هل تحولت حرب الوكالة الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط وتجري فى الظل إلى حرب عالمية معلنة بين الشرق والغرب؟!.. وكيف أصبح «شبح» بكين و موسكو فى إيران فخًا لاصطياد ترامب؟!
الحرب المشتعلة فى الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، بل تحوّلت سريعاً إلى الصدام الأكثر خطورة فى رسم ملامح النظام الدولي الجديد، بخروج روسيا والصين تدريجياً من الظل إلى العلن لتضعا واشنطن أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة.
هذا التحول يكشفه مقال منشور بموقع «الرأسمالية العارية» (NAKED CAPITALISM)، تجاوز الكشف عن التفاصيل التقنية لسباق التسليح ليقدم تشخيصاً دقيقاً لتداعيات الحرب؛ مؤكدا أن دعم المعسكر الشرقي لطهران فاق التغطية الدبلوماسية والشراكة الاقتصادية التقليدية ووصل إلى الاندماج التكنولوجي والعسكري، وبينما تمد موسكو طهران ببيانات الأقمار الصناعية وتدمج نظام «غلوناس» فى المسيرات الإيرانية، تكتمل اللوحة بالمنظومات الملاحية الصينية «بيدو 3»، وهذا التزاوج التقني أحدث خرقاً تكتيكياً أربك منظومات التشويش الغربية، ومنح الصواريخ والمسيرات الإيرانية دقة غير مسبوقة فى استهداف القواعد الأمريكية، يضاف إلي ما سبق تزويد طهران بالمئات من منظومات الدفاع الجوي المحمولة على الكتف لتجريد واشنطن من التفوق الجوي على الارتفاعات المنخفضة.
والخطورة هنا لا تكمن فى فاعلية هذه الأسلحة فحسب، بل فى السياق الجيوسياسي الأوسع؛ وقد ظن ترامب أن تحييد النفوذ الروسي فى سوريا وإعادة توجيه استثمارات العراق النفطية وسحب البساط من الشركات الصينية سيفتح الباب لتوسيع «اتفاقات إبراهام» وفرض الهيمنة المطلقة، فإن الضربات الأمريكية المباشرة ضد إيران فتحت «صندوق باندورا الشرير» الحقيقي؛ إذ بات شريان الطاقة فى مضيقي هرمز وباب المندب مهدداً بشكل غير مسبوق، وهو ما يعنى التهديد بحرمان الأسواق من 30% من النفط و10% من الغاز المسال، وما يترتب عليه من إرباك الاقتصاد العالمي وهز ثقة حلفاء واشنطن فى مظلة حمايتها.
وفى هذا المشهد تتجلى عقيدة القائد الصيني «سون تزو»: (أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال)؛ حيث تراقب بكين كيف تستنزف واشنطن مخزونها الثمين من الصواريخ والعتاد الحرج فى حرب مكلفة، بينما تثبت هي أقدامها على طول ممرات الملاحة عبر اتفاقية الـ 25 عاماً مع طهران، وهذا الاستنزاف لن يجبر واشنطن فقط على قبول الوساطة الصينية بشروط مرنة حول تايوان، بل يمنح موسكو ورقة مساومة لفرض تسوية وازنة فى أوكرانيا.
ويختتم مقال "الرأسمارية العارية" بالتأكيد على أن واشنطن، وهي تحاول فرض هيمنتها بالقوة الغاشمة والشراكات الميدانية المعقدة من العراق إلى بحر قزوين، إنما تخوض سباقاً محفوفاً بالمخاطر ضد الإنهاك، ليثبت الميدان أن معركة إيران لم تعد نيراناً فى جغرافية محددة، بل أضحت الفخ الاستراتيجي الذي ينسجه الشرق بهدوء ليبرهن على نهاية زمن القطب الواحد.