مع ذروة حرارة فصل الصيف خلال شهرى يونيو ويوليو من كل عام، تتجدد حالة الهياج الإعلامى لدى تنظيم الإخوان الإرهابى وحلفائه ضد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وثورة 23 يوليو 1952، ولا يُعد هذا التوقيت محض مصادفة، بل هو استدعاء منظّم لـ "غدة الغل الإخوانية – التى تنشط كلما مرت ذكريات الثورة الوطنية – لتفرغ الإرهابية سمومها فى وجه الرمز الناصرى، وبطبيعة الحال فى وجه الدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية القائمة.
وتتعدد مظاهر هذه الهجمة الدعائية الشرسة، وتأخذ أساليب، وأشكالاً مختلفة يمكن رصدها فى التالى:
أولا: تزييف الذاكرة الوطنية وتجميل العهد الملكى، وفى هذا الصدد تعتمد الحملة على رسم صورة وردية مضللة لمصر قبل عام 1952، وتصويرها كأنها قطعة من أوروبا، مع تعمد واضح لغض الطرف عن واقع الاستعمار والفقر والجهل والتفاوت الطبقى الحاد والتردى الذى كانت تعيش فيه البلاد خلال هذه الفترة، وفى المقابل تشويه كامل لفترة ما بعد عام 1952(الخمسينيات والستينيات) التى شهدت إنجازات ثورة يوليو من طرد الاستعمار وتحرير البلاد، إلى الإصلاح الزراعى، ومجانية التعليم، والعدالة الاجتماعية، وبناء الصناعة الوطنية، وباقى المكتسبات.
ثانيًا: تحشيد اللجان الإلكترونية واستغلال خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى، وقد لوحظ بوضوح توظيف منصات التواصل والذكاء الاصطناعى لإعادة تصدير محتوى موجه وتكثيف ظهوره؛ لاستهداف الأجيال الشابة التى لم تعايش تلك الحقبة، وذلك عبر مقاطع قصيرة مجتزأة ومعلومات مغلوطة تُضعف الوعى التاريخى والانتماء الوطنى.
ثالثًا: الإسقاط السياسى على الحاضر والمؤسسة العسكرية، وهذا هو مربط الفرس، والهدف الأساسى لمثل هذه الحملات التى يكمن خطرها فى التضليل المتعمد والإسقاط التاريخى عبر خطوتين، الأولى: ربطها (الحملات) المباشر بين ثورتى 23 يوليو 1952 و30 يونيو 2013؛ ثانيًا: استهداف الرئيس عبد الناصر كمدخل غير مباشر لاستهداف الرئيس السيسي، فبالنسبة لهم، القوات المسلحة هى الحصن الذى حطم أحلامهم فى التمكين الداخلى وشل حركة تنظيمهم مرتين فى التاريخ: الأولى فى 1952 والثانية فى 2013.
وأمام هذا الهجوم الممنهج، لا يمكن للدولة أن تكتفى بموقف الدفاع التقليدى أو التناسى، بل يجب عليها صياغة استراتيجية مضادة قائمة على محاور عملية، ومن هذه المحاور صناعة محتوى رقمى مواكب للعصر يتم فيه توظيف أدوات الإعلام القومى والهيئات الثقافية، والخروج من قالب التغطيات الإعلامية التقليدية، والانتقال إلى إنتاج وثائقيات عالية الجودة ومحتوى ذكى موجه لشبكات التواصل الاجتماعى، ينافس الخوارزميات ويخاطب الشباب بأسلوب عصرى يعتمد على الحقائق والوثائق البصرية الجذابة.
كذلك فتح الأرشيف وتأصيل الوعى التاريخى، وذلك بالاعتماد على المؤرخين والباحثين لإتاحة الوثائق التاريخية للعامة، وكذا تجديد المناهج الدراسية لتقديم قراءة موضوعية وعميقة لرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة؛ تبرز الإنجازات والتحديات بشفافية، دون ترك فراغ تاريخي يتسلل منه صناع الزيف والتضليل.
وما سبق هو، بالتأكيد، جزء فى خطة أشمل تعمل على تحصين الجبهة الداخلية بالوعى المؤسسى من خلال التأكيد الإعلامى والسياسى المستمر على الارتباط المبدئى بين نضال الأمس ومعارك اليوم، وتوضيح أن المعركة مع الجماعات المتطرفة ليست خصومة سياسية عابرة، بل هى معركة حماية لكيان الدولة الوطنية وهويتها ومؤسساتها السيادية.
إن استهداف عبد الناصر وحقبة يوليو ليس مجرد معركة حول الماضى، بل هو صراع محتدم على الحاضر وصياغة المستقبل، والرد الفعال يتطلب مجابهة الفكرة بالفكرة، والأكذوبة بالوثيقة، والتزييف بالوعي المستنير.