أكد المهندس سليمان عبدالله الخريجي، المعماري والمحاضر الدولي بالمملكة العربية السعودية، أن العمارة الحديثة لم تعد مجرد تشييد صامت للمباني، بل هي فلسفة تعنى بالإنسان أولاً وتسعى لصناعة بيئات صحية ومستدامة تعزز الترابط الاجتماعي وتلتقي مع تطلعات الأجيال القادمة.
جاء ذلك خلال كلمته في ندوة بعنوان "المعماري وجودة الحياة"، والتي أقيمت ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الحادية والعشرين، وأدارها الأستاذ أحمد بسيوني.
واستهل الخريجي الندوة بعرض مرئي شامل لمسيرته المهنية، مستعرضاً مجموعة من المشاريع الإستراتيجية التي أشرف عليها، ومنها مشروع شمال جدة الذي خُصصت 42% من مساحته للحدائق والمياه، ومدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين اللتين تُعدان نماذج للمدن الذكية التي توفر جودة حياة استثنائية عبر الاهتمام بمسارات المشاة والخدمات المتكاملة.
كما توقف عند تجربة "مدينة الملك عبدالله الاقتصادية" كجاذب سكاني، ومشروع "أبها" الذي يراعي الطبيعة الجبلية بنسبة بناء لا تتجاوز 32%، وصولاً إلى استغلال المنشآت الخدمية كخزانات المياه وتحويلها لمكاتب ومطاعم أيقونية، وتطوير منطقة "الدرعية" التاريخية بربط أصالة الماضي بمخططات المستقبل.
وفي سياق الحوار حول مفهوم جودة الحياة، أوضح الخريجي أن هذا المصطلح لا يعني الترفيه فحسب، بل يشمل الأمن، والمشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار، والبيئة الصحية، والقدرة على الوصول للخدمات بسهولة.
وشدد على أن المساحات الخضراء في المدن تمثل رئة الإنسان وضرورة صحية ونفسية، مشيراً إلى أن المعايير العالمية تفرض نسباً عالية لهذه المساحات لتكون متنفسا حقيقيا للتفاعل البشري وليس مجرد غطاء نباتي تجميلي.
ورداً على تساؤلات حول كيفية انعكاس الهوية الهوية الثقافية والتراث المحلي في العمارة الحديثة دون إعاقة التطوير، أكد الخريجي أن الهوية يجب أن تنبع من داخل المجتمع وتاريخه وبيئته المحلية، محذراً من التمادي في استيراد قوالب معمارية جاهزة من الشرق أو الغرب لا تتناسب مع واقعنا العربي.
وأشار إلى أن لكل مدينة خصوصيتها التي يجب أن يصيغها المعماريون والمفكرون المحليون لضمان شعور المواطن بالانتماء للمكان، مستشهداً بمدينة "مراكش" المغربية كنموذج رائد نجح في دمج التراث التاريخي بالخدمات الحديثة بأسلوب إنساني فريد.
وعن التحديات التي تواجه العمران العربي، لفت الخريجي إلى أن أبرز الأخطاء تكمن في انفصال المصمم المعماري عن مرحلة التنفيذ، مما يسمح للمقاولين بالتدخل لتقليل التكاليف على حساب الجودة والتفاصيل التي تمنح المبنى قيمته الإنسانية.
ودعا في هذا الصدد إلى ضرورة وجود "كود بناء" صارم يحمي التصميمات الأصلية، مؤكداً أن الاستدامة الحقيقية هي "المتابعة والتطوير المستمر" للمباني والمدن لتواكب تغير احتياجات المجتمع عبر الزمن.
ووجه "الخريجي" نصيحة لطلاب العمارة والمهندسين الشباب، مؤكداً أن الشراكة الحقيقية في بناء مدن المستقبل تبدأ بالنزول إلى الميدان والتدريب العملي أثناء سنوات الدراسة بدءا من السنة الثالثة الجامعية، لربط الفكر الأكاديمي باحتياجات الواقع.
شهدت الندوة حضور نخبة من المهندسين المتخصصين والفنانين، الذين أشادوا بالرؤية التي قدمها الضيف السعودي في الموازنة بين الجمال المعماري والمسؤولية
الاجتماعية والبيئية.
جدير بالذكر أن الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تقام في الفترة من 6 إلى 20 يوليو 2026، بالتعاون مع كل من: الهيئة المصرية العامة للكتاب، واتحادي الناشرين المصريين والعرب، وبرعاية بنك ABC.
وتم اختيار المخرج الراحل داوود عبد السيد شخصية المعرض هذا العام، تقديرًا لإسهاماته المتميزة في تاريخ السينما المصرية، وتكريمًا لمسيرته الإبداعية الممتدة.
ويشارك في هذه الدورة حوالي 86 دار نشر مصرية وعربية، إلى جانب تقديم 410 فعاليات ثقافية على مدار أيام المعرض، بمشاركة أكثر من ألف متحدث من مصر ومختلف دول العالم.