خناقة «غالي والتلاوي»

خناقة «غالي والتلاوي»سعيد صلاح

الرأى26-7-2026 | 21:11

تحدثت سابقًا عن فكرة أن «نروي روايتنا» من خلال إعلامنا الوطني ومنصاتنا المحلية ولا نترك للمنصات الخارجية أن تروي وترصد وتترصد لتاريخنا وتفاصيل حياتنا وألا نتركها ترسم لنا ملامح مستقبلنا خاصة وإن كان من يتحدثون فيها مصريون، وقد شهدت مؤخرًا رواجًا ونشاطًا في هذا الاتجاه ورأيت مسئولين سابقين وشخصيات عامة مصرية ذات ثقل ووزن تتحدث في المنصات المصرية وقد خلق ذلك حالة من الانتعاش والجدل الإيجابي وخاصة ما أحدثته حلقة بودكاست «موعد مع لميس» مع الوزير الأسبق يوسف بطرس غالي حول أموال التأمينات و المعاشات ودخول ميرفت التلاوي علي خط الجدال باعتبارها كانت وزيرة الشئون الاجتماعية والتأمينات وقتها والمسئولة عن هذه الأموال.

في الحقيقة يمكن النظر إلي الجدل الذي أثارته تصريحات غالي والتلاوي، وما تبع ذلك من تعليقات سياسية وإعلامية وشعبية واسعة، باعتباره واحدًا من أكثر النقاشات العامة أهمية خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط بسبب حساسية الملف المطروح والمتعلق ب أموال التأمينات والمعاشات، وإنما لأنه أعاد فتح أسئلة أعمق تتجاوز الأشخاص والوقائع التاريخية إلي قضية أكثر اتساعًا تتعلق بالذاكرة الوطنية، وحق المجتمع في معرفة ما جري، وكيف تُدار المسئولية العامة، ومن يتحمل نتائج القرارات التي تؤثر في حياة ملايين المواطنين.

ولعل الأهمية الأكبر لهذا الجدل لا تكمن في الإجابات التي قدمها أطرافه بقدر ما تكمن في الأسئلة التي طرحها، فبعد سنوات طويلة من مغادرة المسئولين مواقعهم التنفيذية، عاد أحد أبرز رموز الفريق الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك ليتحدث مطولًا عن مرحلة لا تزال محل جدل وتقييم مستمرين، بينما خرج مسئولون آخرون للرد والتعقيب والتصحيح من وجهة نظرهم، وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشهد، لأن المجتمعات الحية لا تخشي مراجعة تاريخها، بل تعتبرها ضرورة لفهم الحاضر والاستعداد للمستقبل.

خلال السنوات الماضية، اعتدنا أن تُروي كثير من تفاصيل التاريخ السياسي والاقتصادي المصري عبر منصات خارجية أو من خلال روايات يكتبها باحثون ومراكز دراسات ووسائل إعلام لا تمتلك بالضرورة كل الحقائق أو لا تنطلق دائمًا من منظور وطني، لذلك فإن ما شهدناه مؤخرًا من حضور شخصيات مصرية صاحبة خبرة وثقل سياسي وإداري علي منصات إعلامية مصرية يمثل تطورًا مهمًا في معركة «الرواية الوطنية».

لقد أثبتت تجربة الحوارات و«البودكاستات» خلال الفترة الأخيرة أن الجمهور لا يزال متعطشًا للاستماع إلي شهود الأحداث وصُنّاع القرار السابقين، وأن هناك مساحة واسعة يمكن أن تشغلها المنصات الوطنية إذا ما أحسنت إدارة الحوار وطرحت الأسئلة الصعبة دون مجاملة أو تصفية حسابات.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة النجاح الكبير الذي حققته حلقة لميس الحديدي مع الدكتور يوسف بطرس غالي فبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما طرحه الوزير الأسبق، فإن الحلقة نجحت في تحريك المياه الراكدة ودفعت شخصيات أخري إلي تقديم روايات مختلفة، وهو ما خلق حالة من النقاش العام ربما تكون أكثر فائدة من الصمت الطويل الذي ظل يحيط بملفات عديدة من تلك المرحلة، لكن في المقابل، فإن هذا النوع من النقاشات يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام مراجعات تاريخية حقيقية أم أمام محاولات متأخرة لإعادة تقديم الذات أمام الرأي العام؟

السؤال ليس موجهًا إلي شخص بعينه، وإنما يتعلق بظاهرة عامة تتكرر في دول كثيرة، فغالبًا ما يميل بعض المسئولين السابقين، بعد مغادرتهم السلطة، إلي إعادة تفسير القرارات التي شاركوا فيها، أو إبراز جوانب معينة من أدوارهم، أو تحميل أطراف أخري مسئولية الإخفاقات التي حدثت خلال فترة وجودهم في مواقع القرار.

وفي الحالة التي أثارت الجدل مؤخرًا، بدا واضحًا أن جزءًا من النقاش انصرف إلي تحديد المسئوليات، من صاحب القرار؟ ومن اقترح؟ ومن وافق؟ ومن نفذ؟ وهل كانت الإجراءات التي اتُخذت في ذلك الوقت صحيحة أم خاطئة؟ وهل حققت النتائج المرجوة أم ألحقت ضررًا بـ أموال التأمينات و المعاشات ؟

هذه الأسئلة مشروعة تمامًا، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما لا تتحول إلي مجرد سجال شخصي بين مسئولين سابقين، بل عندما تتحول إلي فرصة لفهم آليات اتخاذ القرار داخل الدولة في تلك المرحلة، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار الأخطاء مستقبلًا، ففي نهاية المطاف، لا يهم المواطن كثيرًا من الذي انتصر في السجال الإعلامي، بقدر ما يهمه أن يعرف كيف أُديرت أموال التأمينات التي تمثل حصيلة سنوات طويلة من عمل ملايين المصريين، وما إذا كانت قد استُثمرت وفق أفضل المعايير المتاحة آنذاك، وما هي الضمانات التي تمنع تكرار أي مشكلات مشابهة في المستقبل.

ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للجدل الدائر لا تكمن في تبرئة هذا الطرف أو إدانة ذاك، وإنما في تحويله إلي فرصة لمراجعة السياسات العامة ومناقشة مفهوم المسئولية السياسية والإدارية، فالواقع أن المجتمعات الحديثة لا تقوم علي فكرة المسؤول المعصوم من الخطأ، وإنما علي فكرة المؤسسات القادرة علي اكتشاف الخطأ وتصحيحه ومحاسبة المسئول عنه، كما أنها لا تبني تاريخها علي الروايات الشخصية وحدها، بل علي الوثائق والمضابط والسجلات والحقائق القابلة للتحقق.

ولهذا السبب جاءت دعوات بعض الإعلاميين والكتاب إلي العودة لمضابط مجلس الوزراء ومجلس النواب والوثائق الرسمية باعتبارها المصدر الأكثر دقة للفصل في الوقائع المتنازع عليها، فالتاريخ لا يُكتب بالانطباعات ولا بالذكريات الفردية وحدها، وإنما بالشهادات المتقاطعة والوثائق الرسمية والحقائق الموثقة.

وفي هذا السياق يبرز درس أظنه من وجهة نظري المتواضعة، بالغ الأهمية، يتعلق بمفهوم المساءلة العامة، فالكثير من الأزمات التي تظهر بعد سنوات من انتهاء المسئولية كان يمكن حسمها مبكرًا لو توافرت آليات أكثر فاعلية للرقابة والمتابعة والإفصاح أثناء وجود المسئول في منصبه، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست فقط في القرار نفسه، وإنما في غياب النقاش العام الكافي حوله لحظة اتخاذه، أو ضعف أدوات الرقابة التي تسمح للمجتمع ومؤسساته المنتخبة والإعلام المهني بمتابعة نتائجه أولًا بأول، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلي ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل التقييم والمراجعة جزءًا طبيعيًا من عملية الإدارة العامة، وليس نشاطًا مؤجلًا يحدث بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.

ولعل ما يلفت الانتباه أيضا في هذا الجدل الناتج عن «خناقة غالي والتلاوي»، أنه أعاد طرح قضية أخري لا تقل أهمية، وهي العلاقة بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية داخل الحكومات، فمعظم القرارات الكبري لا يتخذها شخص واحد منفردًا، وإنما تكون نتاجًا لسلسلة من المناقشات والتوصيات والموافقات المؤسسية، ولذلك فإن اختزال أي ملف معقد في شخص واحد غالبًا ما يكون تبسيطًا مخلًا لا يساعد علي فهم الصورة الكاملة.

ومن هنا فإن أي مراجعة جادة للماضي يجب أن تتجاوز منطق البحث عن «المتهم الوحيد» أو «البطل الوحيد»، وأن تنظر إلي كيفية عمل المؤسسات وآليات صنع القرار وتوزيع الاختصاصات والمسئوليات، كما أن الجدل الحالي يفتح الباب أمام مناقشة مسألة شديدة الأهمية تتعلق بمعايير اختيار القيادات العامة منذ البداية،فالمحاسبة اللاحقة مهمة بلا شك، لكنها لا تغني عن حسن الاختيار من الأساس.

وربما يكون الجانب الأكثر إيجابية في هذا النقاش الدائر أنه يعكس تطورًا ملحوظًا في اهتمام الرأي العام بقضايا الإدارة والسياسات العامة، بعد أن كانت هذه الملفات حكرًا علي النخب المتخصصة، فالمواطن أصبح أكثر قدرة علي متابعة النقاشات الاقتصادية والمالية، وأكثر اهتمامًا بمعرفة كيف تُدار الموارد العامة وكيف تُتخذ القرارات المؤثرة في حياته اليومية، كما أن منصاتنا الإعلامية أثبتت أنها قادرة علي استضافة نقاشات عميقة ومعقدة وجذب اهتمام واسع حولها، وهو ما يعزز أهمية الاستثمار في الإعلام المهني الجاد بوصفه أحد أدوات بناء الوعي العام وحفظ الذاكرة الوطنية.

لذلك فإن هذا الجدل لا ينبغي أن يُختزل في كونه خلافًا بين مسئولين سابقين حول وقائع مضي عليها سنوات طويلة، بل ينبغي أن يظل يذكرنا بحقيقة أساسية مفادها أن التاريخ لا يتوقف عن طرح أسئلته، وأن المجتمعات التي تمتلك الشجاعة لمراجعة ماضيها هي الأقدر علي بناء مستقبلها، وأن المسئولية العامة لا تنتهي بمغادرة المنصب، كما أن الحكم علي التجارب لا يجب أن ينتظر عقودًا طويلة، فالدولة الحديثة تحتاج إلي مؤسسات تضمن الاختيار الرشيد، والرقابة المستمرة، والمحاسبة العادلة، والتوثيق الدقيق، حتي لا تتحول مراجعة التاريخ إلي مجرد محاولة متأخرة لتبرئة الذات أو إعادة صياغة الصورة الشخصية، بل تصبح فرصة حقيقية لاستخلاص الدروس وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا المعني، فإن القيمة الحقيقية لما جري خلال الأيام الماضية ليست فيما قيل فقط، بل في كونه أعاد التأكيد علي حق المجتمع في المعرفة، وحق التاريخ في المراجعة، وحق الأجيال القادمة في أن تجد أمامها سجلًا واضحًا وموثقًا للمسئولية، يحدد الإنجازات كما يحدد الأخطاء، ويمنح كل صاحب دور ما يستحقه من تقدير أو مساءلة وفقًا للحقائق لا للروايات المتنافسة.. لذلك يمكن القول أن «خناقة غالي والتلاوي» كانت بها الكثير من «المكاسب» والقليل من «الخسائر».

حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

كيف تحمي مصر ثرواتها في الجنوب؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان