حرب إيران .. بين الوقف والموقف

حرب إيران .. بين الوقف والموقفسعيد صلاح

الرأى21-6-2026 | 17:02

هل توقفت الحرب الأمريكية الإيرانية ؟.. نعم!، هل ستعود مرة أخرى؟.. ربما!، من انتصر فى الحرب؟.. غير معلوم!، من انهزم فى الحرب ؟.. غير معلوم، أسئلة صعبة خاصة فى منطقة اعتادت أن تستيقظ على أخبار الحروب أكثر مما تستيقظ على أخبار التسويات.

لقد تابعت مثلكم الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وقد كان حدثًا سياسيًا لافتًا يستحق التوقف أمامه بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المتسرعة، فالاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد أشهر من التوتر والتصعيد المتبادل، لا يمثل مجرد تفاهم ثنائي بين دولتين متحاربتين، وإنما يحمل فى طياته انعكاسات واسعة على مجمل التوازنات الإقليمية فى الشرق الأوسط .

التقديرات والتفسيرات والتحليلات التي قرأتها فى صحافتنا العربية والصحف الأجنبية، انقسمت بين من اعتبر ما حدث انتصارًا سياسيًا لإيران، ومن رآه نجاحًا لأمريكا فى تجنب حرب إقليمية واسعة. في حين تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا من تلك التصنيفات المبسطة، فالسياسة الدولية لا تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم فقط، وإنما بمنطق المصالح وحسابات التكلفة والعائد، خاصة عندما يتعلق الأمر بصراع استمر لعقود بين واشنطن وطهران.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة «الموقف المصرى» الذى جاء متوازنًا وهادئًا ومتسقًا مع ثوابت السياسة الخارجية المصرية، حيث رحبت القاهرة بتوقيع مذكرة التفاهم، واعتبرتها خطوة مهمة نحو خفض التوتر وتجنيب المنطقة المزيد من الصراعات، مع التأكيد على ضرورة البناء على هذه الخطوة للوصول إلى اتفاق نهائي ومستدام يحقق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف.

لقد كانت مصر منذ اندلاع الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، من أكثر الدول حرصًا على التحذير من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة، فالقاهرة تدرك بحكم موقعها وثقلها الإقليمى أن أى حرب واسعة فى الخليج أو الشرق الأوسط لن تتوقف آثارها عند حدود الدول المتصارعة، وإنما ستمتد إلى الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وأمن الممرات الملاحية، ولهذا لم يكن الترحيب المصرى بالاتفاق مفاجئًا، بل جاء امتدادًا لموقف ثابت يقوم على دعم الحلول السياسية وتسوية النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية.

وقد عكست كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته فى قمة مجموعة السبع الأخيرة بفرنسا هذا التوجه بوضوح، حين شدد على ضرورة إيجاد تسوية شاملة للأزمات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط، وأكد أن الاستقرار الحقيقى لا يتحقق من خلال إدارة الأزمات أو تأجيلها، وإنما عبر معالجة جذورها الأساسية، وقد كان لافتًا أن الرئيس السيسي لم ينظر إلى الاتفاق الأمريكى الإيرانى باعتباره هدفًا فى حد ذاته، بل باعتباره فرصة يجب استثمارها لإطلاق مسار أوسع نحو تسوية النزاعات فى المنطقة، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية التى أكد مرارًا أنها تظل جوهر الصراع فى الشرق الأوسط.

ومن هنا جاءت رسالة الرئيس السيسي الواضحة إلى الرئيس ترامب خلال لقاءاته فى قمة السبع، بأن النجاح فى التوصل إلى تفاهم مع إيران ينبغى أن يتوازى مع جهود جادة لإنهاء الحرب فى غزة ومنع اتساع دائرة الصراع وإحياء عملية السلام على أسس عادلة ومستدامة.

ورغم أن المفاوضات التى أفضت إلى مذكرة التفاهم جرت بمشاركة أطراف إقليمية ودولية متعددة، فإن الدور المصرى ظل حاضرًا فى خلفية المشهد السياسى باعتباره جزءًا من منظومة العمل الإقليمى الهادفة إلى منع الانفجار الشامل، فمصر خلال السنوات الأخيرة تبنت سياسة تقوم على منع انهيار الدول الوطنية والحفاظ على مؤسساتها ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية، كما أن القاهرة كانت من أوائل العواصم التى دعت إلى إنشاء منظومة أمن إقليمى جماعى تراعى مصالح جميع الأطراف وتقوم على احترام السيادة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول.

وقد أعاد الرئيس السيسي خلال قمة السبع، التأكيد على هذه الرؤية عندما دعا إلى ترتيبات إقليمية للأمن الجماعى تراعى شواغل مختلف الأطراف وتحافظ على استقرار المنطقة وأمن الممرات الملاحية الدولية، ويعكس هذا الطرح إدراكًا مصريًا بأن المنطقة لا تستطيع تحمل جولات جديدة من الحروب المفتوحة، وأن البديل الوحيد هو بناء توازنات جديدة قائمة على الحوار والتفاهمات السياسية.

نعود مرة أخرى الى الأسئلة الصعبة ، ماذا كسبت إيران؟.. -سؤال مهم - فلا يمكن إنكار أن إيران خرجت من الاتفاق وهي تحقق عددًا من المكاسب المهمة، فأول هذه المكاسب يتمثل فى تجنب مواجهة عسكرية واسعة وجديدة كانت تحمل مخاطر كبيرة على الداخل الإيراني وعلى الاقتصاد الإيراني الذي عانى لسنوات طويلة من العقوبات، كما نجحت طهران فى الحفاظ على وجودها السياسي كطرف لا يمكن تجاوزه فى معادلات المنطقة، وهو ما كانت تسعى إليه منذ سنوات.

