في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

قبل أن يرحل الربيع، وفي جو معتدل على ضفاف بحيرة جنيف ، وعلى ارتفاع أكثر من 500 متر فوق مستوى سطح البحر، فى مدينة " إيفيان " الفرنسية الهادئة التي لا يتجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، اجتمع قادة أكبر الاقتصادات الصناعية فى العالم، ومعهم 6 من الشركاء على رأسهم مصر. وبين مشهد جبال الألب المهيب ودرجات حرارة تراوحت بين 18 و21 درجة مئوية، تحولت المدينة الصغيرة إلى عاصمة مؤقتة لصنع القرار العالمي، باستضافتها للدورة 52 لقمة مجموعة السبع G7 لبحث ملفات أمن الطاقة والأزمة الأوكرانية والملف الإيراني والممرات المائية والاستقرار والتهدئة فى الشرق الأوسط، والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية والاقتصاد العالمي.

جاءت دعوة مصر للمشاركة فى قمة مجموعة السبع للمرة الثانية بصفتها شريكا فاعلا وهو ما يدلل على قوة ومكانة الدولة المصرية.

ففي عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ، لم تعد القمم الدولية الكبرى مجرد مناسبات بروتوكولية أو لقاءات دبلوماسية عابرة، بل تحولت إلى منصات لصياغة مستقبل الاقتصاد العالمي وترتيبات الأمن الدولي ورسم خرائط النفوذ خلال العقود المقبلة.

من هذا المنطلق تكتسب مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي فى قمة مجموعة السبع أهمية استثنائية تتجاوز حدود الحضور الرسمي إلى مستوى الاعتراف الدولي المتزايد بمكانة مصر ودورها المحوري فى إدارة التوازنات الإقليمية والدولية.

فالدول لا تُدعى إلى مثل هذه القمم على أساس المجاملة السياسية، وإنما على أساس الوزن الاستراتيجي والقدرة على التأثير فى القضايا التي تشغل العالم.

لذلك فإن وجود مصر على مائدة الحوار مع قادة أكبر الاقتصادات الصناعية فى العالم يعكس حقيقة سياسية مهمة مفادها أن القاهرة أصبحت رقما صعبا فى معادلات الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.

فضلا عن مكانتها باعتبارها إحدى الدول المحورية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

(1) تمثل مجموعة السبع أحد أهم التجمعات الدولية المؤثرة فى العالم، إذ تضم الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان، وهي دول تمتلك مجتمعة نسبة مؤثرة من الناتج الاقتصادي العالمي والتجارة الدولية والاستثمارات العابرة للحدود تبلغ 45%.

ورغم ظهور قوى اقتصادية جديدة خلال العقود الأخيرة مثل الصين والهند، فإن مجموعة السبع لا تزال تحتفظ بدورها المركزي فى توجيه السياسات الاقتصادية العالمية وصياغة المواقف الدولية تجاه الأزمات السياسية والأمنية الكبرى.

ففى الوقت الذي تمتلك فيه الصين ما يقارب من 17% من إجمالي الناتج العالمي الأسمى، وتمتلك مجموعة بريكس 35% فقد حرصت مجموعة G7 على أن تمتلك هي والدول الست الشركاء (استراليا، البرازيل، الهند، مصر، كوريا الجنوبية، وجنوب إفريقيا) على 55% من الناتج العالمي وهو ما يجعلها تتحكم فى أكثر من نصف اقتصاد العالم.

ومن ثم فإن مشاركة مصر فى هذا المحفل تعني أن القضايا التي تمثلها القاهرة أصبحت جزءا من جدول أعمال القوى الكبرى، وأن رؤية مصر تجاه الملفات الإقليمية والدولية باتت تحظى باهتمام متزايد داخل دوائر صنع القرار العالمي.

تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي فى وقت يمر فيه العالم بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد.

فالحرب الروسية الأوكرانية أعادت تشكيل أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، والتوترات فى الشرق الأوسط أيضا ألقت بظلالها على حركة التجارة العالمية، كما أن المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين دفعت العالم نحو إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية.

وفى خضم هذه المتغيرات برزت مصر باعتبارها دولة تمتلك عناصر تأثير استثنائية. فهي تقع على واحد من أهم الممرات الملاحية فى العالم ممثلا فى قناة السويس، وتتحكم فى نقطة ارتكاز رئيسية لحركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب، كما أنها تمثل ثقلا سياسيا وعسكريا وسكانيا يجعلها أحد أهم الفاعلين فى الشرق الأوسط وإفريقيا.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن استقرار مصر لم يعد قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزءا من معادلة الاستقرار العالمي، وهو ما يفسر حرص القوى الكبرى على تعزيز الحوار والتنسيق معها فى مختلف الملفات.

إن مصر تعد صوت الاعتدال فى زمن الاستقطاب، ف مصر تمتلك سياسة خارجية متوازنة فى عالم يشهد استقطابا متزايدا بين القوى الكبرى.

