نظم مركز أتون للدراسات ندوة بعنوان «الحق في الأمل في القانون الدولي: بين النظرية والتطبيق»، بحضور السفير شريف شاهين مساعد وزير الخارجية الأسبق، وليلي موسي ممثل مجلس سوريا الديمقراطية، د. احمد شيخو المحلل السياسي ود. حسنى احمد مصطفي الباحث ، فيما أدار الندوة الكاتب الصحفي سيد أبو اليزيد.

وتناولت الندوة التطورات المرتبطة بالمسار التركي تجاه القضية الكردية، وانعكاساتها القانونية والسياسية على تركيا ودول المنطقة، في ضوء التحول من التفاوض السياسي إلى مسار تشريعي يتعلق بحل التنظيم المسلح وتسليم السلاح للدولة.
وأوضح السفير شريف شاهين أن موافقة البرلمان التركي على مشروع قانون يتضمن إطارًا قانونيًا للتعامل مع ملف حزب العمال الكردستاني، عقب حل التنظيم وتسليم السلاح، تمثل تطورًا مهمًا في مسار القضية، مشيرًا إلى أن الإجراءات المقترحة تشمل وقف بعض الملاحقات وإطلاق سراح أشخاص مشمولين بالقانون، مع التأكيد على ضرورة التحقق رسميًا من حل التنظيم وتسليم سلاحه قبل تفعيل الإجراءات.
وأشار إلى أن الانتقال من التفاوض السياسي إلى التشريع والتنفيذ يمثل تحولًا مهمًا في إدارة القضية الكردية داخل تركيا، موضحًا أن تطبيق القانون فعليًا يمكن أن ينقل التعامل مع الملف من المقاربة الأمنية والعسكرية إلى مقاربة سياسية وقانونية، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحقوق السياسية والاجتماعية للأكراد ومشاركتهم في الحياة العامة.
وأكد أن القانون، في صورته الحالية، لا يعني منح الأكراد حكمًا ذاتيًا أو اعترافًا سياسيًا خاصًا، وإنما يمثل خطوة ضمن مسار أوسع، لافتًا إلى أن نجاح العملية سيظل مرتبطًا بمدى الالتزام الفعلي بحل التنظيم المسلح وتسليم السلاح.
وتطرق شاهين إلى تداعيات المسار التركي على دول المنطقة، موضحًا أن ردود الفعل الإقليمية ليست موحدة، إذ تنظر كل دولة إلى التطورات من زاوية مصالحها وحساباتها الخاصة.
وأشار إلى أن سوريا تتابع المسار التركي بحذر، باعتبار أن أي تسوية تركية كردية يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على وضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وعلى علاقاتها بحزب العمال الكردستاني، فضلًا عن تأثيرها على الموقف التركي من الملف الكردي داخل سوريا.
وأضاف أن نجاح التسوية التركية قد يدفع باتجاه إعادة تشكيل وضع قسد، وتحويلها من قوة عسكرية إلى جزء من مؤسسات الدولة السورية، في ظل التفاهمات القائمة بين دمشق والمكون الكردي بشأن دمج القوات والإدارة في مؤسسات الدولة.
وبشأن العراق، أوضح أن الموقف يبدو أكثر ترحيبًا من حيث المبدأ، إذ يمكن لنجاح المسار التركي أن يسهم في الحد من النشاط المسلح لحزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، وتقليل الضغوط التركية على إقليم كردستان، إلا أن أربيل ستظل حذرة من تداعيات التسوية على توازنات القوى الكردية الداخلية.
ولفت إلى أن الحكومة المركزية في بغداد لديها مصلحة في إنهاء الوجود المسلح للحزب داخل الأراضي العراقية، بما يخفف أحد مصادر التوتر مع أنقرة، لكنها تراقب التطورات بحذر خشية أن تتحول التفاهمات التركية إلى ترتيبات تؤثر على موازين القوى الكردية داخل العراق.
أما إيران، فأشار إلى أنها لا ترغب في انهيار الدولة التركية أو اندلاع حرب كردية جديدة، لكنها في الوقت نفسه تشعر بالقلق من إمكانية أن يؤدي نجاح نموذج سياسي كردي في تركيا إلى منح الحركات الكردية داخل إيران مساحة سياسية أكبر، مرجحًا أن يكون الموقف الإيراني حذرًا ومراقبًا أكثر منه مؤيدًا أو معارضًا بصورة صريحة.
ورأى شاهين أن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة يتمثل في مدى اعتبار أنقرة وضع قسد جزءًا من التسوية الجديدة، محذرًا من احتمال ظهور توتر تركي سوري كردي جديد رغم نجاح المسار داخل تركيا.
وأوضح أن وضع قسد تغير بصورة كبيرة داخل سوريا، خاصة في أعقاب التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، مشيرًا إلى أن تركيا قد تضغط باتجاه تحول قسد من قوة عسكرية مستقلة إلى جزء من مؤسسات الدولة السورية.
وأضاف أن نجاح المسار السياسي يمكن أن يقلل من احتمالات شن عملية عسكرية تركية جديدة ضد قسد في سوريا، خصوصًا مع تزايد دور الحكومة السورية في المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد سابقًا.
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، أوضح شاهين أن الولايات المتحدة كانت قد دعمت قسد خلال مراحل سابقة، وأن نجاح المسار القانوني والسياسي الجديد قد يمنح قائد قسد مظلوم عبدي مساحة أكبر للتفاوض مع دمشق وأنقرة.
وأشار إلى أن تراجع الدعم الأمريكي لقسد، في المقابل، قد يضعف موقفها التفاوضي ويدفعها إلى تقديم مزيد من التنازلات أمام الحكومة السورية.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فأوضح أن تل أبيب تنظر إلى المكون الكردي في سوريا باعتباره أحد عناصر موازنة النفوذين الإيراني والتركي في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع تركيا بسبب الملف الكردي.
وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى الحفاظ على قدر من القوة والاستقلالية للمكون الكردي داخل سوريا، في وقت لا تريد فيه تحول سوريا إلى دولة مركزية قوية، كما لا ترغب في الوقت ذاته في زيادة النفوذ التركي داخل الأراضي السورية.
وتناول شاهين الدور المحتمل لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في المرحلة المقبلة، معتبرًا أن موقعه قد يكون أكثر أهمية مما يبدو، خاصة في ظل طرحه لنفسه باعتباره قائدًا سياسيًا وليس عسكريًا.
وأوضح أن أوجلان يؤيد إنهاء العمل المسلح، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى أن تكون العملية جزءًا من تسوية سياسية وقانونية تضمن حقوق المكون الكردي، وليس مجرد عملية لإلقاء السلاح.
وأشار إلى أن مشروع القانون التركي لا يتضمن، وفق المعطيات المطروحة، إشارة واضحة إلى إمكانية الإفراج عن أوجلان، كما أن المحكومين بجرائم قتل أو بعقوبات مؤبدة سابقة لا يشملهم مشروع القانون، إلا أن هناك إمكانية لتحسين ظروف التواصل والزيارة.
ورأى أن أوجلان يمكن أن يتحول، حتى مع بقائه في السجن، إلى لاعب سياسي غير مباشر في حال أتاحت له السلطات التركية التواصل مع قيادات كردية، بما قد يجعله عنصرًا مؤثرًا في عملية التسوية بين أنقرة والفصائل الكردية في المنطقة.
واختتم شاهين رؤيته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستتركز على تثبيت حل حزب العمال الكردستاني وتسليم السلاح، وإتاحة المجال أمام أوجلان للمشاركة بصورة غير مباشرة في العملية السياسية، إلى جانب تحسين شروط التواصل معه، معتبرًا أن نجاح هذه الخطوات سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل المسار التركي وانعكاساته الإقليمية.
وتحدث خلال الندوة الدكتور حسني أحمد مصطفى - الباحث في تنظيم المجتمع عضو شبكة خبراء البيئة وتغير المناخ بالمنطقة العربية ، مستعرضًا تطور مفهوم «حق الأمل» في القانون الدولي والأوروبي، ودور الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في تكريس هذا المفهوم.
