آلة القتل العسكرية الإسرائيلية التي أصابها السعار، تواصل جرائمها فى غزة ، وفى الضفة الغربية، وفى العمق السوري واللبناني، وفى إيران ، وفى كل ما تستطيع أن تطوله من شعوب العرب والمسلمين إلا من رحم ربي. وما لا تطيق إسرائيل حربه من جيرانها، لكن المثير لأقصى درجات السخرية والدهشة أن هذا الكيان الفاجر يمضي فى ذات الوقت وبدعم غربي غير محدود فى محاولات الاختراق الناعم، زحفاً مثل الأفاعي والحيات نحو عدد من المجتمعات العربية والإسلامية.
محاولات الاختراق والتطبيع هذه تشغل إسرائيل واليهود بشدة؛ وعلى رأس الدول التي "تشتغل" عليها إسرائيل تأتي إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان (كتلة بشرية مخيفة لإسرائيل)، والتي ولا تقل أهمية التطبيع مع أندونسيا لديهم عن إنجازالتطبيع مع السعودية عبر توقيع ما يسمى "الاتفاقات الإبراهيمية". بل يرى مهندسو هذا الملف من الصهاينة أن الوصول إلى جاكرتا مقدم على الوصول إلى الرياض، وإن كان الوصول إلى جاكرتا قد يكون أسهل عن طريق الرياض؛ استغلالاً للرابطة الإسلامية التي تربط البلدين، وتقديراً لمكانة المملكة فى الشعور الديني عند عموم المسلمين.
يحدث هذا بينما يواصل بعض أدعياء التنوير الترويج من طرف خفى لما يُسمى "الاتفاقات الإبراهيمية" و"الدين الإبراهيمي الموهوم" كبوابة للسلام والتعايش المشترك، متناسين بجهل أو بتواطؤ أن هذا "الزحف الناعم" ليس إلا غطاءً أيديولوجياً ناعماً لمزيد من التغلغل الاستخباري والأمني الأعمق الذي يكاد ينهش جسد الأمة.
وخطورة هذا السلام المزعوم لا تقف عند حدود مسخ الهوية، بل تكمن فى كونه يوفر البيئة المثالية لشرعنة الاختراق الأمني الصهيوني للعرب وتسهيل حركته تحت لافتات التسامح البراقة؛ لذلك ندعو الإخوة الذين أنشأوا معبدا للإبراهيمية إلى الانتباه جيداً إلى من يجاورنهم الصلاة فى ذلك المعبد، لأنه فى الغالب سيكون جاسوساً صهيونيا!
والواقع والمؤشرات الميدانية يثبتان أن قناع الإبراهيمية يخفى خلفه أنياب الذئب المشرعة التي لا تشبع من الافتراس ومص دمائنا، ولم تكف يوماً عن استهدافنا بالحرب المباشرة، وغير المباشرة عبر تاريخ لا ينقطع من الاختراق والتغلغل لأعمال التخريب والدمار الممنهج، وقراءة واعية للمؤشرات الميدانية تكشف أن طوفان الخلايا الاستخباراتية المضبوطة فى البلدان العربية لا يعني إلا استمرار أعمال الاختراق الإسرائيلي للجسد العربي، والذي لم ينقطع تاريخياً منذ ما قبل إعلان الكيان المشؤوم عام 1948 وإلى اليوم؛ والعناوين والأرقام لا تكذب، بدءاً من "فضيحة لافون" عام 1954، ومروراً بقضية الجاسوس "إيلي كوهين" فى سوريا الذي أُعدم عام 1965، واللذين مثلا نماذج صارخة للاختراق المبكر للنخب والجسد العربي، وتأتى الأرقام المحدّثة تعكس واقعاً مرعباً؛ فخلال الفترة الممتدة بين عامى 2000 و 2025، تكشق عن ضبط حوالى 275 خلية تجسس إسرائيلية نشطت فى الدول العربية وتتوزع هذه الخلايا المكتشفة فى الدول بين حدين أدنى وأقصى يعكسان حجم محاولات الخرق كالتالى:
فى لبنان تم ضبط عدد يتراوح ما بين (50 - 150 خلية تجسس)، وفى سوريا من (10 - 30 خلية)، وفى مصر من (5 - 20 خلية)، وفى الخليج، والمغرب، والعراق، واليمن من (10 - 50 خلية)، بالإضافة إلى خلايا أخرى مكتشفة فى الأردن وتونس والجزائر، ولا دلالة لهذا الطوفان من خلايا التجسس المضبوطة إلا أننا أمام استهداف بنيوي مستمر يتجاوز حدود الأجهزة التقليدية للدول.