حذرت منظمة الصحة العالمية من أن مقاومة مضادات الميكروبات أصبحت واحدة من أخطر التحديات الصحية التي تواجه العالم، بعدما تسببت في نحو 5 ملايين حالة وفاة سنويًا، مؤكدة أن استمرار تفاقمها قد يقوض إنجازات الطب الحديث ويجعل علاج العدوى الشائعة أكثر صعوبة وخطورة.

جاء ذلك خلال افتتاح ورشة تدريبية للصحفيين والإعلاميين حول مقاومة مضادات الميكروبات، نظمتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالقاهرة، بهدف تعزيز قدرات الإعلاميين على التغطية العلمية الدقيقة لهذه القضية، ورفع الوعي المجتمعي بمخاطر الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور الدكتور حامد الأقنص رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، والدكتور عبد الرحمن بلال مدير إدارة الصحة الواحدة بوزارة الصحة والسكان، والدكتورة جاكلين بينات مسؤولة البرامج بمنظمة الأغذية والزراعة، والدكتور نعمة سعيد عبد ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، والدكتورة يارا خلف مسؤولة مقاومة المضادات الحيوية بالمنظمة، والدكتورة سماح فاروق ممثلة الفاو.
وأكد المشاركون أن مواجهة مقاومة مضادات الميكروبات تتطلب تطبيق نهج “الصحة الواحدة”، الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، باعتباره الإطار الأكثر فاعلية للحد من انتشار الميكروبات المقاومة للأدوية.
وقال الدكتور نعمة سعيد عبد، ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، إن مقاومة المضادات الحيوية لم تعد خطرًا مستقبليًا، بل أصبحت واقعًا يهدد الأنظمة الصحية عالميًا، موضحًا أن فقدان فعالية المضادات الحيوية قد يجعل العدوى البسيطة، والعمليات الجراحية، وزراعة الأعضاء، والعلاج الكيميائي لمرضى السرطان، وحتى الولادة الطبيعية، أكثر خطورة بسبب صعوبة السيطرة على العدوى.
وأشار إلى أن إقليم شرق المتوسط يواجه معدلات مرتفعة من العدوى المقاومة للأدوية، نتيجة الإفراط في استخدام المضادات الحيوية أو إساءة استخدامها، وضعف الوصول إلى التشخيصات الدقيقة، إلى جانب وجود تحديات في تطبيق إجراءات مكافحة العدوى داخل المنشآت الصحية.
وأضاف أن بيانات الترصد الحديثة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أظهرت أن معدلات مقاومة بعض البكتيريا تجاوزت 50% تجاه عدد من المضادات الحيوية الشائعة، وهو ما يعني أن نصف المرضى المصابين بهذه السلالات قد لا يستجيبون للعلاجات التقليدية.
وأوضح أن التداعيات لا تقتصر على الجانب الصحي، إذ حذر البنك الدولي من أن استمرار تفاقم مقاومة مضادات الميكروبات قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية تضاهي آثار الأزمة المالية العالمية عام 2008، مع زيادة معدلات الفقر، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وأكد أن هذه الأزمة تمتد أيضًا إلى الأمن الغذائي، نتيجة انتشار البكتيريا المقاومة داخل الثروة الحيوانية، فضلًا عن تأثيرها الأكبر على الفئات الأكثر هشاشة، مثل اللاجئين والنازحين والمهاجرين.
وشدد ممثل منظمة الصحة العالمية على أن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في الطب البشري والبيطري، إلى جانب التلوث البيئي بالمخلفات الطبية والزراعية، يسهم في تسريع ظهور الميكروبات المقاومة، ما يستدعي تعاونًا وثيقًا بين مختلف القطاعات للحد من هذه الظاهرة.
كما أكد أن وسائل الإعلام تمثل شريكًا رئيسيًا في مواجهة الأزمة، من خلال تبسيط المعلومات العلمية، والتوعية بمخاطر الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتشجيع المواطنين على الالتزام بالإرشادات الطبية.
وأشار إلى أن منظمة الصحة العالمية تواصل تعاونها مع الحكومات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام لتعزيز أنظمة الترصد، وتحسين الاستخدام الرشيد للمضادات، والتوسع في برامج التطعيم، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، ودعم البحث العلمي والابتكار، مؤكدًا أن نجاح هذه الجهود يعتمد على مشاركة المجتمع ورفع مستوى الوعي العام.
وأوضح أن الورشة تستهدف تزويد الصحفيين والإعلاميين بالمعرفة العلمية والأدوات العملية التي تساعدهم على إنتاج تغطيات دقيقة ومتوازنة حول مقاومة مضادات الميكروبات، بما يدعم جهود الصحة العامة في مواجهة أحد أخطر التحديات الصحية عالميًا.