وأوضح أن **«حق الأمل» لم يرد نصًا بصورة مباشرة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لكنه تبلور من خلال تفسير أحكامها، خاصة المادة الثالثة التي تحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، وما ارتبط بها من اجتهادات قضائية بشأن العقوبات المؤبدة.
وقال إن فلسفة القانون الحديث لا ينبغي أن تقتصر على الردع والعقاب، وإنما يجب أن تتضمن بعدًا إصلاحيًا وإنسانيًا، معتبرًا أن الحكم بالمؤبد يثير تساؤلًا جوهريًا حول جدوى إعادة تأهيل السجين إذا كان مستقبله مغلقًا بصورة كاملة.
وأضاف أن قيمة الإصلاح وإعادة التأهيل ترتبط بوجود إمكانية لمراجعة الوضع القانوني للسجين، موضحًا أن مفهوم حق الأمل يختلف عن مجرد الإفراج، لأنه يفتح المجال أمام إعادة تقييم وضع المحكوم عليه في ضوء سلوكه وبرامج إصلاحه والمدة التي قضاها داخل المؤسسة العقابية.
وأشار إلى أن التطور في فلسفة العقوبة انتقل بالمؤسسات العقابية من مفهوم الانتقام والردع إلى التركيز بصورة أكبر على كرامة الإنسان وإعادة تأهيله وإتاحة إمكانية النظر في مستقبله.
وتناول الباحث حالة عبد الله أوجلان، معتبرًا أنها تختلف عن الحالات الجنائية التي تناولتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وأن النقاش بشأنها يتجاوز الاحتياج الفردي للسجين إلى أبعاد سياسية واجتماعية أوسع تتعلق بالمكون الكردي داخل تركيا.
وقال إن تطبيق مفهوم «حق الأمل» على حالة أوجلان يجب ألا ينظر إليه باعتباره مسألة مرتبطة بمراجعة شخصية السجين أو خضوعه لبرامج تأهيل نفسي أو فكري فحسب، وإنما في ضوء التحولات التي شهدها المجتمع التركي والقضية الكردية، وما تفرضه التطورات السياسية والإقليمية والدولية.
وأضاف أن الحكومة التركية نفسها أصبحت أمام حاجة إلى مراجعة طريقة تعاملها مع الصراع الممتد بين المكونين التركي والكردي، مشيرًا إلى أن استمرار الصراع ترتبت عليه تكاليف سياسية وإقليمية كبيرة.
ورأى أن هناك احتياجًا متبادلًا بين الحكومة التركية والمكون الكردي للوصول إلى تسوية سياسية، وأن هذه المعادلة تضع قضية أوجلان في سياق أوسع من مجرد وضعه كسجين.
وأكد أن العقوبة تنظر إلى ما فعله الإنسان في الماضي، بينما ينظر «حق الأمل» إلى ما يمكن أن يصبح عليه الإنسان في المستقبل، معتبرًا أن هذه الرؤية يمكن إسقاطها على القضية الكردية برمتها.
وأشار إلى أن أوجلان، من هذا المنظور، لا يمثل حالة فردية فقط، وإنما ترتبط قضيته بمطالب أوسع للمكون الكردي تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية والتمثيل الانتخابي والمشاركة في الحياة العامة.
وقال إن استمرار وضع أوجلان في السجن يمكن النظر إليه في إطار أوسع يتعلق بوضع المكون الكردي، معتبرًا أن الوصول إلى تسوية سياسية يتطلب معالجة هذه القضايا بصورة شاملة.
واختتم بالتأكيد على أن التحولات الحديثة في فلسفة العقوبة والقانون الدولي لحقوق الإنسان أعادت النظر في مفهوم العقوبات المؤبدة، وأصبح الأمل في إمكانية مراجعة وضع المحكوم عليه جزءًا من النقاش الحقوقي والقانوني الحديث، بما يضع الاعتبارات الإنسانية والإصلاحية إلى جانب اعتبارات العقاب والردع.