لو أن لصًا وقف على باب بيوتنا، يحمل سكينًا في يده، ثم اقتحم علينا سترنا، وانتزع من بين أيدينا أبناءنا، لهبَّ الناس لنجدتنا، ولارتفعت أصوات الأمهات في الطرقات، ولخرج الآباء يبحثون عن أثره في كل مكان، حتى يستردوا ما سُلب منهم.
ف الأب قد ينسى ماله، وقد يصبر على فقره، وقد يحتمل قسوة الأيام، ولكنه لا يحتمل أن يرى فلذة كبده تُنتزع من بين يديه.
ولكن ماذا لو كان اللص لا يسرق الأجساد، بل يسرق الأرواح؟ ماذا لو لم يأخذ أبناءنا من بيوتنا، بل أخذ بيوتنا من قلوب أبنائنا؟ ماذا لو لم يكسر بابًا، بل كسر معنى الباب؟ فلم يعد البيت بيتًا، ولا الأسرة أسرة، ولا القريب قريبًا إلا بالاسم؟
ذلك هو اللص الذي لم نسمع وقع خطواته، لأنه جاءنا في ثوب الصديق، وجلس بيننا على موائدنا، وأصبح ضيفًا دائمًا لا نطرده، بل نشتري له أجمل المقاعد، ونمنحه مفاتيح غرفنا، ثم نتعجب بعد ذلك كيف تغير كل شيء.
لقد وقعنا في الفخ.
لم يكن الفخ حفرةً في الأرض، فنراها قبل السقوط، ولم يكن قيدًا من حديد، فنحطم حلقاته، وإنما كان فخًا من حرير؛ ناعم الملمس، جميل المنظر، يخفي في داخله ما لا تراه العين إلا بعد فوات الأوان.
لقد كان فخًا من الصور البراقة، والكلمات اللامعة، والوعود الكاذبة، حتى صار الإنسان يسير إليه بقدميه، ويضع عنقه في قيده، ثم يبتسم لأنه ظن أنه اختار طريق الحرية.
لم يُسرق منا الوقت فقط، بل سُرقت منا البوصلة.
وهذه هي الكارثة التي لا يشعر بها الغافل؛ فالسفينة إذا فقدت شراعها توقفت، أما إذا فقدت بوصلتها فإنها تبحر بكل قوتها نحو الغرق.
لقد تغيرت الموازين.
كان الناس قديمًا يرفعون من علا قدره بالعلم، ويقدمون من سمت أخلاقه، ويحترمون من حمل همَّ الناس قبل أن يحمل اسمه. كانت القدوة رجلًا إذا غاب حضر أثره، وإذا تكلم سكتت الأهواء احترامًا لكلمته، وإذا عاش ترك في الأرض علامة لا تمحوها الأيام.
أما اليوم، فقد اختلطت علينا الأصوات، حتى أصبح الصخب يُشبه الحكمة، والانتشار يُشبه الإنجاز، والظهور يُشبه القيمة.
صار بعض الناس لا يسألون: ماذا يحمل هذا الإنسان من علم؟ ولا: ماذا قدم لمجتمعه؟ ولا: كيف هي أخلاقه حين تغيب عنه العيون؟
بل يسألون: كم لديه من متابعين؟
وكأن الأرقام أصبحت ميزان الفضيلة، وكأن الشاشة أصبحت محكمةً تحكم على الناس، وكأن الشُّهرة شهادة ميلاد جديدة تمنح الإنسان مكانة لم يمنحها له عقله ولا خلقه ولا عمله.
فيا للحسرة!
كم من صاحب علم جلس في زاوية لا يسمع صوته أحد، وكم من صاحب خلق عاش مجهولًا، بينما ارتفع آخرون إلى قمم المشهد لا لأنهم حملوا رسالة، بل لأنهم أتقنوا صناعة الضجيج.
لقد أصبح بعض التافهين نجومًا، لا لأن السماء اختارتهم، بل لأن الناس فتحوا لهم النوافذ. وأصبح بعض أصحاب القيم غرباء، لا لأنهم فقدوا مكانتهم، بل لأن زمنًا من الغبار جاء فغطّى الجواهر بالحجارة.
وما أشد مرارة أن ترى المجتمع يصفق أحيانًا لمن كان ينبغي أن ينصحه، ويعجب بمن كان ينبغي أن يسأله: إلى أين تأخذ أبناءنا؟
إن أخطر ما في هذا العصر ليس وجود القدوات الزائفة، فقد عرف التاريخ الزيف في كل زمان، وإنما الخطر أن الزيف أصبح يملك أدوات الانتشار، وأن الباطل لم يعد يحتاج إلى جهد طويل ليصل، يكفيه مقطع قصير، وصورة براقة، وعنوان يثير الفضول.
لقد أصبحت بعض الشاشات مصانع ضخمة لصناعة الوهم؛ تُخرج كل يوم أصنامًا جديدة من الورق، ثم تطلب من الناس أن يعبدوا صورتها.
والويل لأمة تُصنع فيها القدوات كما تُصنع الإعلانات؛ تُجمَّل الوجوه، وتُخفى العيوب، ويُباع الإنسان في سوق الانتباه كما تُباع السلع.
لقد خسرنا شيئًا أعظم من الوقت؛ خسرنا روحنا الاجتماعية التي كانت تسكن بيننا.
