فى ظل وضع إقليمى ودولى بالغ الحساسية، جاءت زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى كوريا الشمالية الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ سبع سنوات، لتؤكد متانة العلاقات التاريخية بين البلدين، لكن الزيارة أثارت فى الوقت ذاته تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من ورائها، وما إذا كانت تتجاوز إطار العلاقات الثنائية لتوجيه رسائل سياسية واستراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها فى شرق آسيا.
تعد الصين شريان الحياة الرئيسى لاقتصاد كوريا الشمالية وداعمها الدبلوماسى الأهم، لكن الزيارة اكتسبت أهمية خاصة فى ضوء المتغيرات التى شهدتها العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. فقد أدى إغلاق الحدود خلال جائحة كورونا إلى تراجع التبادلات الثنائية، فى الوقت الذى شهدت فيه العلاقات بين بيونج يانج وموسكو تطوراً كبيراً بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو
ما أثار تساؤلات بشأن مدى تراجع النفوذ الصينى فى كوريا الشمالية.
فى هذا السياق، رأت شبكة "سى إن إن"، أن زيارة الرئيس الصينى منحت فرصة ل بكين لتأكيد أن كوريا الشمالية لا تزال تعتمد عليها اقتصادياً ودبلوماسياً رغم تنامى علاقاتها مع روسيا.
كما أشارت الشبكة الأمريكية، إلى قول مراقبين بأن دعوة "شى" لتعزيز التعاون فى المجالات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية مع كوريا الشمالية، يعكس رغبة صينية فى توسيع بيونج يانج لمشاركتها فى التكتل السياسى والاقتصادى والأمنى الذى تعمل بكين على بنائه وقيادته فى مواجهة النفوذ الأمريكى.
بالإضافة إلى ذلك، تقول "سى إن إن"، إن الزيارة حملت رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن الصين لا تزال تمتلك نفوذاً مؤثرا على كوريا الشمالية، فى وقت أبدى فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رغبته فى استئناف الحوار مع الزعيم الكورى الشمالى كيم جونج أون، بعد فشل جهوده السابقة لنزع السلاح النووى الكورى الشمالى.
وبينما لا يرجح أن تمارس الصين الآن أية ضغوط على "كيم" للتخلى عن برنامجه النووى، فإن التقارب مع بيونج يانج يمنح بكين ورقة إضافية فى تعاملها مع الولايات المتحدة، حسب "سى إن إن".
الزيارة تعكس أيضاً حسابات صينية أوسع نطاقاً تتعلق بميزان القوى فى شرق آسيا، حيث يعزز حلفاء الولايات المتحدة وضعهم الدفاعى فى مواجهة القوة العسكرية المتنامية للصين.
ويرى ليم إيول تشول، الأستاذ فى جامعة كيونجنام بكوريا الجنوبية، أن حديث "شى" عن تعزيز التبادلات العسكرية مع كوريا الشمالية قد يشير إلى تحول كبير عن دعمه السابق لنزع السلاح النووى فى شبه الجزيرة الكورية، مضيفا: "قد يعنى هذا تحالفاً أمنياً بين الصين و كوريا الشمالية يهدف إلى مواجهة كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، حتى وإن تضمن ذلك قبولا ضمنيا لوضع كوريا الشمالية كدولة مسلحة نووياً".
وفيما يتعلق بكوريا الشمالية،ذكرت "سى إن إن"، أن هذه الزيارة شكلت فرصة لتعزيز سياسة التوازن فى علاقتها بين روسيا والصين، حيث تسعى إلى جنى مكاسب عسكرية واقتصادية من كلا البلدين، دون الارتهان الكامل لأى طرف.
ويقول سيدنى سايلر، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى واشنطن: "قد تؤثر استدامة تحسن العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا، وتنامى العلاقات بين كوريا الشمالية والصين، على المدة التى يستطيع فيها كيم جونج أون الاستمرار فى مواجهة الضغوط الأمريكية والكورية الجنوبية".
وحسب "فرانس برس"، يرى محللون، أن بكين ربما تكون قبلت فعلياً بواقع امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووى، بالنظر إلى أن بيونج يانج يمكن أن تشكّل عنصر توازن فى مواجهة حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة، مثل كوريا الجنوبية واليابان.
