يوافق 8 يونيو ذكرى رحيل الفنان الكبير نجيب الريحاني، أحد أعمدة المسرح العربي في النصف الأول من القرن العشرين، وصاحب البصمة الخاصة في الكوميديا التي جمعت بين السخرية العميقة والطرح الإنساني، ليبقى واحدًا من أبرز رواد الفن المسرحي في العالم العربي.
لم يكن الريحاني مجرد ممثل يبحث عن نجاح سريع، بل كان صاحب رؤية فنية واضحة، آمن بأن المسرح رسالة لا تقل أهمية عن الحياة نفسها، وارتبط به ارتباطًا وثيقًا حتى في أصعب لحظاته الصحية.
وعندما نصحه الطبيب عام 1942 بالابتعاد عن التمثيل لمدة ستة أشهر، رد بكلمته الشهيرة: "خير لي أن أقضي نحيبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي".
كما تميز الريحاني بروح جماعية داخل فرقته، إذ رفض فكرة النجم الأوحد، وكان حريصًا على إظهار جميع أفراد العمل في أفضل صورة ممكنة، مؤمنًا بأن نجاح العرض مسؤولية مشتركة. ورغم الانتقادات التي وُجهت إليه بسبب استمرار بعض أعماله لفترات طويلة، كان يرد بأن تقديم عمل متكامل أفضل من تقديم عدة أعمال يعتريها الضعف.
وعُرف عنه أيضًا حرصه الشديد على جودة أعماله حتى على حساب الربح المادي، ما أدى في بعض المراحل إلى تراكم الديون عليه، إلا أن أعماله حظيت بتقدير واسع من كبار الشخصيات الثقافية والسياسية، داخل مصر وخارجها، كما نال إعجاب عدد من رموز المسرح العالمي.
واتسمت أعماله بطابع وطني ساخر، حيث استخدم المسرح كأداة للتعبير عن قضايا المجتمع ومقاومة الاستعمار والظلم، مقدّمًا كوميديا تحمل رسائل فكرية وإنسانية عميقة.
وُلد نجيب إلياس ريحان عام 1889 في حي باب الشعرية بالقاهرة لأصول عراقية، وتلقى تعليمه في مدرسة الفرير، حيث ظهرت موهبته مبكرًا في الإلقاء والتمثيل. وبعد تخرجه عمل في البنك الزراعي، وهناك بدأت ملامح شغفه الحقيقي بالمسرح تتبلور من خلال تعاونه مع عزيز عيد في أولى تجاربه الفنية.
ومنذ تلك اللحظة، اتجه الريحاني تدريجيًا إلى المسرح، متنقلًا بين عدد من الفرق حتى أسس مشواره الفني الخاص، وقدم شخصية "كشكش بيه" التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الكوميديا العربية، وارتبطت باسمه ارتباطًا وثيقًا.
ومع تطور تجربته المسرحية، تعاون مع كبار المؤلفين والفنانين مثل بديع خيري وسيد درويش، وقدم أعمالًا غنائية واستعراضية حملت طابعًا اجتماعيًا ووطنيًا، وحققت نجاحًا واسعًا داخل مصر وخارجها، حيث جابت فرقته العديد من الدول العربية والأجنبية.
وفي السينما، قدم الريحاني عدة تجارب، إلا أن فيلم "سلامة في خير" كان نقطة التحول الأبرز في مسيرته السينمائية، وفتح له باب النجاح الجماهيري على الشاشة الكبيرة، رغم أن بداياته السينمائية لم تكن راضٍ عنها بشكل كامل.
وفي 8 يونيو عام 1949، رحل نجيب الريحاني بعد مسيرة فنية طويلة، ترك خلالها إرثًا فنيًا خالدًا، ما زال حاضرًا في ذاكرة المسرح العربي حتى اليوم، باعتباره أحد أبرز من أسسوا للكوميديا الهادفة ورسخوا مكانة المسرح كفن مؤثر وفاعل في المجتمع.