رجل المباراة

رجل المباراةنسيم الهواري

الرأى5-7-2026 | 05:28

حَسِبْتُ، مُذْ عرفت مسالك القلم، أن كرة القدم لا تستحق أن تُستنزف فيها مداد الأقلام، ولا أن تُعقد لها مجالس الفكر، فهي عندي ساعةٌ من اللهو تمضي كما تمضي السحابة؛ تُبهِج الناظرَ إليها قليلًا، ثم لا تلبث أن تذوب في صفحة السماء، فلا يبقى منها إلا ذكرى عابرة.

ولذلك ما هممتُ يومًا أن أكتب في مباراة، ولا أن أفتش في شباك المرمى عن فكرة، ولا في أقدام اللاعبين عن حكمة.

غير أن ليلة الأمس كانت أقدر من رأيي على إقناعي، وأبلغ من يقيني في نقض يقيني.

خرجت من بيتي بعد أن وضعت المباراة أوزارها، ولم أكن أقصد إلا أن أمشي قليلًا، فإذا بي أمشي في قلب قصة لم يكتبها أحد، لم أكن أبحث عن حديث أكتبه، ولكن لأستنشق شيئًا من هواء الليل، فإذا بي أستنشق روحًا كاملة، وإذا بالمدينة التي أعرفها قد بدت لي كأنها مدينة أخرى. نزعت عنها ثوب التعب، وارتدت ثوبًا من الضوء لا يُرى إلا بالقلب.

كانت الشوارع هي الشوارع، والمباني هي المباني، والمصابيح هي المصابيح، ولكن شيئًا خفيًّا كان قد مر بها جميعًا، كما تمر أول قطرة مطر على وجه الأرض العطشى، فتوقظ فيها رائحة الحياة.

حتى الهواء الذي اعتدت أن أشعر بثقله فوق الصدور، بدا كأنه انحدر من قمم الجبال، باردًا نقيًّا، يحمل في أنفاسه رائحة الفرح.

ورأيت الناس.

ما أكثر ما رأيتهم من قبل، ولكنني لم أرهم قط كما رأيتهم تلك الليلة.

كانوا يشبهون نهرًا خرج من ضفتيه، لا ليغرق الأرض، بل ليغسلها من غبار الأيام.

ومضيتُ..

في أول شارع، رأيت طفلًا يركض بعلم مصر، يتعثر بطرفه مرة، ويعانقه مرة أخرى، كأنَّ العلم ليس قطعة قماش، بل كان جناحين يحاول أن يتعلم بهما الطيران.

وكان خلفه أبوه يضحك.

ولعلها كانت المرة الأولى التي رأيته فيها يضحك من قلبه.

عرفت الرجل.

عرفت أن الحياة قد مرت على وجهه كما تمر السنون على صخرةٍ في مجرى النهر؛ حفرت فيه أخاديدها ثم مضت، ولم تترك له إلا التعب.

غير أنني، في تلك اللحظة، لم أر التعب.

كان الفرح قد ألقى على وجهه عباءةً من نور، فغابت التجاعيد، أو كادت.

لقد كان الفرح كريمًا.. ستر أخاديد الشقاء بابتسامة واحدة.

وسِرْتُ.

فإذا بمقهى صغير قد ضاق برواده، لا لأن المقاعد امتلأت، بل لأن القلوب اتسعت حتى خرجت إلى الرصيف.

ومَضَيْتُ.

فإذا بعاملٍ بسيط الثياب، خشن الكفين، يصفق حتى احمرَّت راحتاه. ويهتف حتى بُحَّ صوته.

تأمَّلتُ يديه.

قلت في نفسي: هاتان اليدان لا تعرفان إلا العمل.

كم حملت هاتان اليدان من أثقال الحياة!

وكم عادتا إلى البيت خاليتين إلا من التعب!

ومع ذلك، فما رأيتهما يومًا أخف مما رأيتهما في تلك الليلة.

كان الرجل يصفق، لا لأنه نسي فقره، بل لأنه تذكر وطنه.

وشتان بين من ينسى ألمه، ومن يسمو عليه.

ثم سِرْتُ.

فوقعت عيني على نافذة صغيرة، يجلس خلفها شيخ أنهكه المرض، تحيط به أسرته، كانت الوسادة تسند ظهره، وكان حفيده يقف إلى جواره، يلوح بالعلم، بينما تتراقص في عيني الشيخ دمعةٌ لا أدري: أكانت دمعة ألم، أم دمعة فرح، أم كانتا قد اختلطتا حتى عجزت العين نفسها عن التمييز بينهما؟ وارتسمت على وجهه ابتسامة وادعة، كأنها حمامة بيضاء حطت فوق غصن يابس.