ومن جهته، يقول سيونج - هيون لى، من مؤسسة جورج إتش دبليو بوش للعلاقات الصينية الأمريكية، إن بكين تتّجه نحو "دعم استدامة النظام" بدلاً من نزع السلاح النووي، مضيفا لوكالة "فرانس برس": "تستفيد استراتيجية الصين الإقليمية من دولة معزولة مستقرّة ومسلحة وحليفة، تستوعب بعض القدرات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها".
وتشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام، إلى أن كوريا الشمالية تمتلك حالياً نحو 60 رأساً نووياً، مع تكثيف إنتاجها من المواد الانشطارية إلى ما يتجاوز المستوى الحالى الذى يكفى لصنع 30 رأساً نووياً إضافياً على الأقل.
كما كشفت بيونج يانج، عشية وصول شى جين بينج، عن خطط لبناء مدمرة بحرية تزن 10 آلاف طن، مؤكدةً بذلك مكانتها كدولة نووية.
من ناحية أخرى، أشارت "فرانس برس" فى تقريرها، إلى قول خبراء بأن بكين تسعى إلى موازنة النفوذ الروسى المتنامى فى كوريا الشمالية، فالعلاقات بين موسكو و بيونج يانج باتت أكثر قوة مما هى عليه بين بكين وبيونج يانج، إذ تحتاج روسيا إلى دعم "كيم" من أجل حربها فى أوكرانيا، فيما تحتاج كوريا الشمالية إلى التكنولوجيا والإمدادات الغذائية من روسيا.
فى السياق ذاته، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن هذه الزيارة لم تكن مثل سابقتها فى 2019، إذ إن الزعيم الكورى الشمالى أصبح أكثر ثقة وقوة مما كان عليه من قبل، بعدما أسهم تحالفه مع روسيا فى تقليل اعتماده على الصين، وخروج الاقتصاد الكورى الشمالى نسبيا من عزلته الدولية.
لذا، فإن زيارة "شى" لا تعكس فقط رغبة فى إظهار جبهة موحدة فى مواجهة الغرب، بل أيضاً محاولة لتأكيد استمرار الدور الصينى المحورى فى شبه الجزيرة الكورية ومنع روسيا من احتكار النفوذ لدى بيونج يانج.
فى المقابل، يدرك كيم أن التقارب مع الصين يظل خياراً استراتيجياً مهماً، إذ إنه فى حال انتهاء الحرب فى أوكرانيا، قد تتضاءل حاجة روسيا للدعم الكورى الشمالى.
وذكرت "نيويورك تايمز"، أنه وسط هذه التجاذبات، قد يشعر كيم جونج أون فى حال نجاحه فى الموازنة بين حليفتيه الرئيسيتين بحرية أكبر فى مواصلة تطوير برنامجه للأسلحة النووية.
ولسنوات طويلة، كانت الصين وروسيا تدعمان الجهود الدولية الرامية إلى الحد من البرنامج النووى الكورى الشمالى، وصوتتا إلى جانب الولايات المتحدة لفرض عقوبات أممية مشددة على بيونج يانج فى عامى 2016 و2017.
لكن موقف موسكو تغير بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع كوريا الشمالية عام 2024 وتقديم دعم عسكرى لها.
أما الصين، فما زالت تعلن رسميًا معارضتها لامتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية، خشية أن يدفع ذلك دولاً حليفة لواشنطن مثل كوريا الجنوبية إلى السعى لامتلاك ترسانات نووية خاصة بها، إلا أن محللين يرون أن بكين لم تعد تجد فائدة استراتيجية كبيرة فى مساعدة واشنطن على حل الملف النووى الكورى الشمالي، كما أنها تدرك أن الضغط على بيونج يانج للتخلى عن برنامجها النووى قد يضر بعلاقاتها معها.
ويقول فيكتور تشا، رئيس قسم السياسة الخارجية فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لـ "بى بى سى": "إذا اتخذت الصين موقفاً قوياً ضد البرنامج النووى لبيونج يانج، فإن هذا لن يؤدى إلا إلى دفع كوريا الشمالية أكثر نحو أحضان بوتين".
ويشير لى سيونج هيون، الباحث الزائر فى مركز آسيا بجامعة هارفارد، إلى أن توسيع التعاون العسكرى بين روسيا و كوريا الشمالية يثير قلق بكين من منطلق أنه قد يُؤدى إلى رد عسكرى ثلاثى أقوى من قبل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.