نظمت مجلة الصين اليوم التابعة للمجموعة الصينية للإعلام الدولي بمشاركة نخبة من الخبراء من مكتبة الإسكندرية و كلية الآداب بجامعة الإسكندرية صالون "فكر شي جين بينغ.. للصين والعالم"، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين من الصين ومصر، ناقشوا خلال جلستين "مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري بين الصين والعالم العربي".
وفي كلمتها بالجلسة الأولى للصالون، قالت شيوي مين، القنصل العام للصين في الإسكندرية إن العلاقات الودية بين الصين و الإسكندرية شهدت في السنوات الأخيرة تطورا مستمرا، مشيرة إلى أن أكثر من مائة ألف سائح صيني يزورون الإسكندرية سنويا، كما تدرس اللغة الصينية في ست مدارس إعدادية وثانوية وجامعتين بالإسكندرية. وقد نظمت جامعتا الإسكندرية وقناة السويس و مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية الصينية العديد من أنشطة التبادل والتعاون، فضلا عن أن ثمة تعاونا مستقرا بين البلدين في مجال الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه والذي تتركز أعماله في الإسكندرية. ويواصل الجانبان الاستفادة من الإرث العريق للحضارتين وتعميق التبادلات الثقافية والإنسانية، بما يضخ حيوية في الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر. وأكد لي وو تشو، نائب رئيس دار مجلة ((الصين اليوم)) أن التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات لا ينبغي أن يبقى مجرد فكرة، بل يحتاج إلى ممارسات مستمرة تدفعه إلى الأمام. وتتحمل الجامعات رسالة نبيلة في توراث الحضارة وابتكار المعرفة، وتنهض وسائل الإعلام بمسؤولية مهمة في تعزيز التفاهم والتقارب بين الشعوب، بينما يمثل الشباب مستقبل العلاقات الصينية- العربية. وقال إن الصين والدول العربية ذات حضارات عريقة وثقافات زاخرة. فمن طريق الحرير القديم إلى مبادرة "الحزام والطريق" اليوم، فإن الصداقة الصينية- العربية لا تقوم على التعاون العملي فحسب، وإنما أيضا تستند إلى المعرفة المتبادلة بين الحضارات.
وقال الدكتور محمد السوداني، وكيل كلية الآداب بجامعة الإسكندرية إن التاريخ يشهد أن العلاقات المصرية- الصينية لم تكن مجرد روابط سياسية أو اقتصادية، بل كانت دائما جسرا حضاريا وتواصلا ثقافيا عميقا؛ فمنذ طريق الحرير القديم، وصولا إلى مبادرة "الحزام والطريق"، كانت مصر والصين دائما منارتين للتواصل الإنساني والفكري.
في الجلسة الثانية التي أدارها حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة ((الصين اليوم))، تناولت الدكتورة سحر عبد العزيز سالم، الأستاذة المتفرغة بقسم التاريخ والآثار المصرية في جامعة الإسكندرية، القواسم التاريخية والحضارية المشتركة بين مصر والصين، مشيرة إلى أن القيم الأخلاقية هي أساس الفلسفة الحضارية في كل من مصر والصين، ولا يزال مفهوم الشرف الاجتماعي والوطني أساسا للثبات والتوازن في كل من الشخصية المصرية والصينية. وقالت إن أبناء المدن والأقطار التجارية يتسمون غالبا بسمات مشتركة، من أهمها القدرة على التعايش والتسامح والحوار مع الآخر، والانصهار مع مختلف القوميات والأجناس وعدم الميل للتعصب، وهو ما تجسد في ثقافة طريقي الحرير البري والبحري اللذين ربطا بين الصين ومصر. وفي ورقته التي حملت عنوان "التشابه بين الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية من خلال أدوات ومواد الكتابة"، استعرض الدكتور أحمد منصور، مدير مركز دراسات الخطوط بمكتبة الإسكندرية، التشابه في مواد وأدوات الكتابة بين الحضارتين المصرية والصينية، مشيرا إلى أن الكتابة في مصر القديمة، وخاصة الخط الهيروغليفي، احتلت مكانة مقدسة ومرموقة كأحد أهم أشكال التعبير الفني والديني. كما احتلت الكتابة وفن الخط في الصين مكانة مرموقة كأحد أهم أشكال الفن القديم، جنبا إلى جنب مع الرسم. ونوه منصور إلى أنه في العصر الحديث، صارت الروابط التاريخية والثقافية بين مصر والصين أكثر عمقا مع التطور الاقتصادي والانفتاح الثقافي للصين. فقد وفرت مبادرة "الحزام والطريق" آفاقا واسعة للتعاون الإستراتيجي بين البلدين، وهو ما تُوج في عام 2016 بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر وإقامة "عام الثقافة المصرية- الصينية". ومن جانبه، قدم الدكتور أحمد حمدي عبد المنعم، المدير التنفيذي لمكتب العلاقات الدولية في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، لمحة عن الخصائص الجوهرية للحضارة الصينية، وهي: الاستمرارية والابتكار والوحدة والشمول والسلام. وقال إن الصين طرحت "مبادرة الحضارة العالمية" التي تقدم رؤية للاستقرار في ظل اضطرابات عالمية. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم واسع، حيث تبنت الأمم المتحدة قرارا اقترحته الصين باختيار 10 يونيو يوما دوليا للحوار بين الحضارات، بدعم من أكثر من 80 دولة.
وقال الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، العميد الأسيق ل كلية الآداب في جامعة قناة السويس، إن جامعة الدول العربية أعلنت رسميا التزام الجامعة الثابت بالحوار بين الحضارتين الصينية والعربية من خلال تحويل الحوار بين جامعة الدول العربية والصين إلى منصة إستراتيجية للحواروالنقاش الثقافي والتركيز على مسار الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الجانبين، مؤكدة أن الهدف من الحوارهو "بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك".
سارة الأشرفي : الحضارة كمدخل استراتيجي لبناء السلام في الشرق الأوسط وإقليميا ودولياً
" حكمة الشرق" تعاون مصر والصين والعالم العربي ومبادرة الحضارة العالمية تعيد هيكلة الاستقرار الدولي
وطرحت سارة عبد العزيز الأشرفي مؤسس منتدي العلاقات الدولية والسلام والباحثة المتخصصة في الشأن الصيني والدولي رؤية استراتيجية ترتكز علي الحضارة كرؤية استراتيجية لبناء السلام وتحقيق التنمية المستدامة وقوة تعزز الأمن والاستقرار والحوار والتفاهم الاقليمي والدولي .
وقالت أطرح رؤية مفادها أن الحضارة ليست إرثًا للماضي فحسب، بل هي مدخل استراتيجي للحوكمة العالمية من أجل السلام. فالحضارة ليست آثارًا ومتاحف ورموزًا تاريخية فقط، وليست مجرد قوة ناعمة لتحسين صورة الدول، وإنما هي منظومة من القيم والخبرات والمؤسسات، قادرة على بناء الثقة، وتعزيز الحوار، وإدارة التنوع، وصياغة نماذج أكثر استدامة للأمن والاستقرار.
وأكملت أن الحضارات الكبرى لم تستمر آلاف السنين لأنها امتلكت الجيوش الأقوى، بل لأنها نجحت في بناء الإنسان، وترسيخ مؤسسات الدولة، واحترام القانون، وإنتاج المعرفة، وتحويل الاستقرار إلى ثقافة راسخ. ومن هنا، فإن القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى أن ينتقل من توازنات القوة إلى توازنات الحضارة، حيث تصبح التنمية والاحترام المتبادل والتعاون بين الشعوب ركائز للأمن العالمي.
وأوضحت : أن التاريخ يعلّمنا أن الحضارات العظيمة لا تنشأ مصادفة، فإن مصر والصين تقدمان أحد أبرز النماذج على ذلك. فقد وُلدت الحضارة المصرية على ضفاف نهر النيل، بينما نشأت الحضارة الصينية على ضفاف النهر الأصفر ونهر اليانغتسي، لتؤكد التجربة الإنسانية أن الأنهار لم تكن مجرد مصادر للمياه، بل كانت منابع للحياة، وحواضن للدولة، ومنطلقًا لبناء المعرفة والتنظيم والاستقرار.
وأكدت أن مصر والصين لم تلتقيا لأنهما دولتان صاعدتان، بل لأنهما حضارتان لم تنقطعا عن التاريخ. فالدول قد تنشأ وتتغير، أما الحضارات التي تنجح في تجديد ذاتها، فهي وحدها القادرة على تقديم رؤى جديدة لمستقبل الإنسانية.
وأشارت إلي أن مصر والصين تمثلان نموذجًا حضاريًا فريدًا يبني ويرسخ السلام الإقليمي والدولي لحماية المجتمع العالمي ، فهما من أقدم الحضارات الإنسانية المستمرة، وقد أسهمتا عبر التاريخ في صياغة مسارات المعرفة والتجارة والثقافة. ولم يكن طريق الحرير القديم مجرد ممر للقوافل، بل كان جسرًا لنقل الأفكار والعلوم والفنون، وبناء روابط بين الشعوب على أساس المنفعة المتبادلة والتفاعل الحضاري.
واضافت إنه في لحظة فارقة من تاريخ النظام الدولي الراهن، وتزامناً مع الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية التاريخية بين القاهرة وبكين، تتجلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين كركيزة صلبة لإعادة التوازن الإقليمي والدولي، ومظلة آمنة لمواجهة الاستقطاب السياسي والاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط.
وأكدت أن هذه الشراكة الممتدة عبر عقود ترسخ أن "المدخل الحضاري" لم يعد مجرد إرث تاريخي تُستحضر أمجاده، بل غدا أداة استراتيجية فاعلة وصانعة للسلام؛ حيث تقدم كل من مصر والصين—بما تمتلكانه من ثقل حضاري عريق، ورؤية تنموية متكاملة عبر التوافق بين رؤية "مصر 2030" ومبادرة "الحزام والطريق"—نموذجاً دولياً يستبدل خطوط المواجهة والصدام بسياسات بناء الجسور والدبلوماسية الوقائية.
وأضافت أنه في إطار التكافل الاستراتيجي بين القوتين، تنطلق "حكمة الشرق" كمنظومة فكرية وسياسية قادرة على طرح حلول عادلة وشاملة للازمات الشرق أوسطية، متجاوزة المقاربات الأمنية الضيقة إلى آفاق التنمية المستدامة والأمن القومي الشامل.
وتابعت أن التنسيق المصري الصيني المترسخ عبر عقود من الثقة المتبادلة يبعث برسالة جليّة إلى القوى الفاعلة على الساحة الدولية: أن الأمن والاستقرار لا يُصنعان عبر المحاور الضيقة أو هيمنة الطرف الواحد، بل عبر نظام دولي متعدد الأقطاب، أكثر توازناً وعدالة، تُمثّل فيه القيم الحضارية والتنمية المشتركة الضمانة الأساسية للسلم والأمن الدوليين.
وأوضحت أنه في الشرق الأوسط، حيث ما زالت المنطقة تواجه أزمات معقدة، تبدو هذه الرؤية أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالسلام العادل لا يتحقق بإدارة الأزمات فقط، وإنما بمعالجة أسبابها، من خلال التنمية، والتكامل الاقتصادي، وتمكين الشباب، واحترام القانون الدولي، وإعلاء الحلول السياسية. ومن هنا، فإن المواقف المصرية والصينية الداعمة لوقف إطلاق النار في غزة، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، ودعم إعادة الإعمار، والتأكيد على حل الدولتين، تعكس قناعة مشتركة بأن السلام المستدام لا يقوم إلا على العدالة والتنمية واحترام الحقوق المشروعة للشعوب.
وأضافت أن مصر والصين، بما تمتلكانه من إرث حضاري عريق، ورؤية تنموية مشتركة، وشراكة استراتيجية متنامية، تقدمان رسالة إلى العالم مفادها أن بناء الجسور بين الحضارات أكثر استدامة من بناء خطوط المواجهة، وأن حكمة الشرق قادرة على الإسهام في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة وسلامًا.
وتناولت الدكتوره أماني صلاح الدين سليمان، الأستاذة المساعدة بمعهد دراسات البحر المتوسط في جامعة الإسكندرية، مبادرة الحضارة العالمية، مشيرة إلى أنها تقوم على عدة مبادئ أساسية، من أهمها احترام تنوع الحضارات، والتمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، وتشجيع الحوار والتبادل الثقافي، وعدم فرض نموذج حضاري واحد على الجميع. وهذه المبادئ لا تخدم دولة بعينها، بل تخدم المجتمع الدولي بأسره. وأضافت أن الجامعات والمؤسسات التعليمية تتحمل مسؤولية كبيرة في ترجمة هذه المبادئ إلى واقع. كما أن وسائل الإعلام، ومراكز البحوث، والمؤسسات الثقافية، يمكنها أن تؤدي دورا محوريا في تقديم صورة أكثر توازنا عن الشعوب والثقافات المختلفة، بعيدا عن التعميم والأحكام المسبقة.
وتحدث الدكتور حسام أحمد العبادي، الأستاذ المساعد بقسم التاريخ في جامعة الإسكندرية، عن عالمية الحضارة الصينية وتجلياتها في العالم الإسلامي، مبينا أن "عالمية" الحضارة الصينية لا تكمن فقط في اتساع رقعتها الجغرافية وثراء مواردها الطبيعية أو كثافتها السكانية، بل في قدرتها الفائقة على تصدير ابتكاراتها ونظمها الفكرية إلى ما وراء حدودها، لتشكل ركائز أساسية في بناء حضارات أخرى. ومن أبرز مسارات هذه العالمية هو التفاعل التاريخي العميق والمستمر بين الصين والعالم الإسلامي، وهو تفاعل لم يكن يقتصر على التجارة في الحرير والتوابل، بل امتد ليشمل تبادلا معرفيا وتقنيا وفنيا غيّر مسار التاريخ الإنساني.
وقالت الدكتوره هدى الساعاتي، وكيلة نقابة الصحفيين بالإسكندرية، إن مبادرة الحضارة العالمية ليست مجرد مشروع ثقافي، بل تمثل رؤية متكاملة لإدارة العلاقات الدولية من خلال الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل. وهي تؤكد أن الحضارات لا تتصارع بطبيعتها، وإنما تتكامل وتتبادل الخبرات من أجل خدمة الإنسانية. وتبقى العلاقات الصينية العربية نموذجا يمكن البناء عليه لتعزيز التعاون الحضاري، وترسيخ قيم السلام والتنمية، وإقامة شراكات قائمة على الثقة والمنفعة المتبادلة، بما يسهم في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، تكون فيه الثقافة والحوار والتعلم المتبادل أدوات رئيسية لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار.
وقدمت مؤسس منتدي العلاقات الدولية والسلام والباحثة المتخصصة في الشأن الصيني والدولي سارة الأشرفي رؤية إقليمية ودولية تجسد حكمة الشرق ومصر والصين في بناء وترسيخ السلام وتعزيز الحوار والتعايش والتفاهم استنادا علي الحضارة كقوة استراتيجية لبناء الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة بما يخدم العالم .
وقالت إنه في لحظة فارقة من تاريخ النظام الدولي الراهن، وتزامناً مع الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية التاريخية بين القاهرة وبكين، تتجلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين كركيزة متينة لإعادة التوازن الإقليمي والدولي، ومظلة آمنة لمواجهة الاستقطاب السياسي والاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط والوضع الإقليمي والدولي .
وفي كلمتها، أكدت الدكتورة ضحى العبد، المدرسة بقسم اللغة الصينية وآدابها في جامعة الإسكندرية، على الدور الذي تلعبه الترجمة في تعزيز الروابط الثقافية. وقالت إن الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي "عبور حضاري". عندما نترجم من الصينية إلى العربية، نحن ننقل فلسفة "كونفوشيوس" وعمق التراث الصيني إلى الوجدان العربي. وعندما نرى الصينيين يقبلون على قراءة نجيب محفوظ وطه حسين، نحن نفتح لهم نوافذ على الروح المصرية. وأضافت أن مبادرة الحضارة العالمية هي تجسيد حقيقي لرؤية مشتركة تؤمن بأن التنوع الثقافي في العالم هو مصدر ثراء وليس سببا للصدام. وقد قدمت مصر والصين للعالم نموذجا يُحتذى به في حوار الحضارات القائم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.
وفي ختام الندوة، قال حسين إسماعيل إن اختيار مدينة الإسكندرية لم يكن من قبيل المصادفة، فهي أول مدينة أفريقية ذكرتها المراجع التاريخية الصينية، وهي المدينة التي ظلت على مدار تاريخها ومازالت البوتقة التي تنصهر فيها الثقافات والحضارات، وكان من الطبيعي أن تحتفي بمبادرة الحضارة العالمية.