فعجبتُ!

كم من دواءٍ عجز أن يصنع في هذا الوجه ما صنعته دقائق معدودات من الفرح!

وعلمت أن الأرواح، كما تجوع الأجساد، تجوع هي الأخرى، وأنها إذا وجدت ما يطعمها، استعذبت الحياة، وإن بقي الألم ساكنًا في الجسد.

وعلمت أنَّ الوجع، مهما استبد بالجسد، يعجز أن يمنع القلب من أن يبتسم.. إذا وجد سببًا للابتسام.

ثم دخلتُ شارعًا آخر.

فلقيت شابًا أعرفه.

رأيته منذ أشهر يحمل شهادته الجامعية كما يحمل الغريق خشبة النجاة، ثم رأيته يعود بها من بابٍ إلى باب، حتى بهت لون الأمل في عينيه.

كان الليلة يهتف.

ويهتف.

ويهتف.

حتى خُيِّلَ إليَّ أنه يريد أن يوقظ بصوته المستقبل كله.

ولعلَّ في بيته أُمًّا تنظر إليه كل مساء بعينين تبتسمان له، وتبكيان عليه.

ولعلَّ أبًا يخفي قلقه وراء كلمات الصبر.

ولكن الشاب، في تلك اللحظة لم يكن ابن أمه وأبيه وحدهما.

كان ابن مصر.

ولم يكن ذاك الشاب يحمل في قلبه شيئًا من همومه.

بل كان يحمل مصر.

وأدركت أن القلب إذا امتلأ بحب وطنه، اتسع ساعةً لينسى نفسه.

ثم مضيتُ حتى بلغت حيًّا من أحياء الميسورين.

تخرج السيارات الفارهة من أبوابها كما تخرج الزوارق من مراسيها، والأعلام ترفرف من نوافذها، والضحكات تتطاير منها كما تتطاير العصافير من أغصانها إذا داعبتها الريح.

ثم دخلت حيًا آخر، لا تعرف البيوت فيه من الزينة إلا ما تصنعه القلوب.

فرأيت المشهد نفسه.

الهتاف نفسه.

والعَلم نفسه.

والدمعة نفسها.

والابتسامة نفسها.

فقلت: سبحان الذي جعل للوطن لغةً لا تحتاج إلى مترجم.

لغةً يفهمها الغني دون أن يترجمها ماله، والفقير دون أن يستعير لها ثمنًا، والشيخ قبل الشاب، والطفل قبل الجميع.

ما أعجب هذا الوطن!

ما أكثر ما تفرّق أبناؤه في معايشهم، وما أسرع ما يجتمعون إذا نادى عليهم اسمه.

في تلك الساعة، لم يكن الغني أغنى من الفقير.

ولا الصحيح أقوى من المريض.

ولا الشيخ أبعد من الطفل.

ولا صاحب المنصب أعلى من العامل البسيط.

كان الجميع يقفون تحت رايةٍ واحدة، كما تقف السنابل المختلفة الطول إذا هبت عليها الريح؛ تتمايل جميعًا في اتجاهٍ واحد.

غير أن الذي استوقفني أكثر من الأعلام المرفوعة، والأصوات العالية، شيءٌ لم أره لا شيءٌ رأيته. فقد أخذْتُ أفتش بعيني عن أولئك الذين يقتاتون من العواطف، ويجعلون من كل حبٍ منبرًا، ومن كل فرحةٍ مشهدًا، ومن كل شعورٍ سلعةً تُعرض على الناس، فما وجدت منهم أحدًا.

لم يكن في الوجوه من يُمثِّل، ولا في الهتافات من يتكلَّف، ولا في الأعين من يلتفت إلى كاميرا تنتظر دمعةً أو ابتسامة.

كان الناس يومئذٍ أنبل من ذلك.

كان الناس قد نسوا الناس، وذكروا مصر.

كانوا منشغلين بالوطن، لا بأنفسهم.

لم يكن أحد يصنع بطولةً لنفسه.

ولم يكن أحد يكتب شهادةً في وطنيته.

ولم يكن أحد يطلب من الناس أن يُصدِّقوا حبَّه لمصر.

ف الحب الصادق لا يحمل لافتة.

ولا يقف أمام الكاميرا.

ولا يلتقط لنفسه صورة.

إنه يُشبه النبع؛ لا يُسمَع له ضجيج، ولكنه يروي الأرض كلها.

وأدركت يومئذ أن الوطنية الحقَّة لا تتحدث كثيرًا عن نفسها.

إنها تعمل في صمت، كما تعمل الجذور في أعماق الشجرة؛ لا يراها أحد، ولكنها هي التي تحفظها واقفةً في وجه الرياح.

ولعلَّ أجمل ما رأيت في تلك الليلة أن أحدًا لم يحاول أن يحتكر الوطن لنفسه.

لم يقل أحد: أنا أحب مصر أكثر منكم.

ولم يفتش أحد في قلوب الناس عن مقدار محبتهم.

كان كل امرئ يترك قلبه يتحدث بلغته، وكفى.

كان كل امرئ يعيش فرحته كما تعيش الزهرة عطرها؛ لا لأن أحدًا يشمها، بل لأنها لا تعرف إلا أن تفوح.

ذلك هو الحب الصادق؛ لا يعلن نفسه، ولا يطلب شهادةً من أحد، ولا يرفع صوته ليُقنع الناس أنه موجود، لأنه مطمئنٌ إلى مكانه في القلب.

هنالك فهمت سر هذا الشعب.

إنه قد يختلف في السياسة، ويتباين في الرأي، ويشكو من ضيق العيش، ويثقل كاهله المرض، ويطول وقوفه على أبواب الرزق، ولكنه إذا نودي باسم مصر، خرج من بين ركام همومه قلبًا واحدًا، يخفق في ملايين الصدور.

ذلك القلب لا يُساوِم.

ولا يبيع.

ولا يشتري.

ولا ينتظر ثمنًا لحبه.

يحب وطنه كما تحب الأم وليدها؛ لا ترفع كل ساعة صوتها لتعلن حبها، ولا تنتظر منه جزاءً أو شكورًا، وإنما تحبه لأنها لا تعرف إلا أن تحبه.

عجبت لذلك الحب، لأنه لم يكن يطلب شاهدًا عليه. كان يؤدي عمله في صمت، كما تؤدي الشمس رسالتها كل صباح، لا تنتظر تصفيقًا من الأرض، ولا ثناءً من السماء.

وعلمت يومئذ أن أصدق المشاعر هي تلك التي لا تعرف المرايا، وأن الوطنية الحقة لا ترفع صوتها لتقول: "انظروا إليّ"، وإنما تُخفضه لتقول: "انظروا إلى الوطن".

ولأول مرة خطر لي أن بعض الانتصارات لا تُقاس بعدد الأهداف، بل بعدد القلوب التي استطاعت أن تجمعها في نبضة واحدة.

ولأول مرة فهمت أن الشعوب لا تحيا بالخبز وحده.

فالخبز يرد عن الجسد جوعه، أما الفرح فيردُّ عن الروح يأسها.

والإنسان قد يصبر على قلة الرزق، ولكنه إذا افتقر إلى الأمل، أفلس من كل شيء.

فلما عُدْتُ إلى بيتي، حاولت أن أتذكر أجمل ما في المباراة، فلم أستطع.

لم أتذكر الهدف.

ولم أتذكر ركلة الجزاء.

ولم أتذكر اسم صاحب التمريرة الأخيرة.

كل ما بقي في ذاكرتي،

ذلك الطفل وهو يركض بعلمه.

وذلك الأب وهو يضحك.

وذلك العامل وهو يصفق بكفيه الخشنتين.

وذلك الشيخ وهو يبتسم للألم.

وذلك الشاب وهو يهتف لمستقبل لم يأت بعد.

وعندها فقط أدركتُ أن المباراة الحقيقية لم تكن على البساط الأخضر.

كانت هنا...

في الشوارع.

وفي البيوت.

وفي القلوب.

وكان اللاعبون الحقيقيون هم هؤلاء الناس الذين أثقلت الحياة ظهورهم، ثم لم تستطع أن تنتزع من قلوبهم قدرتها على الفرح.

وكان امتحانها امتحانًا للمعدن، لا للمهارة.

وقد نجح فيه هذا الشعب، دون أن يطلب شهادة نجاح، ودون أن ينتظر تصفيقًا، ودون أن يبحث عن لقطة يتزين بها أمام الناس.

لقد أَحبَّ وطنه كما يحب الصادقون...

في هدوء.

وفي نقاء.

وفي صمت.

وسألني قلبي، قبل أن يسألني قلمي:

مَنْ كان رجل المباراة؟

فلم أجد جوابًا أصدق، ولا أنبل، ولا أبلغ من أن أقول:

لم يكن رجل المباراة من سجل الهدف...

بل من احتفل به رغم أنَّ في صدره ألف همّ، وفي بيته ألف حاجة، وفي غده ألف سؤال.

رجل المباراة هو من لم ينسَ وطنه وهو يتألم، ولم يتذكر نفسه وهو يفرح.

رجل المباراة هو... الشعب المصري.

أضف تعليق

بيان النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان