لم تعد الأعمال الدرامية والسينمائية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت خلال العقود الأخيرة إحدى أبرز أدوات الترويج السياحي غير المباشر، بعدما أثبتت قدرتها على تغيير الصورة الذهنية للأماكن وتحفيز الجمهور على زيارتها.
وفي مصر، أسهمت السينما و الدراما في إبراز العديد من المدن والمناطق التاريخية والطبيعية، لتتحول مواقع التصوير إلى مقاصد سياحية تستقطب الزائرين الراغبين في مشاهدة الأماكن التي ارتبطت بأعمالهم المفضلة.
وتؤكد دراسات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن ما يُعرف بـ"السياحة المدفوعة بالأفلام" (Film-Induced Tourism) يعد من أسرع أنماط السياحة نموًا على مستوى العالم، إذ يختار ملايين السائحين وجهاتهم بعد مشاهدتها في فيلم أو مسلسل، وهو ما دفع العديد من الدول إلى الاستثمار في صناعة السينما باعتبارها وسيلة فعالة للتسويق السياحي.
وفي مصر، تمتلك صناعة السينما تاريخًا يمتد لأكثر من قرن، وثّقت خلاله مئات المواقع الأثرية والسياحية، بدءًا من أحياء القاهرة التاريخية، مرورًا بشواطئ البحر الأحمر، ووصولًا إلى معابد الأقصر وأسوان وصحراء سيوة. ومع تطور تقنيات التصوير، باتت هذه المواقع تظهر بصورة أكثر جاذبية، بما يعزز رغبة الجمهور في زيارتها.
وتعد منطقة خان الخليلي من أبرز النماذج على تأثير الشاشة في تنشيط الحركة السياحية، بعدما ظهرت في عشرات الأفلام والمسلسلات المصرية، لترتبط في أذهان المشاهدين بالأجواء التراثية والأسواق الشعبية والمقاهي التاريخية، ما جعلها محطة رئيسية للزائرين العرب والأجانب الراغبين في استكشاف القاهرة القديمة.
كما أسهمت الأعمال التي صُورت في شارع المعز ومنطقة القاهرة التاريخية في إبراز جمال العمارة الإسلامية، وهو ما عزز الإقبال على هذه المواقع، لا سيما بعد مشروعات التطوير والترميم التي أعادت إليها رونقها التاريخي.
وامتد تأثير الدراما و السينما إلى خارج العاصمة، إذ تحولت واحة سيوة إلى واحدة من أبرز الوجهات المرتبطة بالأعمال الفنية، بعدما استضافت تصوير عدد من الأفلام التي أبرزت طبيعتها الصحراوية وبحيراتها المالحة وجبل الدكرور وقلعة شالي. وأسهمت هذه الأعمال في تعريف شريحة واسعة من الجمهور المحلي والعربي بالواحة، لتشهد خلال السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في الإقبال، خاصة من محبي السياحة البيئية والعلاجية.
وفي جنوب مصر، ساهمت الأفلام والبرامج الوثائقية التي تناولت معابد أبو سمبل والكرنك والأقصر في تقديم صورة بصرية مبهرة للحضارة المصرية القديمة، ما عزز مكانة الأقصر وأسوان بين أبرز المقاصد الثقافية عالميًا، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمحتوى الوثائقي ومنصات البث الرقمي.
كما استفادت مدن البحر الأحمر من تصوير العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية على شواطئ الغردقة وشرم الشيخ، حيث ظهرت المنتجعات والشواطئ والأنشطة البحرية بصورة جذابة، ما أسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية عن المقصد السياحي المصري لدى المشاهدين داخل مصر وخارجها.
وتشير التجارب الدولية إلى أن نجاح الدراما في الترويج السياحي لا يعتمد فقط على جمال المكان، بل يرتبط أيضًا بمدى تعلق الجمهور بالقصة وشخصياتها. فكلما حقق العمل انتشارًا واسعًا، زادت فرص تحول مواقع التصوير إلى مزارات سياحية، كما حدث في دول مثل نيوزيلندا وكوريا الجنوبية وكرواتيا، التي شهدت ارتفاعًا في أعداد الزائرين عقب نجاح أعمال سينمائية ودرامية عالمية.
وفي هذا الإطار، تمتلك مصر مقومات كبيرة للاستفادة من هذا الاتجاه، بفضل تنوعها الجغرافي والحضاري الذي يشمل الآثار الفرعونية والإسلامية والقبطية، إلى جانب الشواطئ والصحارى والواحات والجبال، بما يوفر بيئات تصوير متنوعة قادرة على جذب شركات الإنتاج المحلية والعالمية.
كما يمكن أن يحقق التعاون بين قطاعي السياحة والإنتاج الفني عوائد اقتصادية مهمة، سواء من خلال استقطاب أعمال تصوير أجنبية أو تصميم برامج سياحية تستهدف زيارة مواقع التصوير الشهيرة، وهو نموذج أثبت نجاحه في العديد من الدول وأصبح جزءًا من استراتيجياتها للتسويق السياحي.
وخلال السنوات الأخيرة، تواصل الدولة المصرية دعم هذا التوجه عبر تطوير المواقع الأثرية وتحسين البنية التحتية للمقاصد السياحية، إلى جانب تسهيل إجراءات تصوير الأعمال الفنية في عدد من المواقع التاريخية والطبيعية، بما يعزز فرص تقديم صورة حديثة وجذابة عن المقصد السياحي المصري أمام ملايين المشاهدين حول العالم.
وتؤكد التجربة المصرية أن تأثير الأعمال الفنية لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى إعادة اكتشاف المدن والمناطق التاريخية وتحويلها إلى وجهات سياحية يقصدها الزائرون. وبذلك لا تقتصر الدراما و السينما على صناعة النجوم، وإنما تسهمان أيضًا في رسم خريطة سياحية جديدة، وإبراز أماكن قد تبقى بعيدة عن الأضواء حتى تمنحها لقطة مؤثرة أو قصة راسخة في ذاكرة الجمهور فرصة للظهور على خريطة السفر.