يبلغ طوله حوالي 2600 كيلومتر، وتعتمد بشكل أساسي علي المنتجات والصادرات الباكستانية.
ومما زاد من هذه التبعية الاقتصادية هو عدم امتلاكها ممرا بحريا، وطبيعة أراضيها الجبلية التي تصعب التنقل فيها. لكن منذ حوالي ثلاث سنوات، بدأت حركة طالبان تنويع شراكاتها الاقتصادية، لا سيما مع الهند، العدو اللدود لباكستان، وكذلك الصين.
وذكر التقرير أن التقارب الأفغاني مع الهند أثار قلقا متزايدا في إسلام آباد، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلي نيودلهي في أكتوبر 2025 واستغرقت أسبوعا كاملا بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين.
وتخشي باكستان أن يمنح هذا التقارب الهند فرصة لفرض نفوذها تدريجيا في أفغانستان، وتسويق بضائعها فيها، فضلا عن استخدام الحدود البرية الأفغانية من قبل الهند لتسويق منتجاتها في أسواق آسيا الوسطي دون المرور عبر الأراضي الباكستانية.
وبالإضافة إلي الهند، تسعي طالبان إلي تطوير علاقات جديدة مع الصين وروسيا، حيث اعترفت موسكو بحكومة طالبان وطورت معها علاقات دبلوماسية واقتصادية متنامية. أما الصين، فرغم أنها لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإنها أصبحت شريكا اقتصاديا مهما لأفغانستان، التي تعد سوقا مهمة للبضائع الصينية.
ويبدو أن الهدف الرئيسي لهذا التوجه هو تقليص الاعتماد الاقتصادي التقليدي علي باكستان، إلا أن إسلام آباد تنظر للسياسة الخارجية الأفغانية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لتوازناتها الداخلية، سواء في المجال الاقتصادي أو الاستراتيجي.