من رحم المعاناة واليأس تولد اليقظة، ومن وسط ظلام الأحداث تشرق دائماً أشعة النور. إنها حتمية التاريخ وسنة الكون؛ فبالعزيمة الصلبة تتحرر الإرادة، وب الوعي الحقيقي تتحقق الانتصارات الكبرى. وفي تاريخ الأمم لحظات فارقة تشرق فيها شمس الوعي الجمعي، لتهبّ رياح اليقظة وتضيء الطرقات بنور الأمل في بناء مستقبل آمن ومستقر، تنعم فيه الأوطان بالسكينة والسلام. ولعل التجربة المصرية الحديثة خير شاهد على أن "الوعي" كان، ولا يزال، هو كلمة السر في العبور من ضيق التخبط إلى سعة الاستقرار .
إن الشعوب التي تفتقر إلى الوعي تضل طريقها في غياهب الفوضى، وتتكالب عليها الشدائد والمحن. ولولا إدراك الشعب المصري لخطورة المرحلة الراهنة وتحدياتها الجسيمة، ما قامت تلك الثورة المجيدة التي لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت بمثابة تعديل وتصحيح لمسار مرحلة تاريخية بالغة الأهمية، ليس في تاريخ مصر فحسب، بل في المنطقة بأسرها. لقد شكلت تلك اللحظات الفارقة نقطة تحول تاريخية، ونقلة نوعية في مستوى الوعي المجتمعي الذي يؤسس اليوم لثقافة جديدة ونهضة فكرية شاملة.
هذا التحول الإيجابي يفسر لنا لماذا لا تتوقف مخططات الأعداء والمتربصين بالوطن؛ فهم يدركون جيداً أن الوعي هو الحصن المنيع الذي يتحطم عليه كل غزو فكري. لذلك، تعمد "خفافيش الظلام" دوماً إلى محاولة كسر جسور الثقة، وزعزعة أفكار الشباب، وتزييف الحقائق، ونشر الأكاذيب و الشائعات . إنهم يتبعون سياسة "دس السم في العسل" وقلب المواقف، سعياً لتغييب الوعي الجمعي وصناعة أزمات وهمية تفرض وقيعة مصطنعة بين المكون الرئيسي لبناء الأمة: شبابها وقادتها.
ولكن، إذا كان الوعي هو السلاح الحامي، فإن "شحذ الهمم العالية" هو وقود الحركة والإنتاج. فالهمة هي صدق النية وقوة الإرادة اللازمتين لتحقيق الأهداف وصون المقدرات، وبها تُحفظ الأوطان وتزدهر المجتمعات. وتتجلى قيمة الإنسان الحقيقية وكماله العقلي في تكامل وعيه مع همته وعزيمته. إن أنفع الناس لأوطانهم هم أولئك الذين يتمتعون بعلو الهمة؛ فلا يرتضون بالإخفاق أو النمطية في أدائهم، بل يسعون دائماً لتحقيق أعلى معدلات الإتقان وإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات.
إن أصحاب الهمم العالية ينظرون إلى العقبات كفرص حقيقية للتعلم وإعادة التقييم والنمو، انطلاقاً من إيمان عميق بأن "من لا يتألم لا يتعلم". ومن هنا، تجد لديهم قدرة فائقة على النهوض بعد كل كبوة؛ فلا تعجزهم الضغوطات، ولا يستسلمون للإحباط، ولا يستمعون للمثبطين. هم دائماً في مقدمة صفوف البنائين، وأكثر الناس طموحاً وإيجابية، مستقرين نفسياً لأنهم يأنفون ضياع الوقت في توافه الأمور.
وفي المقابل، فإن غياب الوعي والبصيرة لدى بعض الشباب هو العائق الأكبر الذي يكبّلهم عن تحمل المسؤولية، على الرغم مما يمتلكونه من مقومات وإمكانات وأفكار هائلة وضخمة. ومن المؤسف أن نرى هذا البعض يقدم محتوى لا يعبر مطلقاً عن تلك الطاقات الوفيرة. إن استنهاض همم هؤلاء الشباب ورفع معدلات وعيهم سيؤدي، بلا شك، إلى تعزيز روحهم المعنوية، وإعلاء قيمهم الفكرية، وتفعيل تأثيرهم الإيجابي في المجتمع.
إن مواجهة حرب استنزاف طاقات الشباب تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على شحذ الهمم، وتجديد المعنويات، وإحياء الضمائر في كل فئات المجتمع. والسبيل إلى ذلك هو تقديم القدوة الحية من العلماء والقادة والصنّاع والزراع و الشباب أنفسهم، لنتمكن معاً من السير قدماً في معركة الحق والعدل ضد زيف الباطل وأكاذيبه.
ختاماً، يجب أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال المصيري: "هل نتوقع أو نتخيل من أعداء الأمة أن يكونوا أكثر اهتماماً منا بقضايانا ومجتمعاتنا؟". إن الآخرين ليسوا معنيين بأحوالنا ولا بواقعنا، ولم ولن يكونوا يوماً حريصين على ما يعنينا. إن تحقيق الوعي والتمسك بالهمة العالية هما بوابتنا الوحيدة نحو الخير. واليوم، ونحن نستحضر روح ثورة جاءت في وقت كنا فيه أحوج ما نكون إلى الاستقرار، فإننا مطالبون بالاجتهاد، وإعلاء شأن المخلصين، والضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين، ومحاربة الروتين، لنحقق لوطننا ومقدراتنا ما نستحقه من رفعة وعزة.
حفظ الله مصر، وشعبها العظيم، وجعلها دائماً منارة للوعي والرفعة.