أين تلك البيوت التي كانت أبوابها مفتوحة للجيران؟ أين تلك المجالس التي كانت تُبنى فيها المحبة كما تُبنى البيوت حجرًا فوق حجر؟ أين ذلك الكبير الذي يجلس في صدر المجلس فيُنصت الناس إلى كلماته لا لأن عمره تقدم فقط، بل لأن الحكمة سكنت فيه؟
أين دفء العائلة حين كانت مائدة الطعام تجمع القلوب قبل الأجساد؟ أين سؤال الابن عن أبيه، وحكايات الجد للأحفاد، وحياء الفتاة الذي كان تاجًا لا عبئًا، ومروءة الشاب التي كانت عنوان رجولته؟
لقد دخلت علينا رياح كثيرة، بعضها يحمل خيرًا لا ننكره، ولكننا أخطأنا حين تركنا الأبواب مفتوحة لكل ريح، فدخل الغبار مع النسيم، ودخل الداء مع الدواء.
أخذنا من بعض الثقافات قشورها وتركنا جذورها، أخذنا مظاهرها ونسينا أن لكل مجتمع روحًا إذا فقدها صار نسخة باهتة من غيره.
فصار بعض الناس يستحيون من أخلاقهم أكثر مما يستحيون من أخطائهم، ويعتذرون عن محافظتهم على قيمهم، وكأن الوفاء للأسرة، واحترام الوالدين، والحياء، والرحمة، والتواضع، أشياء قديمة ينبغي أن تُحفظ في المتاحف.
وكأن الإنسان لا يصبح متقدمًا إلا إذا خلع ثوبه القديم، ولو كان ذلك الثوب هو شرفه وهويته وطمأنينة قلبه.
لقد تغيرت صورة الأسرة.
كان الأب مدرسة، فأصبح أحيانًا مجرد ممول للطلبات. وكانت الأم حضنًا واسعًا، فأصبحت بعض البيوت تضيق فيها المشاعر رغم اتساع الجدران. وكان الأبناء يبحثون عن الحكمة في عيون آبائهم، فأصبح بعضهم يبحث عنها في وجوه لا يعرف أصحابها شيئًا عنهم.
صار الطفل يعرف أسماء المشاهير قبل أن يعرف قصص العظماء، ويحفظ تفاصيل حياة غرباء لا يعرفون وجوده، بينما تمر أيامه مع أسرته كأنها صفحات لا يقرأها أحد.
إن الطفل لا يحتاج فقط إلى طعام يُشبع جسده، بل إلى حضور يُشبع روحه. لا يحتاج فقط إلى غرفة جميلة، بل إلى قلب يشعر فيه أنه محبوب. فالبيوت لا تنهار عندما تتشقق جدرانها، وإنما تنهار عندما تسكنها الوحشة.
وما أقسى أن يعيش أربعة أشخاص تحت سقف واحد، وبين كل واحد منهم وبين الآخر مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بسنوات من الغياب.
إننا لم نفقد أبناءنا حين خرجوا من البيوت، بل فقدنا بعضهم وهم جالسون أمامنا.
لقد صارت بعض الأسر تعيش مأساة عجيبة؛ أجساد مجتمعة، وقلوب متفرقة. وجوه متقابلة، وأرواح مسافرة. أصوات كثيرة في المكان، ولكن لا أحد يسمع أحدًا.
وهذه ليست خسارة عابرة، فالأمم لا تهزم حين تُكسر سيوفها، وإنما حين تُكسر مراياها التي ترى فيها حقيقتها.
إن الأمة التي تضيع فيها القدوة تضيع فيها الطريق.
فإذا صار السفيه حكيمًا لأنه مشهور، وصار صاحب الخلق غريبًا لأنه لا يملك منصة، وإذا أصبح من يبيع الوهم أكثر تأثيرًا ممن يبني الإنسان، فاعلم أن الخلل قد وصل إلى الجذور.
لقد وقعنا في الفخ...
وقعنا حين ظننا أن كل جديد تقدم، وأن كل وافد حضارة، وأن كل مختلف أفضل، وأن تقليد الآخرين دليل رقي.
وقعنا حين سمحنا للأضواء الكاذبة أن تخطف أبصارنا، حتى لم نعد نرى النجوم الحقيقية التي كانت تهدينا في صمت.
وقعنا حين أصبحنا نربي أبناءنا على سؤال: كيف تصبح مشهورًا؟ بدلًا من سؤال: كيف تصبح نافعًا؟
ولكن الفخ ليس نهاية الطريق.
فالأمة التي تعرف جرحها تستطيع أن تبدأ علاجها، والقلب الذي يشعر بمرارة المرض لم يمت بعد.
ما زال في بيوتنا خير كثير، وما زالت في قلوب الآباء دعوات صادقة، وما زالت في أيدي الأمهات قدرة على غرس ما كاد يذبل، وما زال في شباب الأمة من يبحث عن النور وسط هذا الضجيج.
علينا أن نعيد للقدوة معناها، وللأسرة مكانتها، وللأخلاق هيبتها.
علينا أن نعيد للإنسان قيمته قبل صورته، ولجوهره مكانته قبل مظهره.
فليست العظمة أن يراك الملايين، بل أن تكون جديرًا بأن يراك الله.
وليست القيمة في أن يصفق لك الناس، بل أن يبقى لك أثر طيب حين يصمت التصفيق.
لقد وقعنا في الفخ...
ولكن من عرف موضع قدمه، عرف كيف يخرج.