لماذا لا نروي روايتنا ؟.. (4) حسابك .. «حصانك» وحصنك

لماذا لا نروي روايتنا ؟.. (4) حسابك .. «حصانك» وحصنكسعيد صلاح

الرأى9-8-2026 | 15:48

لم تعد معارك الدول فى القرن الحادي والعشرين تدور فقط على الحدود أو فى غرف التفاوض أو داخل المؤسسات الدولية، وإنما انتقلت -بصورة متزايدة- إلى شاشات الهواتف المحمولة، حيث تصنع الانطباعات، وتبنى الصور الذهنية، وتدار حملات التأثير، ويعاد تشكيل وعي الشعوب لحظة بلحظة.

فى هذا العالم الجديد، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للمعلومات، بل أصبح منتجا لها، وناشرا لها، ومشاركا فى صياغة الرواية العامة عن وطنه، شاء أم أبى، وكل تغريدة، وكل منشور، وكل مقطع فيديو، وكل تعليق، يمكن أن يتحول إلى لبنة فى بناء صورة الدولة، أو إلى ثغرة ينفذ منها من يريد هدمها.

ولهذا، فإن الدعوة التي أطلقتها وزارة الدولة للإعلام لبناء فضاء رقمي أكثر أمنا ومسؤولية، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نداء أخلاقي أو حملة توعوية عابرة، وإنما باعتبارها جزءا من معركة الوعي التي تخوضها الدولة فى مرحلة شديدة الحساسية، تتشابك فيها أدوات الإعلام التقليدي مع منصات التواصل الاجتماعي، وتتداخل فيها حرية التعبير مع المسؤولية، وحق النقد مع واجب احترام القانون وكرامة الإنسان.

لقد تناولت فى الحلقات السابقة من سلسلة « لماذا لا نروي روايتنا ؟ » أهمية أن يروي المصريون أخبارهم وتاريخهم بأنفسهم، وأن يقدموا للعالم روايتهم الوطنية، بدلًا من ترك الآخرين يكتبونها وفق مصالحهم وأجنداتهم ورؤيتهم الخاصة، واليوم تفرض علينا التطورات الرقمية سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا كنا نؤمن بحقنا فى رواية روايتنا، فكيف نرويها بصورة مسؤولة تحمي الوطن، وتحترم المجتمع، وتعكس حقيقة المصريين ؟

إن امتلاك الرواية لا يعني امتلاك الحق فى نشر أي شيء، ولا يعني أن تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للفوضى أو ساحات لتصفية الحسابات الشخصية أو التشهير أو نشر الشائعات، ف الرواية الوطنية لا تُبنى بالكذب، ولا تقوم على الإثارة، ولا تعتمد على اجتزاء الوقائع، وإنما تُبنى بالمعلومة الدقيقة، والتحليل الرصين، والاحترام الكامل للعقول، ومن هنا تكتسب المسؤولية الرقمية معناها الحقيقي.

لقد أصبحت مصر تمتلك حضورًا رقميًا واسعًا ومؤثرًا، يضم عشرات الملايين من المستخدمين النشطين على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا الحضور لم يعد مجرد أرقام، بل أصبح أحد عناصر القوة الناعمة المصرية، فمن خلاله وصلت الثقافة المصرية إلى جمهور جديد، وانتشرت الفنون والرياضة والإبداع المصري فى أنحاء العالم، وأصبحت الإنجازات الوطنية تجد طريقها إلى ملايين المتابعين فى الداخل والخارج دون وسيط.

ولعل المتابع لما يقدمه الشباب المصري على مختلف المنصات يكتشف حجم الطاقات الهائلة التي يمتلكها هذا المجتمع، فهناك محتوى علمي يشرح أعقد الموضوعات بلغة بسيطة، ومحتوى ثقافى يعيد تقديم التراث المصري بصورة عصرية، ومبادرات شبابية للتطوع والتنمية، وقصص نجاح لعلماء ومهندسين وأطباء ورواد أعمال، وإبداعات فى السينما والموسيقى والأدب والرياضة و التكنولوجيا .

كل هذه النماذج تؤكد أن الفضاء الرقمي ليس ساحة للأزمات فقط، بل يمكن أن يكون منصة وطنية هائلة لصناعة الأمل، وتعزيز الانتماء، وإبراز الوجه الحقيقي لمصر، لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط هذا الوجه المشرق بضجيج المحتوى السلبي، الذي يعتمد على الإثارة، والتشهير، والتنمر، وإطلاق الاتهامات، واستباحة الحياة الخاصة، وتحويل الأخطاء الفردية إلى أحكام عامة على المجتمع كله.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس فقط الأخبار الكاذبة، وإنما سرعة انتشارها، وقدرتها على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق قليلة، قبل أن تظهر الحقيقة، ولهذا لم يعد السؤال: هل المعلومة صحيحة أم لا؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل تأكدت منها قبل أن تضغط زر «المشاركة»؟

إن ضغطة واحدة قد تُلحق ضررًا بإنسان بريء، أو تهدد أسرة، أو تشوه مؤسسة، أو تثير البلبلة، أو تمنح خصوم الدولة مادة مجانية لبناء روايات مضادة، تُستخدم لاحقًا ضد مصر فى الإعلام الدولي أو على المنصات الخارجية.

ولذلك فإن «المسئولية الرقمية» تبدأ من الفرد، قبل أن تبدأ من المؤسسات، وتتم عن طريق أن تتحقق من المصدر، أن تعرف سياق الخبر، أن تفرق بين الرأي والمعلومة،أن ترفض إعادة نشر محتوى مهين حتى لو كنت تنتقده، أن تحترم خصوصية الآخرين، وأن تدرك أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وهذه ليست قيودًا على التعبير، وإنما هي قواعد أساسية لأي مجتمع يريد أن يحافظ على تماسكه.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن هناك من يعمل بصورة منظمة على استغلال منصات التواصل الاجتماعي لاستهداف «الدولة الوطنية»، ليس فى مصر وحدها، وإنما فى دول كثيرة، وتتنوع الأدوات بين صناعة الشائعات، وتضخيم الأحداث، واقتطاع التصريحات من سياقها، وفبركة الصور والمقاطع، وإعادة تدوير معلومات قديمة على أنها وقائع جديدة، بهدف صناعة حالة مستمرة من التشكيك وفقدان الثقة، ولا يخفى على أحد أن بعض هذه الحملات لا تتحرك بدوافع مهنية، وإنما تقف وراءها مصالح سياسية، وتمويلات خارجية، وأجندات تستهدف كما قلت إضعاف الدولة الوطنية، وهدم الثقة بين المواطن ومؤسساته، وهنا تبرز أهمية أن تكون لدينا جبهة رقمية وطنية واعية، لا تكتفى بالدفاع عند وقوع الأزمات، وإنما تبادر إلى صناعة المحتوى الإيجابي، وتقديم المعلومات الصحيحة، وإبراز الإنجازات، والرد الهادئ القائم على الحقائق، بعيدًا عن الانفعال أو المبالغة.

إن الدفاع عن الوطن لا يعد يقتصر على الجندي الذي يحمل السلاح، أو الدبلوماسي الذي يتفاوض، أو الإعلامي الذي يقدم برنامجه، وإنما أصبح يشمل أيضًا المواطن الذي يستخدم هاتفه المحمول، فكل حساب مصري واسع التأثير يمكن أن يتحول إلى نافذة مشرقة على الوطن، إذا أحسن صاحبه استخدامها.

ومن هنا فإن بناء فضاء رقمي مسؤول يحتاج إلى مشروع وطني متكامل، يقوم على عدة محاور، «أولها»: نشر ثقافة التربية الإعلامية والرقمية فى المدارس والجامعات، حتى يتعلم الشباب كيفية التحقق من المعلومات، واكتشاف الأخبار المضللة، وفهم أساليب التلاعب بالرأي العام، و»ثانيها»: ، دعم صناع المحتوى الجاد، وتشجيع المبادرات التي تقدم العلم والثقافة والفنون والابتكار، بحيث يصبح المحتوى الهادف أكثر انتشارًا وجاذبية، و«ثالثها»: الإسراع فى إنتاج رواية مصرية احترافية متعددة اللغات، تقدم إنجازات الدولة وقصص النجاح الإنسانية بلغة يفهمها العالم، بدلًا من ترك الساحة لمن يختار أن يتحدث عنا من منظور الخصومة، و«رابعها»: تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة والجامعات والإعلام الوطني والخبراء والمتخصصين، لإنتاج محتوى موثق وسريع قادر على مواجهة حملات التضليل قبل انتشارها، و«خامسها»: إطلاق مبادرات مجتمعية تجعل من كل مواطن شريكًا فى حماية الفضاء الرقمي، من خلال الإبلاغ عن المحتوى المخالف، وعدم المساهمة فى نشر الشائعات، واحترام القانون وحقوق الآخرين.

إن بناء جبهة داخلية قوية لا يتحقق بالشعارات، وإنما يتحقق بالوعي، والثقة، والمشاركة، والإحساس بأن كل مواطن مسؤول عن صورة وطنه، فالدول لا تهزم فقط بالسلاح، وإنما قد تستهدف أيضًا بالحرب النفسية، وبإضعاف الثقة، وبنشر الإحباط، وبمحاولات تشويه كل نجاح، والتقليل من كل إنجاز، وتحويل كل خطوة إيجابية إلى مادة للهجوم والسخرية.

ولذلك فإن حماية الوعي أصبحت جزءًا أصيلًا من حماية الأمن القومي، وفى هذه اللحظة الإقليمية والدولية الدقيقة، حيث تتزايد التحديات، وتتعاظم محاولات التأثير على الرأي العام، يصبح الاصطفاف الوطني الواعي ضرورة لا ترفًا، والاصطفاف هنا لا يعني إلغاء الرأي أو إغلاق باب النقاش، وإنما يعني الاتفاق على الثوابت الكبرى التي لا يجوز أن تكون محل مساومة، وفى مقدمتها حماية الدولة ، وصون استقرارها، والحفاظ على مؤسساتها، والدفاع عن مصالحها العليا.

إن الوطنية الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بصدق الموقف، وبالقدرة على التمييز بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح، والهجوم الذي يستهدف الهدم، وبين الاختلاف المشروع، ومحاولات زرع الفتنة واليأس وفقدان الثقة.

لقد استطاعت مصر، عبر تاريخها الطويل، أن تتجاوز تحديات أعظم بكثير من تحديات العصر الرقمي، لكنها كانت دائمًا تنتصر عندما كان وعي شعبها حاضرًا، وإدراكه للمخاطر واضحًا، وثقته فى وطنه راسخة، واليوم، ونحن نعيش عصر المنصات المفتوحة، أصبح لكل مصري دور لا يقل أهمية عن أي مؤسسة إعلامية، فكل منشور مسؤول، وكل معلومة صحيحة، وكل صورة تعكس جمال هذا الوطن، وكل قصة نجاح تصل إلى العالم، تمثل سهمًا جديدًا فى معركة الوعي ، وإضافة حقيقية إلى القوة الناعمة المصرية، لهذا، فإن السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة لا يزال قائمًا: لماذا لا نروي روايتنا؟.. والإجابة اليوم أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: لأن روايتنا ليست مجرد قصة نرويها، بل مسؤولية نحملها، وأمانة نحافظ عليها، ورسالة نقدمها للعالم بصدق، ووعي، وثقة، وعندما تتحول ملايين الحسابات المصرية إلى منصات للمعرفة والإبداع والحوار المسئول، فإننا لا نحمي صورتنا فقط، بل نحمي مستقبل وطننا، ونصون منجزاته، ونؤكد أن مصر ستظل قادرة على أن تكتب روايتها بنفسها، وأن تدافع عنها بعقول أبنائها قبل أي شيء آخر.

حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان