عُمان .. تكامل المسارات بين الاقتصاد الرقمي والطموح الفضائي

عُمان .. تكامل المسارات بين الاقتصاد الرقمي والطموح الفضائيمن مشروعات الفضاء في عُمان

عرب وعالم12-7-2026 | 14:44

تتجه سلطنة عُمان في رسم ملامح مستقبلها الاقتصادي عبر البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي وبرنامج الفضاء الوطني العماني، مستهدفةً تنويع مصادر الدخل، توطين التقنيات المتقدمة، وبناء منظومة متكاملة تدعم النمو المستدام ضمن أهداف رؤية عُمان المستقبلية 2040.

فقد خطت عُمان خطوات متسارعة نحو بناء اقتصاد رقمي مستدام، حيث أدرجت هذا القطاع كمحور استراتيجي رئيسي في خطط التنمية، بهدف رفع مساهمته إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040، وذلك عبر مبادرات ومشاريع أُسست وفق رؤية عُمان 2040.
تبلورت هذه الخطوات الكبيرة في عدة ركائز ومشاريع بارزة، أهما، المثلث الرقمي ومناطق الذكاء الاصطناعي، حيث أطلقت السلطنة "المثلث الرقمي" الأول عالمياً، والذي يضم مراكز مترابطة للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإعلان عن إطلاق أول منطقة متخصصة في الذكاء الاصطناعي في العاصمة مسقط.
وفي واقع الأمر، يمثل عام 2026 عام حصاد للبرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة الذي أطلقته عمان في سبتمبر 2024، والممتد حتى عام 2026. يهدف البرنامج إلى بناء اقتصاد رقمي قادر على الحفاظ على التنمية المستدامة، مع التركيز على إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية .
يشمل البرنامج عدة مبادرات كبرى: منصة وطنية للبيانات المفتوحة لدعم رواد الأعمال والمستثمرين وصناع القرار، مركز وطني للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي لدعم الباحثين والأكاديميين، “استوديو” للذكاء الاصطناعي ليكون ملتقى لمتخصصي تكنولوجيا المعلومات والشركات والمؤسسات، نموذج لغوي عماني يتقن المحتوى الثقافي والتاريخي والفني والعلمي العماني باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مركز للثورة الصناعية الرابعة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، وتهدف هذه المبادرات إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي لعمان إلى 10 بالمئة بحلول عام 2040، مقارنة بـ 2 بالمئة فقط في عام 2021 .
ففي العاشر من مارس 2026، كشفت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بسلطنة عُمان، عن حزمة جديدة من المبادرات لتوسيع الاقتصاد الرقمي العماني على مدى السنوات الخمس المقبلة، للفترة من 2026 إلى 2030 . تشمل الخطة إنشاء مراكز تحول رقمي في كل محافظات السلطنة، حيث سيتم تطوير كل مركز وفقاً للخصائص الاقتصادية والتكنولوجية لمنطقته لدعم التنمية المحلية وتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في الإنتاج والخدمات .
كما تتضمن الخطة تطوير منصة ذكاء تنبؤي وطني تعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة لدعم اتخاذ القرارات الحكومية من خلال تحليل البيانات المتقدم. وتشمل الإجراءات أيضاً دعم نمو الشركات الوطنية للأمن السيبراني، وتعزيز التصنيع المحلي وتجميع الخوادم ومعدات البنية التحتية السحابية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الموردين الدوليين . وهناك أيضاً خطط لإنشاء بيئة سحابية متكاملة لمعالجة بيانات الأقمار الاصطناعية للأغراض الاقتصادية والبحثية، ودراسة تطوير بطاقة دفع وطنية لتعزيز الاستقلال المالي في قطاع المدفوعات الرقمية .
