الأوكتاجون .. مصر لا تنتظر المستقبل بل تصنعه

الأوكتاجون .. مصر لا تنتظر المستقبل بل تصنعهسعيد صلاح

الرأى12-7-2026 | 09:03

الأوكتاجون.. اسم ذات دلالة وقوة يبعث فيك إحساسًا وشعورًا بالثقة الكاملة، خاصة داخل عالم تتسارع فيه التحولات بصورة غير مسبوقة، وتتشابك فيه الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية، عالم لم يعد مفهوم القوة فيه مقتصرًا على امتلاك الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على قراءة المستقبل، وإدارة الأزمات، وحماية مقدراتها الوطنية، وضمان استمرارية مؤسساتها فى أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً.
دلالة القوة هذه وذلك الشعور بالثقة الكاملة غمر نفوسنا جميعا خلال مشهد افتتاح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة، وما صاحبه من قرارات تنظيمية وتطويرية فى منظومة إدارة الأزمات والطوارئ، فكل ذلك بلا شك يعكس مرحلة جديدة فى مسار بناء الدولة الحديثة، ويؤكد أن مصر لا تنتظر التحديات حتى تقع، إنما تستعد لها مسبقًا، وتبنى أدوات التعامل معها قبل أن تفرض نفسها على الواقع، ويعلن أيضا بوضوح كامل عن فلسفة دولة اختارت أن تصنع قوتها بنفسها، وأن تبنى منظومة متكاملة لحماية أمنها القومى فى زمن تتزايد فيه المخاطر وتتعدد فيه مصادر التهديد.
وقد مثلت القرارات الجمهورية التى أصدرها الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين الفريق محمد عبد الرحمن بسيونى رئيسًا للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، وترقيته إلى رتبة فريق، إلى جانب تعيين قيادات من القوات المسلحة ووزارة الداخلية فى مواقع المسئولية داخل الهيئة، رسالة مهمة مفادها أن إدارة الأزمات لم تعد عملاً هامشيًا أو إجراءً مؤقتًا، بل أصبحت جزءًا أصيلاً من منظومة الأمن القومى المصرى.
وإذا كانت القوة تبدأ من الاستعداد، والدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار فى الحروب، إنما بقدرتها على منع الكوارث وتقليل آثارها وحماية مواطنيها عند وقوعها، فإن هذه المبادئ تقر بأهمية ما عرضه الرئيس السيسي خلال فعاليات افتتاح القيادة الاستراتيجية، حين أكد أن الدولة المصرية تمتلك بالفعل إمكانات ضخمة فى مجالات الحماية المدنية والإغاثة والإنقاذ والإخلاء الطبى ومواجهة الكوارث والأزمات المختلفة، لكن التحدى الحقيقى كان يتمثل فى تنظيم هذه القدرات داخل إطار مؤسسي موحد يضمن سرعة الاستجابة ودقة القرار والتنسيق الكامل بين أجهزة الدولة.
هذه الرؤية تعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة الدولة الحديثة، فالعالم الذى نعيش فيه لم يعد يواجه تهديدات عسكرية فقط، وإنما يواجه أوبئة عالمية، وكوارث طبيعية، وهجمات سيبرانية، وأزمات طاقة، واضطرابات فى سلاسل الإمداد، وحروبًا اقتصادية وإعلامية ومعلوماتية لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية، ومن ثم فإن امتلاك مركز متطور للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات لم يعد رفاهية أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر.