وخلال السنوات الماضية استطاعت مصر أن تبني علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفى الوقت نفسه عززت تعاونها مع الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، دون أن تنخرط فى محاور متصارعة أو تدخل فى سياسات استقطاب حادة بفضل السياسة الحكيمة للرئيس السيسي.

هذا التوازن منح مصر مساحة حركة واسعة، وجعلها طرفا مقبولا لدى مختلف القوى الدولية، وقادرا على لعب أدوار الوساطة والتقريب بين المواقف المتباينة.

رغم أن دول مجموعة السبع تمثل الاقتصادات الأكثر تقدماً، فإنها أصبحت أكثر إدراكاً أن حل المشكلات العالمية لن يتم دون إشراك دول الجنوب.

وهنا تبرز مصر باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على الربط بين مصالح إفريقيا والعالم العربي والقوى الاقتصادية الكبرى.

فالقاهرة لا تتحدث باسم دولة واحدة فقط، وإنما تنقل إلى طاولة النقاش الدولي أولويات قارة تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة وتسعى إلى تحقيق التنمية والنمو ومواجهة أعباء الديون والتغير المناخي.

رابعا: تعد مصر "شريكًا موثوقًا" فى ملف الطاقة.

فقد شهد العالم منذ الحرب الأوكرانية تغيرات جذرية فى خريطة الطاقة الدولية ومساراتها.

وأصبحت أوروبا تبحث عن شركاء جدد لتأمين احتياجاتها من الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات.

وفى هذا السياق، برزت مصر باعتبارها مركزاً إقليمياً للطاقة التقليدية والمتجددة معاً.

فهي تمتلك بنية تحتية متطورة للغاز الطبيعي، وتقود مشروعات واعدة فى الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وبالتالي فإن الحوار مع مصر لم يعد مرتبطا بالسياسة فقط، وإنما أصبح جزءا من حسابات أمن الطاقة العالمي.

إن العالم يشهد اليوم تحولات تشبه تلك التي أعقبت الحرب العالمية الثانية أو نهاية الحرب الباردة.

فالقوى التقليدية تحاول الحفاظ على نفوذها، بينما تسعى قوى جديدة إلى توسيع حضورها، وتبرز أهمية الدول المحورية القادرة على الربط بين مختلف المراكز الدولية.

وفى هذا السياق، تبدو مصر واحدة من الدول القليلة التي تجمع بين الموقع الجغرافى الاستثنائي، والثقل السكاني، والقوة العسكرية، والتأثير السياسي.

بالإضافة إلى الانتماء العربي والإفريقي والمتوسطي فى آن واحد.

وهي عناصر تجعلها مرشحة للعب دور أكبر فى النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.

(3) جاء حضور الرئيس السيسي لقمة مجموعة السبع هذه الدورة ليمثل نقطة مفصلية تكشف حجم ما استطاعت الدولة المصرية أن تحققه من إنجازات خلال الاثنى عشر عامًا الأخيرة فى علاقاتها الدولية وقدرتها الاقتصادية وهو ما ظهر جليا خلال اللقاءات والقمم الثنائية التي عقدها الرئيس السيسي على هامش القمة ومنها القمة المصرية الأمريكية والتي بحث خلالها مع الرئيس ترامب تطورات الأوضاع فى المنطقة ومستقبل العلاقات المصرية الأمريكية وتطورها، وكذا أزمة سد النهضة، التي أكد الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر الصحفي اتفاقه مع وجهة النظر المصرية، وضرورة التهدئة فى الشرق الأوسط والتي كانت بوادرها هو توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن و طهران والتي تعد بمثابة إغلاق نتمنى أن يستمر لفصل من التوتر فى الشرق الأوسط.

لقد جاءت القمة المصرية الأمريكية تحمل رسائل متعددة فى توقيت بالغ الحساسية.

فهى تؤكد استمرار متانة العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وتعكس إدراك الإدارة الأمريكية للأهمية المتزايدة للدور المصري فى إدارة أزمات المنطقة، كما تبرز مكانة مصر كشريك رئيسي فى ملفات الأمن الإقليمي وأمن الملاحة والطاقة والقضية الفلسطينية.

لقد عقد الرئيس عددًا من الجلسات الثنائية على هامش قمة مجموعة السبع ، حيث التقى الرئيس لولا دا سيلفا، رئيس جمهورية البرازيل الاتحادية، كما التقى بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والسيدة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية.

والسيد/ أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي .

كما عقد جلسة مع عدد من رجال الأعمال الأوربيين استعرض خلالها الفرص الواعدة التي تمتلكها مصر فى مجال الاستثمار وكذا ما يتمتع به مناخ الاستثمار فى مصر من عوامل جذب.

إن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي فى قمة مجموعة السبع تأتي تعبيرًا عن حقيقة رسختها السنوات الأخيرة، مفادها مصر لم تعد فقط دولة تتأثر بالتحولات العالمية، بل أصبحت شريكا فاعلا فى صياغتها وصناعة مستقبلها.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان