بين التصعيد والتفاوض.. لماذا تلعب إيران بورقة «الوكلاء» ؟!

بين التصعيد والتفاوض.. لماذا تلعب إيران بورقة «الوكلاء» ؟!الرئيس الأمريكى دونالد ترامب

فى وقت اتسعت فيه رقعة الحرب لتشمل أهدافا متعددة، فاجأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب العالم، مطلع الأسبوع الماضى، بإعلانه تأجيل الضربات المخطط لها ضد إيران بناء على طلب من طهران ودول أخرى فى الشرق الأوسط- وهو ما نفته إيران ، وجاء هذا التطور مع تصاعد هجمات الجماعات المتحالفة مع طهران ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة، وهو ما أعاد طرح التساؤلات حول قدرة إيران على توظيف وكلائها لرفع كلفة الحرب على واشنطن ، وما إذا كان هذا التصعيد سيدفع الطرفين نحو اتفاق أم يمهد لجولة جديدة من المواجهة العسكرية.

فى هذا السياق، قالت شبكة «سى إن إن»، فى تقرير لها، إن الميليشيات المتحالفة مع إيران بدأت تستعيد قوتها فى جميع أنحاء الشرق الأوسط، وذلك بعد ثلاث سنوات صعبة واجهتها هذه الجماعات، وهو ما يعزز نفوذ إيران فى حربها مع الولايات المتحدة و إسرائيل .

وأشار التقرير، إلى أن «محور المقاومة» شكل لعقود رادعًا قويًا ضد الهجمات المباشرة على إيران، إلا أنه قد أُضعف بشكل كبير نتيجة للرد العسكرى الإسرائيلى واسع النطاق على هجوم حماس فى 7 أكتوبر 2023، حيث شنت دولة الاحتلال الإسرائيلى حملة اغتيالات استهدفت قيادات بارزة فى حماس و حزب الله ، إضافة إلى تصعيد الهجمات ضد الميليشيات المدعومة من إيران فى العراق، والحوثيين فى اليمن.

وأضاف التقرير، أن الصراع المباشر بين إسرائيل والولايات المتحدة و إيران اندلع فى وقت كان يعانى فيه هذا المحور من حالة ضعف، أما اليوم، فقد عاد حلفاء طهران الإقليميين إلى ممارسة الضغط على خصومها عبر فتح جبهات جديدة تُعقّد الحرب وتهدد الاقتصاد العالمى.

وتقول تريتا بارسى، نائب الرئيس التنفيذى لمعهد كوينسى للحكم الرشيد، إن إضعاف «محور المقاومة» أتاح المجال أمام الولايات المتحدة و إسرائيل لاستهداف إيران مباشرة، ولذلك أعادت طهران الاستثمار فى هذه الجماعات باعتبارها خط الدفاع الأول عنها، مؤكدة أن حزب الله تحديدا تعافى بوتيرة أسرع بكثير مما كانت تتوقعه إسرائيل.

ولفت التقرير إلى أن هؤلاء الحلفاء يعملون لخدمة مصالح طهران، إلا أن لديهم فى الوقت نفسه دوافع سياسية خاصة بهم، ونقل عن على أحمدى، الباحث فى مركز جنيف للسياسة الأمنية ومعهد الشرق الأوسط فى سويسرا، قوله: «إن علاقة إيران بهذه الجماعات أكثر تعقيدًا وتعددًا فى الأوجه مما توحى به الممارسة الإعلامية الشائعة المتمثلة فى وصفها بـ (الوكلاء)».

وبحسب أحمدى، فإن «لكلٍ من هذه الجماعات هويتها ومصالحها السياسية الخاصة بها، لكنها تتقاطع مع إيران فى أهداف مشتركة، أيديولوجية وجيوسياسية على حد سواء».

وأوضح أحمدى، أن هذه الجماعات تختلف فى درجة اعتمادها على الدعم الإيرانى، مضيفًا أن الحوثيين هم على الأرجح الأكثر استقلالية فى الوقت الراهن. أما حزب الله اللبنانى، فهو الأكثر تنسيقاً مع طهران، بينما تقف الميليشيات الشيعية فى العراق فى منطقة وسطى من حيث مدى استعدادها للعمل كذراع مباشر للجمهورية الإسلامية.

رفع كلفة الحرب

من جانبها، كشفت «نيويورك تايمز»، أن الهجمات الأخيرة التى نفذتها الجماعات الموالية ل إيران جاءت ضمن ما وصفه مسئولان إيرانيان رفيعا المستوى بخطة سرية وضعتها طهران خلال الهدنة التى تم التوصل إليها فى إبريل الماضى، بالتنسيق مع قادة الميليشيات الوكيلة، بهدف تصعيد نطاق الهجمات فى الشرق الأوسط فى حال كثّفت الولايات المتحدة ضرباتها، و«رفع كلفة الحرب» على الرئيس الأمريكى دونالد ترمب.

