يواجه قضاة اتحاديون في الولايات المتحدة موجة متصاعدة من التهديدات وحملات الترهيب، في ظل احتدام المواجهة بين السلطة القضائية وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية أحكام قضائية أبطلت أو علّقت عددًا من قرارات الإدارة، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن استقلال القضاء وسيادة القانون.
ويُعد قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية في ولاية رود آيلاند، جون ماكونيل، أحد أبرز الأمثلة على هذا الواقع، بعدما تعرّض لسلسلة من التهديدات عقب إصداره أحكامًا اعتبرت بعض إجراءات الإدارة مخالفة للقانون، وفقُا لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
تهديدات مباشرة
بدأت الضغوط على "ماكونيل" مطلع العام الماضي، عقب نظره في دعوى طعن في قرار الإدارة الأمريكية بتجميد تريليونات الدولارات من التمويل الفيدرالي، وإصداره أمرًا قضائيًا مؤقتًا بوقف تنفيذ القرار، ثم شدد لاحقًا على ضرورة امتثال الحكومة للحكم، محذرًا من احتمال تعرضها للمساءلة القانونية في حال عدم الالتزام.
وبعد ذلك، تلقى القاضي مئات الاتصالات والرسائل التي تضمنت تهديدات بالقتل، فيما أكدت دائرة المارشالات الأمريكية رصد عدد من التهديدات التي وُصفت بأنها "ذات مصداقية"، بينها تهديدات استهدفت زوجته، وأخرى نُشرت عبر مواقع على الإنترنت تضمنت محاولات للوصول إلى عنوان منزله.
كما تعرضت ابنته لحملة تشهير إلكترونية بعد نشر معلومات وصورة لها على منصات التواصل الاجتماعي من قبل ناشطين مؤيدين لترامب، الأمر الذي وصفه ماكونيل بأنه كان من أكثر المواقف إيلامًا بالنسبة إليه.
مأساة قديمة
من بين أكثر الوقائع التي أثارت قلق القاضي، تلقيه طلب توصيل وجبة بيتزا إلى منزله باسم دانيال أندرل، نجل القاضية الفيدرالية إستر سالاس، الذي قُتل عام 2020 في هجوم استهدف والدته.
وسارع ماكونيل إلى إبلاغ سالاس بالأمر، معتبرًا أن استخدام اسم نجلها الراحل في رسالة تهديد يمثل مستوى غير مسبوق من الترهيب النفسي. ولم تكن تلك الحادثة معزولة، إذ تكررت عمليات توصيل مشابهة إلى قضاة اتحاديين في ولايات أمريكية عدة.
تصاعد العداء
يقول قضاة اتحاديون إن حدة الخطاب السياسي تجاه السلطة القضائية بلغت مستويات غير مسبوقة، مع توجيه مسؤولين في إدارة ترامب وأنصاره انتقادات شخصية للقضاة، ووصف بعضهم بـ "الناشطين السياسيين" أو "المتطرفين"، إلى جانب التشكيك في شرعية أحكامهم.
وترى القاضية إستر سالاس أن "التوتر بين السلطتين التنفيذية والقضائية ليس جديدًا، إلا أن اللغة المستخدمة خلال الفترة الحالية تجاوزت حدود الانتقاد المعتاد"، محذرة من أن شيطنة القضاة قد تشجع على استهدافهم وتهدد استقلال القضاء.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أن انتقاد الأحكام القضائية يندرج ضمن حرية التعبير، وتنفي أن يكون ترامب أو مسؤولوه يشجعون على تهديد القضاة أو ممارسة العنف ضدهم، مشددة على اهتمامها بأمن أفراد السلطة القضائية.
استهداف القضاء
وتشير بيانات دائرة المارشالات الأمريكية إلى تسجيل 564 تهديدًا ضد قضاة اتحاديين خلال السنة المالية 2025، مقارنة بـ509 تهديدات في العام السابق، بينما أبلغت السلطة القضائية الكونجرس بأن الحوادث الأمنية "ذات الأهمية الكبيرة" ارتفعت بنسبة 57%، مع توقع استمرار تصاعدها.
ورغم تراجع وتيرة التهديدات التي يتعرض لها ماكونيل مقارنة بالعام الماضي، فإنها لم تتوقف بالكامل، خاصة بعد أحكام جديدة أصدرها ضد سياسات الإدارة في ملفات الهجرة.