خلافات علنية وشراكة لا يستطيع الطرفان التخلي عنها.. معادلة معقدة تحكم العلاقة الحالية بين الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب والحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز ، فبعد أن وصف ترامب إسبانيا بأنها “شريك سيئ” داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ولوّح بوقف العلاقات التجارية بين واشنطن ومدريد، تصاعدت حدة التوتر بين البلدين، لتتجاوز حدود التصريحات السياسية وتشمل ملفات الدفاع والتجارة والسياسة الخارجية، وهو ما أثار التساؤلات حول جذور الخلاف، وأسبابه، ومستقبل العلاقات بين البلدين.
يري مراقبون، أن الأزمة لم تكن نتيجة موقف واحد، بل جاءت نتيجة تراكم خلافات بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية، واختلاف الرؤي حول عدد من القضايا الدولية، بالإضافة إلي التباين في التعامل مع السياسات التجارية الأمريكية، وهو ما انعكس في تبادل الانتقادات بين واشنطن ومدريد.
ويُعد الخلاف حول الإنفاق الدفاعي داخل الناتو السبب الرئيسي للتوتر، حيث طالب الرئيس ترامب دول الحلف بزيادة إنفاقها العسكري، منتقدًا الدول التي لا تحقق الأهداف المتفق عليها. وكانت إسبانيا من بين الدول التي رفضت الالتزام بالوتيرة التي طالبت بها واشنطن، مؤكدة أن زيادة ميزانية الدفاع يجب أن تتم وفق أولوياتها الاقتصادية وقراراتها السيادية.
كذلك الخلاف بشأن استخدام القواعد العسكرية ، حيث تستضيف إسبانيا قواعد عسكرية أمريكية مهمة، أبرزها قاعدتا روتا ومورون، إلا أن مدريد شددت علي أن استخدام هذه القواعد في أي عمليات عسكرية يجب أن يكون وفق الاتفاقيات الثنائية والقانون الدولي، وهو ما أدي إلي تباين في المواقف مع الإدارة الأمريكية في بعض الملفات الأمنية.
كما شهدت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلافات خلال رئاسة ترامب، حيث فرضت واشنطن رسومًا جمركية علي عدد من المنتجات الأوروبية، من بينها سلع إسبانية، وردت مدريد بأن السياسة التجارية تُدار من خلال الاتحاد الأوروبي، وأن أي خلاف تجاري يجب أن يُناقش مع بروكسل، وليس مع دولة عضو منفردة.
يضاف لذلك اختلاف المواقف في السياسة الخارجية، حيث برزت تباينات بين واشنطن و مدريد بشأن عدد من القضايا الدولية، إذ تبنت إسبانيا في كثير من الأحيان مواقف أقرب إلي توجهات الاتحاد الأوروبي، مع التركيز علي الحلول الدبلوماسية واحترام القانون الدولي، بينما اتبعت إدارة ترامب نهجًا أكثر تشددًا في بعض الملفات.
كما تبني ترامب سياسة تقوم علي مطالبة الحلفاء بتحمل مسئولية أكبر في الدفاع عن أمنهم، وربط مستوي التعاون الأمريكي بحجم المساهمة المالية والعسكرية لكل دولة. في المقابل، رأت إسبانيا أن الشراكة داخل الناتو تقوم علي الالتزامات المشتركة والتوافق السياسي، وليس علي معيار الإنفاق العسكري وحده.
وفي تعليقها علي تهديدات ترامب بقطع العلاقات التجارية مع مدريد، ركزت وكالة “أسوشيتد برس”، علي أن الخلاف مع إسبانيا يأتي ضمن سياسة أمريكية أوسع لإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين، وأوضحت أن إدارة ترامب تطالب أوروبا بتحمل مسئولية أكبر عن أمنها، بينما تتراجع تدريجيًا عن الدور التقليدي الذي لعبته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وأشارت الوكالة الأمريكية، إلي أن قمة الناتو شهدت توترًا واضحًا بسبب الضغوط الأمريكية المتعلقة بالإنفاق الدفاعي، إضافة إلي الخلافات بشأن الحرب مع إيران .
في السياق نفسه، رأت صحيفة “إل باييس” الإسبانية، أن تصريحات ترامب جاءت في إطار الضغط السياسي علي الحكومة الإسبانية بسبب رفضها الوصول إلي نسبة الإنفاق الدفاعي التي تطالب بها واشنطن.
وأشارت الصحيفة، إلي أن الحكومة الإسبانية ردت بهدوء، مؤكدة أن السياسة التجارية ليست من اختصاص مدريد وحدها، بل من اختصاص الاتحاد الأوروبي، وأن إسبانيا ستواصل الوفاء بالتزاماتها داخل الناتو وفق إمكاناتها الوطنية.
كما نقلت الصحيفة عن مسئولين إسبان، قولهم، إن العلاقات مع الولايات المتحدة لا يمكن اختزالها في خلاف سياسي مؤقت، نظرًا لحجم التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.
أما وكالة “رويترز”، فقد وصفت الأزمة بأنها واحدة من أكبر الخلافات بين واشنطن و مدريد منذ سنوات، مشيرة إلي أن ترامب أمر بالتحضير لإجراءات تستهدف التجارة مع إسبانيا، رغم أن السياسة التجارية مع الدول الأوروبية تتم عبر الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل تنفيذ مثل هذه الخطوة أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية.
وأضافت وكالة الأنباء البريطانية، أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قلل من أهمية الأزمة، مؤكدًا أن محادثته مع ترامب كانت “ودية”، وأن العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين ما زالت قوية، كما شدد علي استمرار التزام مدريد بحلف الناتو.
من جهتها، أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال”، إلي أن تصريحات ترامب أثرت سريعًا في الأسواق المالية الإسبانية، حيث تراجعت أسهم عدد من البنوك والشركات الكبري عقب تهديداته بوقف التجارة.
وأضافت أن المستثمرين تعاملوا مع التصريحات بحذر، بينما اعتبر محللون، أن تنفيذ تهديدات ترامب ليس بالأمر السهل، لأن العلاقات التجارية مع إسبانيا تخضع لاتفاقيات الاتحاد الأوروبي.
وتناول محللون، مستقبل أي تصعيد تجاري محتمل مع مدريد مشيرين إلي أن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة و إسبانيا تتم في إطار أوسع يشمل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل اتخاذ إجراءات أحادية أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والاقتصادية.
كما أن واشنطن لا تستطيع الاستغناء بسهولة عن التعاون العسكري مع إسبانيا، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للقواعد الأمريكية الموجودة علي الأراضي الإسبانية، والتي تعتبر من أهم المنشآت العسكرية الأمريكية في أوروبا والبحر المتوسط، وتؤدي دورًا محوريًا في عمليات الناتو والانتشار الأمريكي في أفريقيا والشرق الأوسط.
ورأت صحف إسبانية، أن حكومة مدريد لطالما حاولت الحفاظ علي توازن دقيق بين التمسك بالتحالف مع الولايات المتحدة والدفاع عن استقلال القرار الإسباني داخل الاتحاد الأوروبي.
واعتبرت كذلك تحليلات أوروبية أن الضغوط الأمريكية بشأن الإنفاق العسكري تمثل تحديًا لجميع الدول الأوروبية، وليس ل إسبانيا وحدها، وأن العلاقات الأمريكية الأوروبية تمر بمراحل شد وجذب تبعًا لاختلاف الإدارات الأمريكية، لكنها سرعان ما تعود إلي مسارها الطبيعي بفعل تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية.
ويري خبراء العلاقات الدولية، أن احتمالات القطيعة بين الولايات المتحدة و إسبانيا تظل محدودة للغاية، نظرا لارتباط البلدان بتحالف عسكري داخل الناتو، وتعاون استخباراتي واسع، واستثمارات متبادلة بمليارات الدولارات، إضافة إلي دور إسبانيا كمركز لوجستي مهم للعمليات الأمريكية في أوروبا والبحر المتوسط وأفريقيا.
كما أن أي خلاف تجاري مع مدريد يرتبط في النهاية بعلاقة واشنطن مع الاتحاد الأوروبي بأكمله، وليس مع إسبانيا وحدها، لذا توضح المؤشرات أن العلاقات الأمريكية الإسبانية ستظل قائمة علي مبدأ “التعاون مع استمرار الخلاف”.