ما إن يطلّ العام الدراسي برأسه حتى يطلّ معه شبحٌ يعرفه كل بيتٍ محدود الدخل؛ شبحٌ لا يُرى في وضح النهار، ولكنه ينام على صدر الأب ليلًا، ويوقظه من نومه كلما تذكر أن وراءه أبناءً سيعودون إلى المدارس، وأن المدارس لم تعد تطلب منهم الدفاتر والأقلام فحسب، بل صارت تفتح أمامهم أبوابًا لا تنتهي من المصروفات.
وهناك، في الطرف الآخر من المدينة، أبٌ محدود الدخل يجلس أمام راتبه كما يجلس المرء أمام جثة عزيز؛ يقلب الأوراق النقدية بين أصابعه، ثم ينظر إلى قائمة الطلبات المدرسية، فيرى الكتب الخارجية، والزي، والأحذية، والمستلزمات، ومصاريف الانتقال، ثم يضع يده على جبينه كأنما يريد أن يمنع صداعًا يعرف أنه لن ينصرف.
يحسب الرجل حساباته مرة، ثم يعيدها مرة أخرى، ثم يكتشف الحقيقة التي كان يحاول الهرب منها: أن راتبه قد انتهى على الورق قبل أن يبدأ الشهر في الواقع.
ثم تأتي الكتب الخارجية.
ويا لها من كتب!
ليست كتبًا فحسب، ولكنها صارت في وجدان كثير من الأسر أشبه بتذاكر المرور إلى النجاح. كتابٌ في مادة، وآخر في مادة، وثالث "للتفوق"، ورابع "للمراجعة النهائية"، حتى إذا جمع الأب الكتب إلى بعضها وجد أنه يحمل في يديه مكتبة كاملة، بينما لا يزال ابنه في أول الطريق.
وإذا سأل الأب: أليس الكتاب المدرسي كافيًا؟
جاءه الجواب الذي لا يترك له مجالًا للاعتراض: "كل الطلاب يشترون".
وهذه الجملة وحدها كافية لإخراج آخر ما في جيب الفقير.
كل الطلاب يشترون!
كأن العلم قد أصبح قطيعًا لا يجوز لطالب أن يخرج منه، وكأن من عجز عن شراء الكتاب قد كتب على جبينه: "ابن فقير، فلا تنتظروا منه التفوق."
والمأساة أن الأب لا يشتري الكتاب لأنه مقتنع به دائمًا، وإنما يشتريه لأنه خائف.
الخوف من أن يسبقه أبناء القادرين.
الخوف من أن يحتاج ابنه إلى معلومة ليست في الكتاب المدرسي.
الخوف من أن يصبح التعليم نفسه سباقًا لا يفوز فيه إلا من كان جيبه أكثر امتلاء.
ثم تأتي الحلقة الأخطر في هذه الدائرة: الدروس الخصوصية.
هناك مافيا أخرى لا تكتفي بأن تبيع للناس الورق، بل تبيع لهم الوقت، والقلق، والوعد بالنجاح.
يبدأ الأمر بدرس، ثم يصبح درسين، ثم مادة، ثم جميع المواد، ثم تتحول الحجرة الصغيرة إلى فصل، والفصل إلى مجموعة، والمجموعة إلى مشروع تجاري لا ينام.
والمعلم الذي كان من المفترض أن يكون حامل رسالة، وحارسًا على مستقبل أجيال، يجد بعضهم نفسه وقد دخل إلى ميدان آخر؛ ميدان الأرقام والحسابات والمجموعات، حتى يصبح الطالب في آخر الشهر مجرد رقم في كشف الإيرادات.
ولا يملك أحد أن ينكر أن في الميدان معلمين شرفاء ما زالوا يرون التعليم رسالة قبل أن يروه مهنة، ويؤدون واجبهم بأمانة، ويقفون إلى جوار أبناء الفقراء قبل أبناء الأغنياء؛ ولكن المأساة أن أصوات هؤلاء كثيرًا ما تضيع وسط ضجيج سوقٍ اتسعت فيه تجارة الدروس الخصوصية حتى صار بعض المدرسين يملكون من مظاهر الرفاه ما يثير سؤالًا لا يريد أحد أن يسمعه.
سيارة فارهة تقف أمام المدرسة.
مسكن واسع يزداد فخامة عامًا بعد عام.
رحلات، ومظاهر رفاه، وحياة لا تشبه حياة الموظف الذي ينتظر آخر الشهر بفارغ الصبر.
ثم يجلس ولي الأمر المسكين في المساء ليحسب ما دفعه في الدروس، فيكتشف أن جزءًا كبيرًا من راتبه قد ذهب إلى درسٍ هنا، ومجموعةٍ هناك، ومراجعةٍ هنالك.
فيتساءل في صمت:
كيف أصبح تعليم أبنائي أفخم من قدرتي على إطعامهم؟
وهذا السؤال ليس اتهامًا لكل معلم، ولكنه صرخة في وجه ظاهرة ينبغي ألا نعتادها حتى تصبح شيئًا طبيعيًا.
فالرسالة التعليمية تفقد شيئًا من قدسيتها حين يشعر الأب أن عليه أن يدفع خارج المدرسة حتى يحصل ابنه على ما يفترض أن يحصل عليه داخلها.
والأشد مرارة أن بعض الأسر لا تملك حتى رفاهية الاختيار.
فالطالب الذي لا يستطيع أبوه دفع ثمن الدرس قد يجلس بين زملائه وهو يشعر أنه متأخر عنهم، لا في الفهم فحسب، بل في الحياة كلها.
أما الأب، فيظل ممزقًا بين نارين:
إن دفع، أثقل كاهله بالديون.
وإن لم يدفع، عذّبته فكرة أن يكون قد قصّر في حق ابنه.
وهكذا يُستنزف الفقير من الجانبين.
يدفع إذا استطاع، ويشعر بالذنب إذا لم يستطع.
أي عدالة هذه؟
وأي تعليم هذا الذي يجعل الأب يعتذر لابنه لأنه فقير؟
إن التعليم الحقيقي ينبغي أن يكون الجسر الذي يعبر عليه ابن العامل وابن الموظف وابن التاجر وابن الغني إلى المستقبل، لا سورًا يقف الفقراء خارجه وهم ينظرون إلى أبناء القادرين يعبرون.
أما أن تتحول المدرسة إلى بوابة، والكتاب الخارجي إلى تذكرة، والدرس الخصوصي إلى مفتاح، ثم يُقال للفقراء: "اجتهدوا"، فذلك يشبه أن يُطلب من رجلٍ عطشان أن يسبح للوصول إلى الماء، ثم يُلام لأنه لم يبلغ النهر.
لقد آن الأوان أن يُنظر إلى هذه القضية لا باعتبارها شأنًا صغيرًا من شؤون بداية العام الدراسي، بل باعتبارها سؤالًا عن العدالة الاجتماعية نفسها.
فالأسرة محدودة الدخل لا تريد تعليمًا مجانيًا بمعنى أن يكون التعليم بلا قيمة، ولا تريد أن تحرم أبناءها من الوسائل النافعة؛ إنها تريد فقط أن تعرف أن ابنها يستطيع أن ينجح بعلمه واجتهاده، لا بمقدار ما يدفعه أبوه.
تريد أن يدخل ابنها الامتحان وفي يده قلم، لا فاتورة.
تريد أن يحمل حقيبته فوق ظهره، لا أن تحمل الحقيبة فوق ظهر أبيه.
تريد أن يكون مستقبل ابنها مفتوحًا أمام عقله، لا أمام محفظة أبيه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الفقر لم يعد يهدد أبناء هذه الأسر بالطعام والكساء وحدهما؛ لقد بدأ يزحف إلى التعليم نفسه.
والفقير الذي كان يخشى أن يجوع أبناؤه، صار يخشى الآن أن يتعلموا أقل من أبناء القادرين.
وهنا تبلغ المأساة منتهاها.
فحين يصبح المال شرطًا غير مكتوب للوصول إلى المعرفة، لا يعود الفقر مجرد ضيق في المعيشة؛ بل يصبح حرمانًا من المستقبل.
وفي كل عام، حين تُفتح أبواب المدارس، ستعود المشاهد نفسها.
أبٌ يبيع شيئًا من مدخراته.
وأمٌّ تؤجل حاجاتها.
وطفلٌ يطلب كتابًا لا يستطيع أبوه شراءه.
ومعلمٌ شريف يحاول أن يقاوم التيار.
ومعلمٌ آخر يحسب عدد الطلاب في مجموعته كما يحسب التاجر عدد زبائنه.
ومكتبةٌ تزدحم بالأمهات والآباء.
وسيارةٌ فارهة تمر من أمام المدرسة.
ثم يعود الأب إلى بيته، يضع الكتب على المائدة، ويبتسم لابنه ابتسامةً يخفي وراءها بحرًا من القلق.
يظن الطفل أن أباه سعيد لأنه اشترى له الكتب.
ولا يعلم أن الرجل قد اشترى تلك الكتب بثمنٍ آخر؛ ربما بكسوةٍ أجّل شراءها، أو بدواءٍ استغنى عنه، أو بدينٍ سيظل يطارده حتى نهاية العام.
وهنا تكمن القفلة التي ينبغي ألا تمر بنا مرور الكرام:
إن كان الكتاب الذي يحمل الطفل إلى المدرسة يحتاج أبوه أن يبيع من أجله شيئًا من كرامة عيشه، وإن كان الدرس الذي يفتح للطالب باب النجاح يغلق على أبيه بابًا من أبواب الحياة، فالمشكلة لم تعد في ثمن الكتاب ولا في أجرة الدرس...
المشكلة أننا بدأنا نبيع الفقراء مستقبل أبنائهم بالتقسيط.