صناعات الفضاء في عُمان
ومع إدراج الاقتصاد الرقمي ضمن الروافد الرئيسة التي تعتمد عليها استراتيجية النمو والتنويع خلال الخطة الحادية عشرة, تواصل سلطنة عمان تعزيز نمو مختلف الأنشطة الرقمية بما في ذلك صناعات الفضاء التي يستهدف توطينها واستغلال تطبيقاتها المتنوعة تحقيق آثار إيجابية متعددة بدءا من دعم وتمكين مختلف القطاعات الاقتصادية, ووصولا إلى جذب الشركات العالمية والاستثمارات الأجنبية النوعية, وتوطين التقنيات وبناء القدرات الوطنية في أحد أكثر القطاعات التقنية تقدما.
وتندرج الاتفاقيات المتعلقة بصناعات الفضاء, والتي تم توقيعها خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان إلى فرنسا في أواخر يونيو 2026, ضمن خطوات استراتيجية تتقدم عبرها سلطنة عمان في تنفيذ برنامج الفضاء العماني 2023 – 2033, والذي يجد خلال الخطة الخمسية الحالية دعما من خلال تضمين الخطة برنامج استراتيجي هو "تأسيس منظومة الفضاء", ويستهدف انشاء منظومة اقتصادية متكاملة في مجال تكنولوجيا الفضاء، من خلال تطوير كل من الشق العلوي الذي يتضمن أنشطة مثل الإطلاق والأقمار الاصطناعية, والشق السفلي الذي يشمل البنية الأساسية والخدمات الأرضية وتحليل البيانات الفضائية، بما يسهم في تحفيز الابتكار، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز النمو الاقتصادي القائم على المعرفة.
ويمكن هذا البرنامج النوعي سلطنة عُمان من استقطاب استثمارات دولية، والاستفادة من شراكاتها الاستراتيجية، بما في ذلك استثمارات جهاز الاستثمار العماني في شركات عالمية مثل سبيس أكس, ويستهدف البرنامج الاستراتيجي وضع أطر تشريعية وتنظيمية متكاملة لاستخدام البيانات الفضائية تضمن التوافق مع السياسات الوطنية والمعايير الدولية ذات الصلة, وإنشاء بنية سحابية وطنية لتخزين ومعالجة البيانات الفضائية، إلى جانب تطوير منصات رقمية متخصصة تتيح الوصول إلى هذه البيانات وتحليلها, وإطلاق برامج تدريب وتأهيل وطني لتطوير مهارات الكوادر العُمانية في تحليل البيانات الفضائية، وتوفير تخصصات أكاديمية ومنح دراسية في مجالات علوم وتقنيات الفضاء, وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية في التطبيقات الفضائية، وتوفير بيئة جاذبة تدعم نمو الشركات في هذا القطاع الحيوي, ودعم تطوير حلول مبتكرة لتطبيقات الفضاء ذات أثر اقتصادي عبر إنشاء مراكز ابتكار وتنظيم مسابقات متخصصة لتحفيز الإبداع.
فضلاً عن أن السير العُماني قدماً في هذا البرنامج يعمل على توسيع أطر التعاون بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتسريع تبني تقنيات الفضاء وتحقيق التكامل في الجهود, وتوفير الدعم الفني والمالي للشركات الناشئة والمبادرات الريادية في مجال الفضاء, والاشتراك في قواعد البيانات والصور الفضائية المدفوعة وتوفيرها للمستفيدين، بهدف تعزيز استخدام هذه البيانات في التخطيط ودعم القرارات الاستثمارية، وتوظيفها في تطبيقات مختلف القطاعات الاقتصادية وفي حالات الأنواء المناخية, وتكوين شراكات استراتيجية مع شركات كبرى عالمية ذات خبرة في منظومة الفضاء, والتوسع في البحث العلمي في تقنيات الفضاء من خلال الشراكة مع المؤسسات الأكاديمية والشركات الصناعية, وتطوير تطبيقات فضائية مستدامة وذات مردود اقتصادي ربحي في مجالات متعددة كالتخطيط الحضري والأمن الغذائي والأمن المائي واللوجستيات والنفط والغاز وغيرها من القطاعات الاقتصادية, وإنشاء منظومة اقتصادية للفضاء في منطقة الدقم تشمل منصات الإطلاق والخدمات المرتبطة بها كالمراقبة والصيانة.
وخلال المرحلة الأولى من رؤية عُمان, بدأ تنفيذ برنامج الفضاء العماني 2023 – 2033, بهدف تعزيز الابتكار والاستكشاف ودعم النمو والتنويع الاقتصادي ورسم مسار مستقبلي طموح يرسخ مكانة رائدة إقليميا ل عُمان في مجال صناعات الفضاء.
وينقسم مسار الاستراتيجية التنفيذية للبرنامج لثلاث مراحل أولها مرحلة التحضير وتمتد لفترة ثلاث سنوات وتركز على بناء القدرات، والأطر القانونية، والبنية التحتية, والمرحلة الثانية هي الإطلاق وتمتد لمدة أربع سنوات وتستهدف تنفيذ المشروعات والمبادرات ذات الأولوية, ويليها المرحلة المدارية لمدة ثلاث سنوات وتركز على توسيع القدرات وضمان الاستدامة.
وضمن برنامج الفضاء العماني تم تنفيذ عديد من المشروعات والبرامج والمبادرات منها تمكين وتطوير قطاع الفضاء بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي في مجالات إطلاق الأقمار الاصطناعية من ميناء الدقم, وبرامج وطنية لبناء القدرات في مجال استخدام الخدمات الفضائية، وإطلاق برنامج مسرعات عُمان للفضاء, ومشروعات البيانات الجغرافية والمراقبة الأرضية.
كما تم إطلاق أول صاروخ فضائي تجريبي من منصة الإطلاق في الدقم في عام 2024، وقد تم تعزيز طموحات عُمان في مجال الفضاء باستثمار جهاز الاستثمار العماني في حصة في شركة "سبيس إكس" العالمية المتخصصة في تقنيات الفضاء والاتصالات المعتمدة على الأقمار الصناعية، ويعزز هذا الاستثمار توطين التقنيات والاستفادة من التقنيات التي تمتلكها الشركة واتاحة نقل خبراتها إلى سلطنة عمان.
وخلال العام الماضي, تم التوقيع على اتفاقية تصميم وتصنيع القمر الاصطناعي العماني وتتضمن التعاون مع شركة "إيرباص" الفرنسية، لتصميم وتصنيع وإطلاق أول قمر اصطناعي عُماني مخصص لخدمات الاتصالات " عُمان سات–1", مما يضع سلطنة عُمان على خارطة الدول المالكة للبنية الفضائية المستقلة ويعزز سيادتها الرقمية.
ومن المخطط أن يتم إطلاق القمر في سبتمبر 2028، على أن يبدأ التشغيل الفعلي في مايو 2029, وتواصل سلطنة عمان طموحاتها في مجال الفضاء من خلال الاتفاقيات الأخيرة الموقعة مع فرنسا, والتي تضمنت التعاون في إطلاق الصواريخ الخفيفة من ميناء "إطلاق" الفضائي في الدقم, وتقديم حلول وخدمات تشغيل المحطات الأرضية للأقمار الصناعية, وتطوير الاتفاق الذي تم توقيعه خلال عام 2025 لمشروع الأقمار الصناعية, إضافة لتوقيع إعلان نوايا للتعاون في مجال الفضاء بين وزارة الخارجية العُمانية ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية في فرنسا.
إجمالاً يمكن القول أن تكامل المسارات بين الاقتصاد الرقمي والطموح الفضائي في عُمان، يمثل رافداً قوياً لبناء منظومة اقتصادية معرفية مستدامة ضمن رؤية عُمان 2040، مما يعزز توطين التقنيات المتقدمة ودعم القطاعات الحيوية والإستراتيجية.

أضف تعليق

قوة الدولة.. عندما يصبح التخطيط خط الدفاع الأول

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان