كان اليوم شديد الحرارة، القاهرة بلغت درجة حرارتها 37 درجة مئوية فى الظل، ميدان التحرير يكتظ بالملايين، هتافاتهم برحيل النظام كانت أكثر حرارة من حرارة صيف ذلك اليوم الأربعاء 3 يوليو2013.
انتهت المهلة التي منحتها القوات المسلحة للجميع من التيارات السياسية فى بيان لها من قبل؛ لم يبقَ سوى ساعات قليلة، الجميع يترقب.. الشعب لم تؤثر فيه تهديدات الجماعة الإرهابية وحلفائها من التنظيمات الأخرى، فالمصريون فى الشوارع على مدى أربعة أيام معتصمون، فى الوقت ذاته كان الأمر لدى التنظيم الإرهابي وفى مكتب إرشادهم الذي نقلوه الى أحد الشقق التابعة لهم بمدينة نصر مختلفًا بعد أن هاجم المتظاهرون مقر مكتب الإرشاد فى الأول من يوليو مطالبين بإسقاط حكم المرشد.
بعد الظهيرة كانت الساعات فى الميدان تمر ببطء شديد، طائرات الهليكوبتر تشق السماء تبعث روح الطمأنينة فى نفوس المتظاهرين الذين قرروا الخلاص من تلك الجماعة الإرهابية واسترداد وطنهم المختطف.
الأغاني الوطنية والهتافات لم تتوقف لحظة، الجميع يثق فى حماية القوات المسلحة لإرادة الشعب.
مع اقتراب الساعة من السادسة مساء بدأت السماء وكأنها ترسل رسائل مستترة فقد هبت نسمات باردة خففت من درجة الحرارة وكان طقس القاهرة يؤكد أن إرادة الشعب المصري لا يمكن أن تهزم بل سيظل النصر حليفًا دائما له ما دام لديه جيش وطني شريف.
كان الجميع فى الميدان ينتظر بيان القوات المسلحة كما كان الشعب ينتظر بيانها السابع الذي أذاعته فى السابعة والنصف وخمس دقائق يوم السادس من أكتوبر معلنة عبور قواتنا المسلحة لقناة السويس واقتحام خط بارليف واحتلال الضفة الشرقية للقناة.
لقد كنا جميعا فى الميدان ننتظر بيان النصر على ذلك التنظيم الإرهابي المتدثر بعباءة الدين والدين منه براء.
كان البعض يتحدث عن أن البيان سيكون فى السادسة مساء ثم تردد أن البيان سيكون فى الثامنة مساء ومع مرور الوقت رغم صعوبته إلا أن الجميع فى الميدان كان لديه ثقة تامة أن القوات المسلحة ستظل الدرع الحامي لإرادة الشعب والمحافظ على الأمن القومي لهذا الوطن.
لم تهدأ الهتافات لحظة واحدة كان اجتماع الفريق أول عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة فى ذلك الوقت بقادة القوات المسلحة قبيل الموعد المحدد للاجتماع بممثلي القوى الوطنية فى الرابعة عصرا بعدها وصل إلى مقر القيادة المشتركة بمصر الجديدة الدكتور محمد البردعى ومحمود بدر ومحمد عبد العزيز ممثلين عن الشباب وحركة تمرد ، وجلال مرة ممثلا عن حزب النور وكان قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية قد حضر من وادى النطرون كما حضر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر من الأقصر كما حضرت الدكتورة سكينة فؤاد وفى الساعة الرابعة دخل القائد العام القاعة وجرت المناقشات بين الحضور لتقدير الموقف وتحديد خارطة الطريق وبعد استماع الحضور للشباب وفق اقتراح القائد العام وجرت نقاشات مستفيضة لينتهي الحضور من صياغة بيان 3 يوليو فى الثامنة وخمسة وأربعون دقيقة ليذاع بيان "النصر" فى الساعة التاسعة معلنا انتصار إرادة الشعب المصري.
تحولت شوارع مصر من الإسكندرية إلى أسوان ومن رفح إلى السلوم إلى احتفالات وزغاريد فى كافة شوارعها، كاشفة لحقيقة لا تقبل التزييف أن ما روجته تلك الجماعة الإرهابية على مدى سنوات من أنها لديها قوة مؤيدة على الأرض لم يكن سوى جزء من سيل الأكاذيب الذي احترفته.
كان بيان 3 يوليو 2013 الذي حمل خارطة طريق للدولة المصرية فى عشر نقاط كان مسار نحو الجمهورية الجديدة.
فى الوقت ذاته واصل التنظيم الإرهابي عبر منصتي رابعة والنهضة حالة التهديد والوعيد التي لا يعرف سواها للشعب كاشفا بكل قبح عن احترافه للغة الدم وتدمير الأوطان والوقوف على جثث الشعوب من أجل هدف واحد الوصول إلى السلطة.
لتبدأ مصر بعد انتصار ثورة الشعب فى يونيو ومباركتها ب بيان 3 يوليو مرحلة جديدة فى حرب المواجهة ضد قوى الشر.
عاد المصريون إلى منازلهم بعد ليلة انتصار حافلة فى الوقت الذي عمد التنظيم الإرهابي إلى تسويق ما حدث عالميا على أنه انقلاب على الشرعية؛ رغم أن أكثر من 30 مليون مصري كانوا فى الشوارع يطالبون بإسقاط النظام.
فى اليوم التالي 4 يوليو أدى المستشار عدلي منصور اليمين الدستورية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية كرئيس للجمهورية.
ولأن جماعة الإخوان وأذرعها الإعلامية تحترف تسويق الكذب كما أن أجهزة المخابرات لعدد من الدول فى ذلك الوقت كانت تعمل معها لتشويه المشهد المصري وتقديم صورة غير حقيقية.
بدأت معركة جديدة مع التنظيم وكان الفريق أول عبد الفتاح السيسي يدرك حجم ما ستواجهه الدولة المصرية من إرهاب تلك الجماعة، فطلب فى 24 من يوليو المصريين بالنزول لتفويض القوات المسلحة فى مواجهة الإرهاب وكان ذلك فى شهر رمضان وبالتحديد يوم 16 رمضان لينزل المصريون مرة أخرى إلى الشوارع بالملايين فى صورة أبهرت العالم، فبعد نجاح ثورتهم فى 30 يونيو نزل المصريون مرة أخرى فى 24 يوليو 2013 ليبلغوا رسالة جديدة إلى العالم الذي صدق كذب التنظيم الإرهابي.
وليمنح المصريون القوات المسلحة تفويضا بمواجهة الإرهاب نيابة عن الشعب.
لقد كانت مصر قبل بيان 3 يوليو على مفترق طرق وكادت تنزلق باتجاه الفوضى التي انزلقت فيها دول عدة بالمنطقة وما زالت لم تعد منها حتى الآن.
لكن إرادة الشعب وشرف القوات المسلحة وحكمة رجل الأقدار (الفريق أول عبد الفتاح السيسي ) الذي كان المنقذ لهذا الوطن حال بين مصر وبين الفوضى.
لقد جاء الفريق أول عبد الفتاح السيسي كما جاء قطز لينقذ مصر من زحف المغول ويحرر الأرض المقدسة.
فأنقذ السيسي الوطن من أيدي تلك الحفنة الإرهابية ممن لا يعرفون قدر الأوطان أو قيمتها.
لقد كانت الأيام الاربعة من 30 يونيو وحتى 3 يوليو أيام فارقة فى تاريخ الوطن.
لم يقتصر البيان على إعلان إجراءات انتقالية، بل وضع خارطة طريق متكاملة تضمنت تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقتة، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، وتعديل الدستور، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
واللافت أن البيان لم يقدم باعتباره نهاية للعملية السياسية، وإنما بداية لمسار جديد يستند إلى العودة للاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الاستفتاءات والانتخابات، وهو ما انعكس لاحقًا فى تنفيذ بنود خارطة الطريق وفق تسلسلها الزمني.
كما أكد البيان على أهمية مشاركة جميع القوى الوطنية فى بناء المستقبل، مع التشديد على نبذ العنف واحترام القانون.
لم يكن بيان 3 يوليو نهاية الأزمة باسترداد الشعب لدولته الوطنية، بل كان بداية لمرحلة أكثر صعوبة.
فقد دخلت مصر فى مواجهة مفتوحة مع التنظيمات الإرهابية التي سعت إلى إسقاط الدولة عبر استهداف مؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية، إضافة إلى استهداف الكنائس والمساجد والمواطنين.
وخاضت القوات المسلحة والشرطة معارك طويلة فى سيناء وعدد من المحافظات، قدم خلالها آلاف الشهداء والمصابين دفاعًا عن أمن واستقرار الوطن.
فى الوقت نفسه، واجهت الدولة تحديات اقتصادية معقدة، نتيجة تراجع السياحة والاستثمارات، والاضطرابات الإقليمية، والضغوط المالية.
ورغم تلك الظروف، استمرت مؤسسات الدولة فى أداء مهامها، وواصلت تنفيذ خارطة الطريق المعلنة.
فانتصر الجيش على الإرهاب ليسطر نصرا لم تحققه أقوى الجيوش فى العالم على التنظيمات الإرهابية وأصبحت التجربة المصرية فى مواجهة الإرهاب هي الأنجح والأكثر دراسة فى الأكاديميات والمعاهد العسكرية.
تميزت المرحلة التالية بالالتزام بتنفيذ ما ورد فى بيان الثالث من يوليو.
فتم تشكيل لجنة لتعديل الدستور، وأُجرى استفتاء شعبي على الدستور الجديد، ثم أجريت الانتخابات الرئاسية، تلتها الانتخابات البرلمانية، ليكتمل بذلك البناء الدستوري لمؤسسات الدولة.
ولم يكن الأمر يقتصر على إعادة بناء المؤسسات السياسية، بل امتد إلى إطلاق برنامج واسع لإعادة بناء الدولة وتثبيت أركانها على المستويات الاقتصادية والتنموية، شمل مشروعات قومية كبرى فى مجالات النقل والطاقة والإسكان والزراعة والصناعة.
كما شهدت القوات المسلحة والشرطة عملية تطوير كبيرة لقدراتهما، بما مكنهما من مواجهة التحديات الأمنية بكفاءة.
لم يكن بيان الثالث من يوليو 2013 مجرد كلمات أُذيعت فى مساء يوم من أيام الصيف، بل كان تعبيرًا عن لحظة فارقة التقت فيها إرادة ملايين المصريين مع مسؤولية مؤسسات الدولة فى حماية الوطن من الانقسام والفوضى.
وقد وضع البيان خارطة طريق هدفت إلى إدارة مرحلة انتقالية معقدة، ثم العودة إلى المسار الدستوري عبر الاستفتاء والانتخابات، فى محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار.
وبعد 13 عاما من تلك اللحظة، يبقى البيان جزءًا من سجل الأحداث المفصلية فى تاريخ مصر الحديث، ممثلا لبيان "النصر" ليس فقط لما تضمنه من قرارات، بل لأنه مثّل نقطة تحول انتقلت فيها الدولة من مرحلة الأزمة إلى مرحلة إعادة البناء. وسيظل تقييم هذه المرحلة مرتبطًا بقراءة سياقها التاريخي وظروفها، وبما حققته مصر لاحقًا من استعادة لمؤسساتها، وتعزيز لاستقرارها، ومواصلة لمسيرة التنمية، فى ظل إقليم لا يزال يواجه تحديات متلاحقة.
ونحن نحتفل بتلك الذكرى العزيزة علينا جميعا تجدنا نحتفل بإنجاز جديد يجرى افتتاحه خلال الساعات القليلة القادمة حيث تحتفل مصر بافتتاح القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، لتنتقل معها مصر إلى عصر جديد فى إدارة الدولة بعد سنوات من العمل والبناء.. بناء القوة لتصبح قادرة على مواجهة التحديات والتهديدات.
فما شهدته منطقة الشرق الأوسط والعديد من مناطق النزاع فى العالم كشفت عن ضرورة أن تمتلك الدول الوطنية القوة والقدرة للحفاظ على أمنها وحدودها واستقرارها ومواردها الاقتصادية.
إن افتتاح الأوكتاجون والقيادة الاستراتيجية يُجسد مرحلة جديدة فى مسيرة تطوير القوات المسلحة المصرية، باعتباره أحد أكبر وأحدث المجمعات العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وأحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تعكس رؤية الدولة لبناء مؤسسة عسكرية عصرية تمتلك أحدث منظومات القيادة والسيطرة.
وقد صُمم وفق أحدث المعايير العالمية، ليكون مركزًا متكاملًا لإدارة العمليات العسكرية وصنع القرار، بما يواكب التطور المتسارع فى طبيعة التحديات والتهديدات الإقليمية والدولية.
ولا يمثل الأوكتاجون مجرد انتقال إلى مقر إداري جديد، بل يجسد فلسفة الدولة فى تحديث بنيتها الدفاعية، وتعزيز جاهزية قواتها المسلحة، وترسيخ قدرتها على إدارة مختلف المهام بكفاءة واحترافية، بما يحافظ على أمن مصر القومي ويعزز مكانتها كركيزة للاستقرار فى المنطقة.
حيث يعد مدينة متكاملة لإدارة الدولة؛ ويضم مراكز اتصالات وقيادة موحدة.
ومركز البيانات الاستراتيجية الموحدة ومركز الطوارئ، ومنشآت إدارية، خدمية، سكنية وطبية.