مر شهر على تولي نبيل فهمي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وهي فترة تسمح برصد اتجاه الحركة وملامح المشروع الذي بدأ في رسمه داخل الجامعة، وتقدم مؤشرات أولية على أسلوب تعامله مع ملفات العمل العربي المشترك، في مرحلة لا تزال مبكرة لإصدار أحكام نهائية على التجربة، لكنها كافية لقراءة المنهج الذي اختاره في إدارة المرحلة الجديدة.
تولى نبيل فهمي المسؤولية في توقيت بالغ الصعوبة، شهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما فرضته من تداعيات على الأمن القومي العربي، واستمرار التوتر في الخليج والبحر الأحمر، والحرب في السودان، وتعقد الأوضاع في ليبيا والصومال، وتواصل العدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان وسوريا، إلى جانب اتساع التدخلات الإقليمية والدولية، وهو مشهد وضع الجامعة العربية أمام تحديات متزامنة، وزاد الحاجة إلى تنسيق المواقف العربية، وتفعيل أدوات العمل العربي المشترك بصورة أكثر سرعة وفاعلية.
فرضت طبيعة هذه المرحلة على الأمين العام الجديد أن يبدأ من داخل المؤسسة، انطلاقا من قناعة بأن أي تحرك سياسي لن يحقق أهدافه من دون جهاز إداري قادر على المتابعة، وآليات عمل أكثر كفاءة، وتنسيق أكثر فعالية بين قطاعات الأمانة العامة والدول الأعضاء، فعقد سلسلة من الاجتماعات مع الأمناء المساعدين وكبار المسؤولين، لمراجعة أولويات المرحلة الجديدة، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين الإدارات المختلفة، في إطار رؤية تستهدف تطوير المؤسسة باعتبارها نقطة الانطلاق لأي تحرك عربي أكثر تأثيرا.
قاد هذا التوجه بصورة طبيعية إلى الاجتماع مع المندوبين الدائمين للدول العربية، فهم يمثلون حلقة الاتصال اليومية بين الأمانة العامة والعواصم العربية، ومن خلالهم تتحرك المبادرات والقرارات ومشروعات العمل المشترك، كما يشكلون نقطة الارتكاز في بناء التوافقات بين الدول الأعضاء، لذلك حرص فهمي على عرض رؤيته أمامهم، ومناقشة أولويات المرحلة الجديدة، والاستماع إلى ملاحظاتهم، إدراكا منه أن نجاح أي مشروع لتطوير الجامعة يبدأ من بناء توافق سياسي حول أهدافه وآليات تنفيذه.
وفي هذا الإطار، عرض الأمين العام رؤيته لتحديث آليات العمل العربي المشترك، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين قطاعات الأمانة العامة والدول الأعضاء، وتسريع متابعة تنفيذ القرارات، وتوسيع حضور الجامعة في مختلف القضايا العربية، وهي رؤية لم تتوقف عند تطوير الأداء الإداري، بل امتدت إلى إعادة النظر في طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجامعة خلال المرحلة المقبلة.
ومن هذا التصور جاءت أفكار نبيل فهمي بشأن الإنذار المبكر، وإدارة الأزمات، والاستفادة من الخبرات العربية، باعتبارها أحد أبرز ملامح مشروعه لتطوير الجامعة العربية، من خلال تعزيز قدرتها على استشراف الأزمات، والتحرك في مراحلها الأولى، وبلورة مبادرات تسهم في احتوائها قبل أن تتحول إلى صراعات أكثر تعقيدا، بما ينقل الجامعة من موقع متابعة الأحداث إلى دور أكثر حضورا في التعامل معها.
واتسعت ملامح هذا المشروع لتشمل المنظمات العربية المتخصصة، التي حظيت باهتمام واضح ضمن سلسلة لقاءاته، انطلاقا من رؤية تعتبر أن الأمن القومي العربي لم يعد يقتصر على الملفات السياسية والأمنية، بل يرتبط أيضا بالاقتصاد والتنمية والطاقة والأمن الغذائي والتعليم والصحة، وهي مجالات أصبحت جزءا من معادلة الاستقرار، وعناصر رئيسية في بناء منظومة عمل عربي مشترك أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق مصالح المواطن العربي.
ويمنح هذا التصور المنظمات العربية المتخصصة دورا أوسع داخل منظومة الجامعة، ويرفع مساهمتها في دعم جهود التنمية، ويوسع حضورها في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز ارتباط الجامعة بالقضايا التي تمس حياة المواطنين، ويضيف إلى دورها السياسي بعدا تنمويا أكثر حضورا.
وتعتمد فرص نجاح هذه الرؤية على حجم الدعم السياسي الذي تحظى به، وعلى المساحة التي تمنحها الدول العربية للأمين العام للتحرك وطرح المبادرات، لأن الجامعة العربية تقوم في الأساس على التوافق بين الدول الأعضاء، ويظل هذا التوافق العامل الحاسم في تحويل الأفكار إلى سياسات، والمبادرات إلى خطوات عملية
وفي مقدمة الملفات التي عكست هذه الرؤية جاءت القضية الفلسطينية، فحرص نبيل فهمي منذ الأيام الأولى على تأكيد مكانتها باعتبارها القضية المركزية للعمل العربي المشترك، وسعى إلى لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، قبل أن يعقد اللقاء في العاصمة الأردنية عمان بعد رفض إسرائيل دخوله الأراضي الفلسطينية، وهي واقعة كشفت مبكرا حجم التعقيدات التي تحيط بأي تحرك عربي في هذا الملف.
وواصل الأمين العام اتصالاته مع عدد من وزراء الخارجية العرب، مؤكدا دعم الحقوق الفلسطينية، ورفض الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف تقويض حل الدولتين، والدعوة إلى استمرار التنسيق العربي في التعامل مع تطورات القضية، بما يعكس حرصه على الحفاظ على حد أدنى من الموقف العربي المشترك في أكثر الملفات حساسية.
ولم يقتصر هذا التحرك على القضية الفلسطينية، إذ امتد إلى عدد من الملفات العربية، فتابع تطورات الأوضاع في السودان، وأكد دعم وحدة الدولة ومؤسساتها، وأدان الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وأعلن تضامن الجامعة مع السعودية والأردن والبحرين في مواجهة الاعتداءات التي استهدفت أمنها، كما أدان استهداف السفينتين في ميناء دمياط، وحذر من اتساع دائرة الصراع، في مواقف تعكس تمسكا بثوابت تقوم على دعم استقرار الدول العربية، والحفاظ على أمنها وسيادتها، ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات للصراعات الإقليمية.
واستلزمت متابعة هذا العدد من الملفات توسيع دائرة التشاور، فحرص نبيل فهمي على بناء شبكة اتصال مباشرة مع وزراء الخارجية والسفراء والمندوبين الدائمين، بهدف تقريب وجهات النظر، وتبادل التقييمات، وتهيئة أرضية مشتركة تساعد على بناء توافقات عربية قبل انتقالها إلى الاجتماعات الرسمية.
وتنسجم هذه الآلية مع خبرته الدبلوماسية الطويلة التي اكتسبها خلال عمله وزيرا للخارجية وسفيرا في الولايات المتحدة واليابان، حيث اعتمد طوال مسيرته على الحوار المباشر، والاتصالات المستمرة، وبناء التوافقات قبل طرح المبادرات، وهو الأسلوب نفسه الذي انعكس على إدارة الأمانة العامة خلال أسابيعه الأولى.
وتقدم حصيلة الشهر الأول صورة أولية للمسار الذي اختاره نبيل فهمي منذ توليه المسؤولية، فقد أعاد تنشيط حركة الأمانة العامة، ووسع قنوات الاتصال مع الدول العربية، وطرح رؤية تربط بين العمل السياسي والاقتصادي والتنموي، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة أولويات التحرك، وهي خطوات تعكس بداية مشروع يستهدف تطوير أداء الجامعة العربية وتعزيز حضورها في التعامل مع القضايا العربية.
وتؤسس هذه التحركات لمرحلة جديدة يحدد خلالها الأمين العام أولوياته، ويستكمل بناء أدوات الحركة، ويوسع شبكة العلاقات التي يحتاج إليها داخل المنظومة العربية، في وقت تحتاج فيه المبادرات الكبرى إلى توافق سياسي، وإلى وقت كاف حتى تتحول إلى برامج عمل ونتائج ملموسة.
وتفرض هذه المرحلة مجموعة من الاستحقاقات، في مقدمتها تحويل الأفكار التي طرحها بشأن تطوير آليات العمل، والإنذار المبكر، وإدارة الأزمات، إلى برامج تنفيذية، مع مواصلة التحرك في الملفات العربية التي تشهد تطورات متسارعة، بما يمنح مشروع التطوير بعدا عمليا يتجاوز حدود الطرح النظري.
وتكتسب القمة العربية المقبلة المقرر عقدها بالمملكة العربية السعودية أهمية خاصة، لأنها تمثل أول فرصة لعرض رؤية الأمين العام بصورة متكاملة أمام القادة العرب، والحصول على دعم سياسي أوسع لمشروعه، وفتح المجال أمام إطلاق مبادرات جديدة في عدد من القضايا العربية.
ويرتبط نجاح هذه الرؤية أيضا بقدرة الجامعة على توفير الموارد اللازمة لتنفيذ برامجها، في ظل اعتمادها على مساهمات الدول الأعضاء، كما يرتبط بحجم الثقة التي تمنحها الحكومات العربية للأمين العام، لأن هذه الثقة توسع مساحة الحركة، وتعزز فرص الوساطة، وتمنح الأمانة العامة قدرة أكبر على تقريب وجهات النظر وطرح المبادرات.
وتبقى طبيعة المشهد الإقليمي بما يحمله من أزمات متداخلة، وتعدد في أولويات الدول العربية، وتسارع في التطورات السياسية والأمنية، من أبرز التحديات التي ستواجه مشروع التطوير، وهي تحديات تجعل الحفاظ على التوافق العربي، وتطوير آليات العمل المشترك، هدفين متلازمين خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف قراءة المشهد خلال الشهر الأول أن نبيل فهمي اختار تأسيس مشروعه من داخل المؤسسة، ثم وسع دوائر التشاور، وربط بين السياسة والتنمية، وتحرك في الملفات العربية الأكثر إلحاحا، واضعا تصورا لدور أكثر نشاطا للجامعة العربية في إدارة القضايا الإقليمية.
ويبقى الحكم على هذه التجربة مرهونا بما ستشهده الأشهر المقبلة من قدرة على تحويل الرؤية إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج، وتعزيز حضور الجامعة العربية باعتبارها الإطار الجامع للعمل العربي المشترك، والقادر على مواكبة التحولات التي تشهدها المنطقة، بدعم سياسي ومالي من الدول الأعضاء، وإرادة عربية تمنح هذا المشروع فرصته الكاملة للنجاح.