وعودة إلى الحديث عن «الأوكتاجون» الذى يشعل اسمه النار فى صدور أهل الشر ممن يحقدون ويكيدون للدولة المصرية وشعبها، فعندما افتتحه الرئيس السيسي لم يكن يفتتح مبنى جديدًا فحسب، إنما كان يدشن رمزًا لمرحلة جديدة من مراحل بناء القوة المصرية، هذا الصرح الضخم الذى يعد أحد أكبر مجمعات القيادة العسكرية والإدارية فى العالم، يمثل ترجمة عملية لفكرة التكامل بين مؤسسات الدولة، وربط مراكز اتخاذ القرار والقيادة والسيطرة داخل منظومة واحدة تعتمد على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة فى مجالات الاتصالات وتحليل البيانات وإدارة المعلومات.
وقد أوضح الرئيس السيسي فى كلمته أن القيادة الاستراتيجية ليست معنية فقط بإدارة العمليات العسكرية، إنما تمثل ركيزة رئيسية لقدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية والتحديات المختلفة وفق رؤية شاملة ومتكاملة، وهنا تتجلى أهمية المشروع، فالدولة التى تستطيع إدارة الأزمة بكفاءة هى دولة تمتلك أحد أهم عناصر القوة فى العصر الحديث.
لذلك لم يكن من الممكن فصل افتتاح القيادة الاستراتيجية عن السياق الإقليمى والدولى الذى يحيط بمصر، فالمنطقة تمر منذ سنوات بحالة غير مسبوقة من الاضطراب والتوتر، حروب مشتعلة، وصراعات إقليمية، وأزمات ممتدة، وتحولات متسارعة فى موازين القوى، فضلاً عن التدخلات الخارجية المتزايدة فى شئون المنطقة، وفى ظل هذا المشهد المضطرب، جاءت الرسائل المصرية واضحة وحاسمة، فالظهور العسكرى للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الافتتاح، وهو الظهور الأول من هذا النوع منذ سنوات طويلة، لم يكن مجرد تفصيل شكلى أو بروتوكولى، بل حمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة.
فى ظنى.. أن مصر أرادت أن تقول للجميع، فى الداخل والخارج، إنها دولة تدرك حجم التحديات المحيطة بها، وتتابع بدقة ما يجرى فى محيطها الإقليمى، وتمتلك من أدوات القوة ما يمكنها من حماية مصالحها وأمنها القومى، كما أرادت التأكيد على أن السلام الذى تدعو إليه ليس نابعًا من ضعف أو عجز، وإنما من قوة وثقة وقدرة على حماية الذات، ولهذا جاءت كلمات الرئيس السيسي واضحة عندما أكد أن حدود مصر خط أحمر، وأن الدولة لن تسمح أبدًا بالمساس بأمنها أو سيادتها أو مقدرات شعبها، مع تمسكها فى الوقت ذاته بخيار السلام لمن يريد السلام.
كما أن استدعاء كلمة الرئيس السيسي لأحداث السنوات الصعبة التى مرت بها مصر منذ عام 2011 وحتى ثورة
30 يونيو، لم يكن بهدف استحضار الذكريات وفقط، إنما بهدف استخلاص الدروس، فالدول التي تنسى أخطاءها محكوم عليها بتكرارها، ولقد ذكّر الرئيس المصريين بحجم التحديات التى واجهتها الدولة خلال تلك الفترة، وبالضغوط التى تعرضت لها مؤسساتها، وبالمحاولات التى استهدفت دفع البلاد نحو الفوضى والانهيار، كما أشار إلى الكلفة الباهظة التى تحملتها مصر نتيجة حالة عدم الاستقرار، سواء على المستوى الاقتصادى أو الأمنى أو الاجتماعى، ومن هنا يمكن فهم أهمية العاصمة الجديدة، وأهمية انتقال مؤسسات الدولة إلى بيئة أكثر قدرة على العمل والتنسيق والحماية، فالقضية لا تتعلق فقط بنقل مبانٍ حكومية من مكان إلى آخر، إنما ببناء بنية مؤسسية حديثة قادرة على العمل بكفاءة فى مختلف الظروف.
وفى يقينى.. هذا ما يميز التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، فهى تجربة لم تعتمد على مفهوم أحادى للقوة، ففى الوقت الذى كانت فيه القوات المسلحة تخوض حربًا شرسة ضد الإرهاب، كانت الدولة تنفذ أكبر برنامج للبنية الأساسية فى تاريخها الحديث، وفى الوقت الذى كانت فيه المنطقة تعيش موجات متلاحقة من الصراعات، كانت مصر تبنى مدنًا جديدة، وتطور الموانئ، وتوسع شبكات الطرق، وتؤسس مناطق صناعية ولوجستية حديثة، ولهذا فإن القوة المصرية اليوم لا يمكن اختزالها فى البعد العسكرى وحده، إنها قوة شاملة تقوم على عدة ركائز متكاملة (جيش قوى، ومؤسسات مستقرة، واقتصاد قادر على الصمود، وبنية تحتية حديثة، ودبلوماسية نشطة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى)، وفى سياق الحديث على «القوة الشاملة» فقد كان أحد أهم المشاهد اللافتة خلال فعاليات الافتتاح كان استعراض سيناريوهات محاكاة الأزمات والكوارث المختلفة، قد يبدو الأمر للبعض مجرد تدريب أو إجراء فنى، لكنه فى الحقيقة يعكس فلسفة كاملة فى إدارة الدولة، فالدول الناجحة لا تكتفى برد الفعل، وإنما تبنى خططها على توقع الأزمات قبل وقوعها، ولهذا شدد الرئيس على أهمية إجراء تدريبات ومحاكاة دورية للأزمات، وعلى ضرورة نشر ثقافة الوعى والاستعداد داخل المجتمع، من المدارس والجامعات إلى المساجد والكنائس ومؤسسات المجتمع المختلفة، إنها رؤية تؤكد أن الأمن القومى لم يعد مسئولية مؤسسة واحدة، بل مسئولية مجتمع كامل ودولة بكامل أجهزتها ومؤسساتها.
وفى هذا السياق أيضًا، يستوجب الإشارة - وقد تم بالفعل- إلى محطة الضبعة النووية باعتبارها نموذجًا لهذه الرؤية، والتى شهدت نهاية الأسبوع الماضى مشهد تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية، حيث تمثل الطاقة النووية السلمية أحد أهم أدوات تعزيز الأمن فى مجال الطاقة ودعم التنمية المستدامة فى المستقبل.
مصر تدخل مرحلة جديدة تسعى فيها إلى تعظيم ما تحقق والانطلاق نحو آفاق أوسع من التنمية والنمو، ولعل الرسالة الأهم التى حملتها مجمل الأحداث المهمة خلال الأسبوع الماضى هى أن الدولة المصرية باتت أكثر ثقة فى قدراتها وأكثر استعدادًا لمواجهة المستقبل، فالقوة ليست شعارًا يرفع، وإنما منظومة متكاملة من التخطيط والعمل والانضباط والاستعداد، وما شهدته العاصمة الجديدة لم يكن مجرد استعراض للمعدات أو الإمكانات، بل كان عرضًا لفكرة دولة تعرف جيدًا ماذا تريد، وإلى أين تتجه، وكيف تبنى مستقبلها.
مصر، التى تعرف طريقها فى منطقة تموج بالصراعات، وفى عالم تتغير فيه قواعد القوة والنفوذ بصورة متسارعة، تواصل بناء عناصر قوتها الوطنية بثبات وثقة، تقرأ ما يجرى حولها بعين يقظة، وتستوعب دروس الماضي، وتستعد لتحديات المستقبل، وتبني مؤسساتها على أسس علمية حديثة.
مصر، التي نجت من العواصف الكبرى، وانتصرت على الإرهاب، وصمدت أمام الأزمات المتلاحقة، ماضية فى طريقها نحو المستقبل، أنها دولة لا تبحث عن الصدام، لكنها قادرة على الردع، لا تسعى إلى الحرب، لكنها تمتلك القوة التي تحمي السلام.. مصرلا تنتظر المستقبل، بل تصنعه.
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

قوة الدولة.. عندما يصبح التخطيط خط الدفاع الأول

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان