ما يستحق التوقف أمامه هو هذا المشهد الذي أصبح مألوفًا ويتكرر كل عام مع امتحانات الثانوية العامة ألا وهو الاعتراض علي الامتحانات من قبل الطلبة وأولياء أمورهم، إذا لم يأت الامتحان علي هواهم.. في المتناول سهلاً ومباشرًا.
ليتصدر المشهد عبارات " الامتحان كان صعبا" أو "في مستوي الطالب المتوسط" عناوين الأخبار والصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، وما إن تنتهي آخر مادة حتي يبدأ الجدل المعتاد، هل كانت الامتحانات أصعب من العام الماضي؟!
وهو ما يدعونا لأن نتساءل: هل من حق الطلبة وأولياء أمورهم الاعتراض علي الامتحان إذا جاءت أسئلته غير مباشرة "وفيها لف ودوران"؟!.. وهل المفروض أن تأتي الامتحانات سهلة وفي متناول الطالب العادي؟!
وإذا كنا نريد الإجابة عن هذا التساؤل بشيء من الموضوعية بعيدا عن العاطفة فإنه لا يحق للطلبة وأولياء أمورهم الاعتراض علي الامتحان مهما كانت درجة صعوبته لأنه لا يصح للذين يتم تقييمهم الاعتراض من قريب أو من بعيد علي مستوي الامتحان حتي لو جاء صعبا، وإلا لا يكون للامتحان أي لزمة أو فائدة.
والحقيقة هي ظاهرة مرضية قد تفشت في مجتمعنا من منتصف التسعينيات وهي الاعتراض علي الامتحانات، ولعلنا نتذكر، علي أيامنا، عندما كنا طلبة في الثانوية العامة في أواخر السبعينيات لم يكن هذا الكلام موجودًا، ولم نسمع صوتا واحدا يعترض علي الامتحان حتي لو جاء صعبا.
لكن الأمور اختلفت بعد أن أخذت هذه الظاهرة تتفشي في الـ٣٠ سنة الأخيرة بأن تعلو أصوات الطلبة وآبائهم بالصراخ والعويل وحالات الإغماء إذا لم تأت الامتحانات علي هواهم سهلة وفي المتناول، حتي وصل الأمر بأنه أصبح حقا مكتسبا للطلبة وآبائهم.
وللأسف قد ساعد علي تفشي ظاهرة الاعتراض علي الامتحانات بجانب مواقع التواصل الاجتماعي وزارة التربية والتعليم، نفسها، التي تعاملت مع هذه الشكوي بأسلوب الأيدي المرتعشة، وكأن علي رأسها "بطحة" بالرضوخ والاستجابة لهذا الاعتراض بحذف الأسئلة محل الشكوي وتوزيع درجاتها عند تصحيحها علي الأسئلة الأخريإرضاءً للمجتمع، وهوشيء خطير تربويا لأنه يتسبب في إفراغ الامتحانات من مضمونها.
وما يجب أن يعرفه الطلبة وأولياء الأمور أن الامتحانات لا توضع "اعتباطا" إنما توضع وفق معايير ومواصفات بأن يتضمن ما لا يقل عن ٢٥ أو ٣٠% من مجمل أسئلة الورقة الامتحانية أسئلة تقيس القدرات العليا للتفكير والفهم للتميز بين الطالب المتميز والعادي.
إنني أري أنه لا يصح الاعتراض علي الامتحانات مهما كانت درجة صعوبتها من عدمه، حيث إنني أري الامتحان بمثابة حكم المحكمة الذي لا ينفع فيه التعقيب أو الاعتراض عليه.
وإذا كنا نريد أن نسير في إصلاح حال التعليم فإن أول الإصلاح هو إصلاح حال المنظومة الامتحانية بأن نودع موضة الاعتراض علي الامتحان.