كذلك فإن مجرد انتقال العلاقة مع أمريكا من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة التفاوض يمنح إيران مساحة أكبر للحركة السياسية والاقتصادية، لكن فى الوقت نفسه، فإن الحديث عن انتصار إيرانى مطلق يبدو مبالغًا فيه، فالاتفاق لا يلغى التحديات الاقتصادية الضخمة التى تواجهها طهران، ولا يحل جميع الملفات الخلافية المتعلقة بالبرنامج النووى أو الصواريخ أو النفوذ الإقليمى، بمعنى آخر، فإن إيران ربحت فرصة جديدة، لكنها لم تحصل بعد على تسوية نهائية لكل أزماتها.

.. وماذا كسبت أمريكا؟.. سؤال أيضا مهم، حيث لا تبدو الولايات المتحدة فى موقع الخاسر كما يحاول البعض تصوير الأمر، فالهدف الرئيسى لأى إدارة أمريكية هو حماية المصالح الأمريكية وتجنب الانخراط فى حروب طويلة ومكلفة.

ومن هذه الزاوية نجح ترامب فى تجنب مواجهة عسكرية كانت قد تؤدى إلى اضطرابات واسعة فى أسواق الطاقة العالمية وتستنزف الموارد الأمريكية فى وقت تواجه فيه واشنطن تحديات دولية متعددة، كما أن الإدارة الأمريكية نجحت فى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بما يسمح لها بمواصلة الضغط السياسى والدبلوماسى لتحقيق أهدافها فى المراحل المقبلة، ولهذا فإن ما جرى أقرب إلى تسوية مؤقتة تحقق مكاسب للطرفين أكثر من كونه هزيمة كاملة لأحدهما.

إذن من هو الخاسر الحقيقى؟.. سؤال أكثر أهمية ومنطقية، فإذا كان من الصعب الحديث عن منتصر مطلق أو مهزوم مطلق فى هذا الاتفاق، فإن هناك طرفًا يبدو الأكثر خسارة من استمرار أجواء الصراع فى المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو شعوب الشرق الأوسط نفسها.

فالحروب المتلاحقة استنزفت مقدرات الدول وأهدرت فرص التنمية وأثقلت كاهل الاقتصادات الوطنية وأدت إلى موجات واسعة من النزوح وعدم الاستقرار، ولهذا فإن أي خطوة تؤدى إلى خفض التوتر وفتح المجال أمام التسويات السياسية تمثل مكسبًا مباشرًا لشعوب المنطقة، كما يمكن القول إن تيارات التصعيد والمواجهة التى راهنت دائمًا على الحلول العسكرية وحدها تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يفرض أولوية الحوار والتفاوض.

ومع هذا الزخم من الأسئلة المهمة يبقى السؤال الأهم.. كيف سيبدو الشرق الأوسط بعد هذا الاتفاق؟.. الإجابة لا تزال رهينة بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، من وجهة نظرى لو نجحت واشنطن وطهران فى تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق شامل ومستدام،


وإذا تزامن ذلك مع تقدم حقيقى فى الملف الفلسطينى وتهدئة الأوضاع فى لبنان وغزة، فقد تكون المنطقة أمام بداية مرحلة جديدة أقل توترًا وأكثر استقرارًا، أما إذا تعثرت المفاوضات- وهناك من يريد ذلك - أو عادت الأطراف إلى منطق التصعيد، فإن الاتفاق الحالى قد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تنهيها، غير أن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق مهم، فإما البناء على هذه اللحظة السياسية النادرة لإطلاق مسار أوسع نحو السلام، وإما العودة مرة أخرى إلى دوائر الصراع التى دفعت المنطقة أثمانًا باهظة بسببها.

وفى هذا السياق تبرز مصر باعتبارها أحد أكثر الأطراف تمسكًا بخيار التسوية السياسية، فمنذ عقود طويلة أثبتت القاهرة أن السلام ليس شعارًا نظريًا، بل خيارًا استراتيجيًا قادرًا على حماية الدول وتحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة للتنمية ، ولهذا لم يكن غريبًا أن يؤكد الرئيس السيسي أمام قادة العالم فى قمة السبع أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية تظل نموذجًا يمكن البناء عليه للوصول إلى تسويات مستدامة فى المنطقة، وأن اغتنام الفرص المتاحة اليوم أفضل كثيرًا من انتظار أزمات جديدة غدًا.

إن الاتفاق الأمريكى الإيرانى لا يمثل نهاية الصراعات فى الشرق الأوسط، لكنه قد يكون بداية صفحة جديدة إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة، وبينما تتجه أنظار العالم إلى ما ستسفر عنه المباحثات المقبلة، تبقى الحقيقة الأهم أن الاستقرار الإقليمى لن يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة تقوم على احترام سيادة الدول، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وضمان الحقوق المشروعة للشعوب، وفى مقدمتها حق الشعب الفلسطينى فى دولته المستقلة.

هذه هى الرسالة التى حملتها القاهرة إلى قمة السبع، وهى الرسالة ذاتها التى تحاول مصر ترسيخها فى مختلف تحركاتها الإقليمية والدولية «لا أمن دائما بلا سلام عادل، ولا استقرار حقيقيا بلا تسويات سياسية شاملة تعالج جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها».

حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان