لم تكن الحرب في السودان مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل امتدت آثارها لتسرق أجمل ما يملكه الوطن... طفولته فمنذ اندلاع القتال جراء تمرد مليشيا الدعم السريع، تحول آلاف الأطفال إلى ضحايا أبرياء، يدفعون ثمن حرب لم يختاروها، بعدما فقدوا الأمن والاستقرار، وحُرم كثير منهم من منازلهم ومدارسهم، بل ومن دفء أسرهم.

لم تعد الطفولة في السودان مرتبطة بالألعاب أو مقاعد الدراسة، بل أصبحت مرتبطة بالنزوح واللجوء والانتظار. أطفال ولدوا بعيدًا عن وطنهم، وآخرون كبروا بين أصوات الرصاص ومشاهد الدمار، بينما فقد كثيرون آباءهم أو أمهاتهم أو أشقاءهم، ليحملوا جراحًا نفسية سترافقهم لسنوات طويلة.
وفي مشهد يلخص حجم المأساة، ينام رضيع سوداني فوق حقيبة سفر في انتظار حافلة العودة الطوعية من القاهرة إلى السودان.
لم يرَ وطنه يومًا، لكنه سيعود إليه محمولًا بأحلام والديه في أن تنتهي الحرب ويبدأ حياة طبيعية، بعدما وُلد في الغربة التي فرضتها ظروف النزاع.
وخلال أكثر من ثلاثة أعوام، اضطرت ملايين الأسر السودانية إلى مغادرة منازلها بحثًا عن الأمان.
وكانت مصر من أبرز الدول التي استقبلت الفارين من الحرب، ووفرت لهم الملاذ الآمن، في موقف إنساني يحظى بتقدير السودانيين، الذين يؤكدون أن الغربة، مهما كانت آمنة، لا تعوض دفء الوطن.
ويقول أحد أولياء الأمور: "الحرب علمتنا معنى الوطن والبيت والأهل.. لم نكن ندرك قيمة الاستقرار إلا بعدما فقدناه." كلمات تختصر مأساة شعب بأكمله، لكنها تعبر أكثر عن واقع الأطفال الذين نشأوا بعيدًا عن أرضهم، دون أن يعرفوا معنى الحياة الطبيعية.
ومع انطلاق رحلات العودة الطوعية، يحمل الأطفال حقائبهم الصغيرة إلى وطن ينتظر التعافي، فيما تبقى أحلامهم أكبر من سنوات أعمارهم. بعضهم يعود إلى مدن تضررت بفعل الحرب، وآخرون يعودون إلى بيوت لم تعد قائمة، لكن الجميع يتمسكون بالأمل في أن تكون العودة بداية لاستعادة ما سلبته الحرب.
لقد دفعت الطفولة السودانية الثمن الأكبر لهذا الصراع؛ فحرمت من التعليم، ومن اللعب، ومن الشعور بالأمان، وأصبحت جزءًا من أكبر موجات النزوح التي شهدها السودان في تاريخه الحديث.
ويبقى السؤال الذي تطرحه وجوه الأطفال قبل كلماتهم: متى تستعيد الطفولة السودانية حقها في الحياة؟ ومتى ينعم أطفال السودان بوطن يحتضنهم بدلًا من أن تلاحقهم الحرب في كل محطة من محطات العمر؟