وأشارت الصحيفة الأمريكية، إلى أن مستشار كبير المفاوضين الإيرانيين، مهدى محمدى، تباهى «علناً» عبر وسائل التواصل الاجتماعى بهذه الاستراتيجية التى تعتمد على وكلاء إيران فى المنطقة، حيث تحدث عن ظهور «محور جديد للمقاومة بلاعبين جدد» يعمل عبر جبهات متعددة ومنسقة، لكنها تتمتع فى الوقت نفسه بدرجة من الاستقلالية.

وحسب الصحيفة، فإنه بالرغم من تلقى إيران وحلفائها ضربات قوية منذ عام 2023، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت قدرتهم على إعادة تنظيم صفوفهم، وإثارة الفوضى، وكسب النفوذ لإيران.

ونقلت «نيويورك تايمز»، عن مسئولين إيرانيين، مطلعين على التخطيط بصفتهما عضوين فى الحرس الثورى الإيرانى، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما، قولهما إن قادة كباراً من «فيلق القدس»، الذراع الخارجية للحرس الثورى الإيرانى، «أجروا خلال الهدنة مكالمات جماعية عبر الإنترنت مع قادة من حزب الله، والحوثيين، والجماعات الشيعية المسلحة فى العراق، لوضع خطط مشتركة بشأن كيفية توسيع نطاق الحرب وزيادة كلفتها على واشنطن».

ويقول محللون، أن طهران تلجأ إلى وكلائها لتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، والتى قد تتضمن ردا قاسٍيا ضد إيران، مشيرين إلى أن إشعال حريق فى منشأة نفط سعودية أدى إلى دخول المملكة فى الحرب، لكن الرد السعودى استهدف الميليشيات العراقية المتهمة بالهجوم بدلاً من إيران .

كما تسعى طهران من خلال الوكلاء إلى تهديد صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط، ما يؤدى إلى رفع أسعار الوقود فى الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، ويقلل من عائدات حلفاء واشنطن العرب، حيث ترى طهران أن الضرر الاقتصادى الجسيم قد يجعل جيرانها أكثر تقبلاً لطموحها فى السيطرة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز .

وفضلا عن الاعتبارات العسكرية والاقتصادية، يشير محللون، حسبما نقلت الصحيفة، إلى أن «هناك سبباً آخر يدفع حلفاء إيران إلى شن الهجمات، وهو سبب أيديولوجى فى المقام الأول، حيث تتشارك هذه الجماعات مع طهران فى موقفها المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل.

الصراع المحدود

وعن المسار المتوقع للصراع، قالت «بى بى سى»، فى تقرير لها، إن كل من الطرفين لا يبدو مستعد لحرب شاملة، ف واشنطن تدرك أن اتساع نطاق المواجهة قد يهدد البنية التحتية للطاقة فى المنطقة، ويورط المزيد من الدول، ويرفع أسعار النفط، ويزيد من الضغط على الموارد العسكرية الأمريكية.

كما تدرك إيران، أن دفاعاتها الجوية الضعيفة وبنيتها التحتية الصناعية الهشة واقتصادها المقيد بالعقوبات، عوامل تجعل من الصعب تعويض الخسائر وتزيد من كلفة الحرب.

وعلى الرغم من ذلك، ترى «بى بى سى»، أن الحرب المحدودة مع الولايات المتحدة، على الرغم من مخاطرها، قد تكون، من وجهة النظر الإيرانية، خياراً أكثر ملاءمة ل إيران من السلام، موضحة أن وقف إطلاق النار لفترة طويلة فى ظل الظروف الحالية ربما يؤدى إلى إضعاف موقف طهران، خاصة مع استمرار الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية، واستمرار سريان العقوبات، كما ستظل إيران مستبعدة إلى حد كبير من أسواق الطاقة الدولية. وخلال هذه الفترة ستتمكن السعودية والإمارات وقطر وغيرها من الدول المصدرة للنفط والغاز فى المنطقة، من استئناف معدلات التصدير الطبيعية تدريجياً، بينما ستظل إيران معزولة اقتصادياً.

لكن النزاع المحدود قد يُغير هذا المشهد بالنسبة لإيران، حسب «بى بى سى»، فرغم الثمن الباهظ الذى تدفعه عسكرياً واقتصادياً، إلا أن استمرار الاضطرابات فى مضيق هرمز، والضغط الذى يمارسه الحوثيون حول باب المندب، وما لذلك من تأثير على الشحن العالمى وتكاليف التأمين وأسواق الطاقة، يمنح طهران ورقة ضغط فى أى مفاوضات مع واشنطن، فحتى حالة القلق المحدودة تُجبر الحكومات ومالكى السفن والمستورِدين على الالتفات إلى مطالب إيران.

وترى «بى بى سى»، أن إيران تسعى أيضاً إلى إعادة صياغة الحوار الدبلوماسى مع الولايات المتحدة، حيث كررت مطالبها بضرورة خضوع الملاحة البحرية لقواعد متفق عليها معها أو أن تتولى إدارة مضيق هرمز، مع الرفض التام لفكرة السماح بالملاحة غير المقيدة.

