صفحة جديدة فتحها الاتحاد الأوروبي في إدارة أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل خلال العقد الأخير، مع دخول ميثاق الهجرة و اللجوء الأوروبي الجديد حيز التنفيذ، غير أنه فتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للنقاش بين الحكومات الأوروبية التي تري الميثاق حلًا ضروريًا لضبط ملف الهجرة، وبين المنظمات الحقوقية التي تخشي أن يؤدي إلي تقييد حقوق اللاجئين والمهاجرين وتقليص فرص حصولهم علي الحماية الدولية.
وبين مؤيد يعتبر الميثاق إصلاحًا طال انتظاره، ومعارض يراه تشددًا جديدًا في سياسات الهجرة، عاد الجدل مجددًا حول قدرة أوروبا علي تحقيق التوازن بين حماية حدودها والوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه الفارين من الحروب والاضطهاد، ومن هنا كثر التساؤل حول طبيعة هذا الميثاق وأبرز بنوده وتأثيراته المحتملة علي مستقبل المهاجرين واللاجئين في أوروبا.
وبعد سنوات من الخلافات بين الدول الأوروبية حول كيفية استقبال المهاجرين وتقاسم المسئوليات المتعلقة بهم، جاء ميثاق الهجرة و اللجوء الأوروبي الجديد، بهدف إنشاء نظام موحد لإدارة الهجرة واللجوء، ويُعد أكبر إصلاح لمنظومة اللجوء الأوروبية منذ أزمة اللاجئين عام 2015، التي كشفت عن وجود فجوات كبيرة في سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي.
يستند الميثاق إلي مجموعة من القواعد والإجراءات الجديدة التي تبدأ بفحص جميع الوافدين بصورة غير نظامية إلي الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتشمل هذه الإجراءات التحقق من الهوية والجنسية والبصمات والسجلات الأمنية والحالة الصحية قبل السماح لهم بدخول إجراءات اللجوء الرسمية.
وينص الميثاق علي تطبيق إجراءات حدودية سريعة لبعض الفئات من طالبي اللجوء، خاصة القادمين من دول تعتبرها السلطات الأوروبية ذات معدلات منخفضة للحصول علي الحماية الدولية، بهدف تسريع البت في الطلبات وتقليص فترات الانتظار.
ومن أبرز بنود الميثاق أيضًا إنشاء آلية للتضامن الإلزامي بين الدول الأعضاء. ووفقًا لهذه الآلية، تتحمل جميع الدول الأوروبية جزءًا من مسئولية إدارة ملف اللجوء، سواء من خلال استقبال عدد من طالبي اللجوء الموجودين في دول الحدود مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، أو من خلال تقديم مساهمات مالية وفنية ولوجستية للدول التي تواجه ضغوطًا كبيرة بسبب تدفقات المهاجرين.
ويري مؤيدو الميثاق أن هذه الإجراءات ستساعد علي إنهاء حالة الفوضي التي صاحبت أزمة الهجرة خلال السنوات الماضية، كما ستمنع تركز أعداد كبيرة من المهاجرين في دول معينة دون غيرها، ويؤكد المسئولون الأوروبيون أن الإصلاح الجديد لا يهدف إلي إغلاق أبواب اللجوء، بل إلي جعل الإجراءات أكثر سرعة وتنظيمًا وفعالية، مع تعزيز الرقابة علي الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.
وتعليقا علي الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة ، ركزت وكالة "رويترز" علي كونه أكبر إصلاح تشهده منظومة الهجرة الأوروبية منذ سنوات، مشيرة إلي أنه يمثل محاولة لإعادة تنظيم إدارة الحدود وتوزيع المسئوليات بين الدول الأعضاء، لكنها لفتت في الوقت نفسه إلي وجود شكوك حول قدرة الحكومات الأوروبية علي تنفيذ جميع الالتزامات الجديدة بصورة فعالة.
من جانبها، رأت شبكة "يورونيوز"، أن الميثاق يعكس طموحًا أوروبيًا لإنشاء سياسة موحدة للهجرة واللجوء، لكنها أشارت إلي أن نجاحه سيعتمد علي مدي التزام الدول الأعضاء بتنفيذ آليات التضامن وإعادة التوطين، خاصة في ظل استمرار الخلافات السياسية بين بعض الحكومات الأوروبية بشأن استقبال اللاجئين.
وبينما أشارت بعض التقارير الإعلامية إلي أن الحكومات الأوروبية تواجه ضغوطًا متزايدة من الرأي العام للسيطرة علي تدفقات الهجرة غير النظامية، وأن الميثاق الجديد يمثل محاولة للتوفيق بين هذه الضغوط وبين الالتزامات القانونية والإنسانية تجاه اللاجئين، ركزت وكالة "أسوشيتد برس" علي التأثير المباشر للإجراءات الجديدة علي المهاجرين وطالبي اللجوء، موضحة أن الفحص الإلزامي والإجراءات السريعة قد يغيران بشكل كبير طريقة التعامل مع الوافدين إلي أوروبا، وهو ما أثار مخاوف المدافعين عن حقوق الإنسان بشأن ضمانات العدالة والإجراءات القانونية.
في السياق ذاته، وجهت صحيفة "الجارديان" البريطانية، سهام الانتقاد للميثاق، معتبرة أن أوروبا تتجه نحو نهج أكثر تشددًا في التعامل مع الهجرة، وأن السياسات الجديدة تعكس تغليب الاعتبارات الأمنية علي المبادئ الإنسانية. ورأت الصحيفة أن التوسع في إجراءات الاحتجاز والترحيل السريع قد يضعف صورة أوروبا باعتبارها ملاذًا للأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد.
وفي الوقت ذاته، تعرض الميثاق الأوروبي الجديد لانتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية دولية، اعتبرت أن بعض بنوده قد تمثل انتقاصًا من حقوق اللاجئين. وتري هذه المنظمات أن الإجراءات السريعة علي الحدود قد تؤدي إلي دراسة ملفات اللجوء بصورة غير كافية، ما قد يحرم بعض الأشخاص المستحقين للحماية من فرصة عرض ظروفهم بشكل كامل وعادل.
كما أعربت منظمات حقوقية عن مخاوفها من التوسع في احتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء داخل مراكز حدودية مغلقة خلال فترة فحص طلباتهم، معتبرة أن ذلك قد يؤثر علي الحقوق الأساسية للأفراد، خاصة الأطفال والعائلات. وتخشي هذه المنظمات أن تتحول مراكز الاستقبال إلي مناطق احتجاز طويلة الأمد في ظل الضغوط المتزايدة علي أنظمة اللجوء الأوروبية.
ومن بين أبرز الانتقادات أيضًا ما يتعلق بمفهوم "الدول الآمنة"، الذي يسمح بنقل أو إعادة بعض طالبي اللجوء إلي دول تعتبرها السلطات الأوروبية آمنة. ويري المنتقدون أن هذا المفهوم قد يفتح الباب أمام إعادة أشخاص إلي دول لا تربطهم بها أي صلة مباشرة، بما قد يتعارض مع المبادئ الأساسية للحماية الدولية، وحق اللجوء المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية.
وفي السياق ذاته، اعتبرت منظمات حقوقية، أن الميثاق يعكس تحولًا تدريجيًا في السياسة الأوروبية من التركيز علي حماية اللاجئين إلي التركيز بصورة أكبر علي ردع الهجرة غير النظامية. وتري هذه الجهات أن الاتحاد الأوروبي أصبح يمنح الأولوية للاعتبارات الأمنية وإدارة الحدود علي حساب الاعتبارات الإنسانية التي شكلت أساس نظام اللجوء الأوروبي لعقود طويلة.
بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني.