في اللحظة التي يصفعنا فيها الابتلاء، لا تحدث ضجة مرئية، بل يقع زلزال أخرس يبتلع كل ما كنا نظنه ثابتاً في حياتنا. فجأة، نجد أنفسنا في قلب العزلة، حيث تنطفئ أصوات العالم السخيفة، ولا يتبقى سوى صدى سؤال قاهر تمزق في صدورنا: "لماذا أنا؟".
في تلك الزاوية المظلمة المحشوة بالأسئلة، وبينما نرتدي صمتنا وثيابنا الداكنة كدروع ضد شفقة الآخرين، ندرك أننا لا نُختبر لأننا ضعفاء؛ بل لأننا نحمل في أعماقنا صلابة كامنة لا تطفو على السطح إلا حين تتشقق الأرض تحت أقدامنا.
الوجع هنا ليس مجرد لص يسرق العافية أو الأحلام؛ بل هو نحات قاسٍ، يكسر الزيف فينا، ليعيد تشكيلنا بنسخة أكثر وعيًا، أعمق صدقاً، وأقل اكتراثاً بفتات الدنيا الزائل.
دعنا نمشِ معاً في تلك الممرات الباردة؛ ممرات المستشفيات ذات الجدران الشاحبة التي تفوح منها رائحة العجز والانتظار، حيث تقف العائلة عارية من كل ادعاء.
تأمل الأب... ذلك الجبل الشامخ الذي لطالما قسنا قاماتنا بطوله لنشعر بالأمان، والذي تراه دوماً مقياساً للقوة. في لحظة الابتلاء، يتحول هذا الجبل إلى عمود خفي يحمل سقفاً يوشك أن ينهار على رءوس الجميع. يعود من معركة الحياة منهكاً، ليخوض معركة أشرس: أن يبتلع خناجر الرعب في حلقه، وأن يثبت عينيه في عيني ابنه، مفاوضاً الأطباء بصمت وموقعاً على أوراق المصير، ليقول كذبته العظيمة الموجعة: "كل شيء سيكون بخير". إنه يبني من دمه جسراً يعبر عليه ابنه من لجة الخوف نحو الطمأنينة، بينما قلبه هو يرتجف في الخفاء.
أما الأم... آه من قلب الأم حين يُبتلى فلذة كبدها، إنها لا تواجه الألم، بل تبتلعه، تتلقى الضربة بصدرها وتقسمها على خلاياها لكي لا ينهار البيت، في تلك الليالي الموحشة، تحفظ ملامح الوجع، تحفظ وجوه الأطباء والممرضين في تلك الأروقة الحزينة، وتميز أنين ابنها المكتوم من بين ألف صوت، تبكي حين تدير ظهرها، وتخفي دموعها خلف ابتسامة تترجم أبشع مخاوف الأرض إلى يد دافئة تمسح على الجبين، ودعاء يمزق حجب السماء: "أنا معك، لن أتركك".
والإخوة... في هذا المشهد يكملون سيمفونية الفداء؛ يتنازلون عن أحلامهم الصغيرة، يتقاسمون وحشة الغرفة، وتتبدل في أعينهم أولويات الحياة لتصغر كل المشاكل أمام أنين المبتلى، وتبقى صرخة واحدة تتوحد فيها العائلة: "يا رب".
وفي وسط هذا الركام، تتساقط الأقنعة وتتلاشى الوجوه المزيفة التي زاحمتنا بلا طائل، المحنة هنا مصفاة عبقرية، تطرد من حياتنا أولئك الذين كانوا مجرد ضجيج عبثي وعبئاً على أرواحنا، لتبقي لنا الصفوة، نحن لا نحتاج العشرات من المعارف، يكفينا في هذه العزلة صديق واحد أو اثنان، نختارهما بعناية فائقة لندخلهما دائرتنا الضيقة جداً.
هذا "الصديق المبتلى" الذي قد تجمعه بك الصدفة في ردهة علاج أو على سرير مجاور؛ صديق لا يرمي لك عبارات المواساة البلاستيكية الرخيصة، بل ينظر في عينيك ليقول: "أنا أفهمك"، يقولها بصدق لأنه شرب من نفس الكأس، ولأنه رأى في وجه أمك المنهك ملامح أمه المتعبة. مع هذا الصديق، نسخر من الموت ونضحك بكبرياء مجروح على الألم الذي يحاول كسرنا، لنسند بعضنا البعض في طريق مظلم، في أخوة عُمّدت بالدموع لا بالمصالح.
في النهاية، نحن لا نختار الوجع، ولا نستجديه، لكن حين يُكتب علينا، نأبى أن ننحني له، الابتلاء يكشف لنا بوضوح مرعب أن قيمتنا ليست فيما نملك أو بمن نملك، بل في ذلك الجزء الصامد الذي يبقى منا بعد أن نفقد كل شيء: إيماننا، وصدقنا، وقدرتنا على حب الحياة رغم الانكسار. هو امتحان أخير لعلاقتنا بالسماء قبل الأرض، ففي سجدة طويلة وموجعة، تذوب فيها كل الكبرياء المزعومة، تجد لغة خفية بيننا وبين الله. لغة لا تحتاج إلى حروف، بل إلى يقين ممتد بأننا لم نكن يوماً وحدنا، وأن هناك أهلاً صابرين، وقلوباً طيبة تدعو لنا في الغيب.
قد تتركننا هذه التجارب بندوب لا تمحى، وقد تجعلنا أكثر صرامة وميلاً للعزلة، لكنها تصنع منا بشراً ذوي أرواح عميقة، لا تبهرهم القشور. الألم ليس لعنة تبتلعنا، بل هو المطرقة التي تكسر القشرة القاسية حول قلوبنا، لنخرج منها أكثر رحمة، وأشد امتناناً ليد أب، وقلب أم، وكتف أخ، ووفاء صديق حقيقي. وحين نلتفت للوراء يوماً ما، نكتشف بثقة المنتصر، أن الأماكن التي نزفنا فيها أشد البكاء، هي ذاتها التي امتدت فيها جذورنا، واشتعل فيها نورنا الذي لا ينطفئ أبداً.