هذا يعنى أن هدف طهران توسيع نفوذها فى مضيق هرمز بعد فتحه وعدم الاكتفاء بالوضع السابق قبل الحرب، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال استمرار وضع الصراع المحدود.

كما قد يخدم استمرار التوتر اعتبارات داخلية، إذ يمنح السلطات الإيرانية فرصة لاحتواء الغضب الشعبى جراء الصعوبات الاقتصادية وتبرير تشديد القبضة الأمنية فى مواجهة المعارضة، وتجييش الشعب لتعزيز الدفاع الوطنى.

لكن «بى بى سى»، تحذر من أن هذه الإستراتيجية تنطوى على مخاطر كبيرة، فالحسابات الدقيقة للتصعيد للحفاظ على الضغط على الولايات المتحدة وأسواق الطاقة العالمية والدبلوماسية الإقليمية، قد تنهار نتيجة خطأ فى التقدير أو حادث غير محسوب، بما قد يقود إلى حرب أوسع. كما أن استمرار اضطراب التجارة العالمية وأسواق الطاقة قد يدفع مزيداً من الدول إلى التخلى عن الحياد وتأييد اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران، خاصة إذا تزايدت الهجمات على الممرات البحرية والمنشآت الحيوية.

كما قد يؤدى صراع طويل الأمد دون نهاية واضحة فى الأفق إلى تزايد تدريجى للدعم الدولى لاتخاذ رد فعل أكثر صرامة ضد إيران.

وتشير «بى بى سى»، إلى قيام السعودية، التى سعت فى البداية إلى تجنب التدخل المباشر، بشن غارات جوية على جماعات شيعية موالية ل إيران فى العراق، واتخاذ إجراءات عسكرية ضد الحوثيين. وفى حال استمر اضطراب التجارة العالمية وأسواق الطاقة، فقد تتخلى دول أخرى عن الالتزام بالحياد وتصبح أكثر استعداداً لدعم زيادة الضغط على إيران.

وقد تخلُص بعض الحكومات أيضاً إلى أنّ تحمّل تكاليف تعاملٍ أكثر حزماً، سيكون أفضل من التعايش مع الأزمات المتكررة التى تؤثر على الشحن الدولى وإمدادات الطاقة.

المرة التاسعة

على الجانب الأمريكى، سخرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، فى افتتاحية لها من إعلان الرئيس دونالد ترامب إنهاء الحرب على إيران للمرة الثامنة، متسائلة ما إذا كانت المرة التاسعة ستكون مختلفة، معتبرة أن التذبذب بين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى التفاوض يعكس «أسلوباً فوضوياً فى إدارة الحرب».

وقالت الافتتاحية، إن هذا النهج قد يربك الخصوم، لكنه فى الوقت نفسه يربك الرأى العام الأمريكى، الذى لم يعد يعرف أهداف الحرب أو كيفية تحقيقها، مشيرة إلى أن استطلاعات الرأى أظهرت تراجع تأييد الناخبين للحرب. وأضافت أن استئناف القصف، إن حدث، لن يكون له هدف إستراتيجى واضح سوى محاولة دفع إيران إلى توقيع ما يسميه ترامب «صفقة».

واعتبرت الصحيفة الأمريكية، أن ترامب، منذ موافقته على وقف إطلاق النار فى أبريل، أظهر رغبته فى الخروج من الحرب، مدفوعاً بمخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكى، ورغبته فى خفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفى، خاصة مع تراجع معدلات تأييده.

ورأت «وول ستريت جورنال»، أن طهران قرأت هذه المواقف بوصفها مؤشرات ضعف، ففسرت مذكرة التفاهم على أنها فرصة لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، وواصلت «استفزاز» واشنطن عبر مهاجمة حلفائها وقواعدها فى المنطقة، بينما لم تنجح الضربات الأمريكية حتى الآن فى دفع إيران إلى التراجع، حيث استبعدت الصحيفة أن تقدم طهران تنازلات جوهرية فى ملفها النووى.

وأضافت الصحيفة، أن إيران تدرك أيضاً أن ترامب محاط بمستشارين كانوا يعارضون مهاجمتها منذ البداية، ويرغبون الآن فى إنهاء الصراع بأى شروط تقريباً، حيث يرون أن كلفة استمرار الحرب ستكون أكبر من الضرر الذى قد يلحق بمصداقية الولايات المتحدة نتيجة وقف إطلاق النار الذى يمنح إيران زمام المبادرة فى الخليج.

واختتمت الافتتاحية بالتشكيك فى ما إذا كانت إيران قد وافقت بالفعل على شروط يمكن اعتبارها انتصاراً أمريكياً- كما أوحى ترامب - مذكرة بأن مفاوضيه سبق وأن اعتبَروا مذكرة التفاهم دليلاً على أن طهران «فتحت صفحة جديدة» وأصبحت تريد أن تكون «دولة طبيعية». وخلصت إلى أن الحُكم يجب أن يكون على أفعال إيران، لا على التصريحات التى تصدر عنها أو عن ترامب.

أضف تعليق