تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان نور الشريف، أحد أبرز الأسماء التي صنعت تاريخًا خاصًا في السينما والدراما المصرية، بعدما امتدت مسيرته الفنية لعقود، قدم خلالها عشرات الأعمال التي تنوعت بين القضايا الاجتماعية والإنسانية والسياسية، ونجح في أن يحجز لنفسه مكانة مختلفة بين نجوم جيله، ليس فقط بموهبته في التمثيل، وإنما باختياراته الفنية واهتمامه بالثقافة والفكر.
رحل نور الشريف في 11 أغسطس 2015، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا كبيرًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الجمهور، سواء من خلال أفلامه التي ناقشت قضايا المجتمع، أو مسلسلاته التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ الدراما المصرية.
من "محمد جابر" إلى نور الشريف
وُلد نور الشريف في القاهرة، واسمه الحقيقي محمد جابر محمد عبد الله، ونشأ في حي السيدة زينب، حيث واجه ظروفًا أسرية صعبة في طفولته بعد وفاة والده مبكرًا.
حمل اسم "نور" منذ طفولته، قبل أن يصبح لاحقًا الاسم الفني الذي عرفه به الجمهور.
واختارت شقيقته له اسم "نور الشريف" تأثرًا بإعجابها بالفنان العالمي عمر الشريف، ليصبح الاسم بعد سنوات واحدًا من أشهر الأسماء في تاريخ الفن المصري.
وفي سنوات طفولته ومراهقته، لم يكن التمثيل وحده هو شغفه، إذ كان مولعًا بكرة القدم، وانضم إلى ناشئي نادي الزمالك، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الفن، بعدما اكتشف أن المسرح و السينما هما المجال الأقرب إلى شخصيته وطموحه.
المسرح كان بوابة نور الشريف إلى الاحتراف
بدأ اهتمام نور الشريف بالتمثيل في سن مبكرة من خلال النشاط المسرحي، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ويتخرج فيه عام 1967 بتقدير امتياز، وكان الأول على دفعته.
وخلال سنوات الدراسة، بدأت علاقاته داخل الوسط الفني تتسع، وكان الفنان والمخرج سعد أردش من أبرز الشخصيات التي ساعدت في فتح الطريق أمامه، بعدما منحه فرصة للمشاركة في مسرحية "الشوارع الخلفية".
لم يكن الطريق إلى السينما سهلًا في البداية، إذ خاض نور الشريف أكثر من محاولة للظهور على الشاشة، إلا أن إصراره على التعلم والاستمرار جعله يتجاوز هذه العقبات.
وجاءت انطلاقته السينمائية الحقيقية من خلال فيلم "قصر الشوق" عام 1966، ضمن ثلاثية نجيب محفوظ، في تجربة لفتت الأنظار إلى موهبته ومنحته شهادة تقدير كانت من أوائل الجوائز في مشواره.
فنان لم يكتفِ بالبطولة
لم يعتمد نور الشريف طوال مسيرته على صورة النجم التقليدي، بل كان حريصًا على تقديم شخصيات مختلفة، والاقتراب من الموضوعات التي تمس حياة المصريين.
وتنوعت أدواره بين الرجل البسيط، والمثقف، والموظف، والشخصية السياسية، والإنسان الذي يواجه أزمات اجتماعية ونفسية، وهو ما جعله قادرًا على الانتقال بين الشخصيات دون أن يفقد خصوصيته الفنية.
ومن أبرز أفلامه "سواق الأتوبيس"، و"أهل القمة"، و"العار"، و"حبيبي دائمًا"، و"غريب في بيتي"، و"الكرنك"، و"حدوتة مصرية"، و"الصرخة"، و"ناجي العلي"، و"البحث عن سيد مرزوق"، و"جري الوحوش"، و"المصير"، و"عمارة يعقوبيان"، وغيرها من الأعمال التي شكلت محطات مهمة في السينما المصرية.
وكانت علاقته ب السينما قائمة على الاختيار، وليس مجرد كثرة الظهور، لذلك ارتبط اسمه بأعمال تحمل مضمونًا وقضية، إلى جانب الأعمال الجماهيرية التي حققت حضورًا واسعًا.
نور الشريف ودراما التلفزيون
لم تكن السينما وحدها المجال الذي ترك فيه نور الشريف بصمته، إذ قدم مجموعة كبيرة من المسلسلات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المشاهد المصري والعربي.
ويأتي في مقدمة هذه الأعمال مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، الذي جسد خلاله شخصية عبد الغفور البرعي، وحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، ولا يزال من الأعمال التي يعاد عرضها وتحظى بمتابعة الجمهور حتى اليوم.
كما قدم "الرجل الآخر"، و"عائلة الحاج متولي"، و"الحرافيش"، و"العطار والسبع بنات"، و"رجل الأقدار"، و"حضرة المتهم أبي"، و"الدالي" بأجزائه، إلى جانب "الرحايا حجر القلوب"، و"عرفة البحر"، و"خلف الله".
وأكد من خلال هذه الأعمال قدرته على التعامل مع الدراما الطويلة والشخصيات المركبة، وتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى حكايات قادرة على جذب المشاهد.
قصة حب نور الشريف وبوسي
ارتبط اسم نور الشريف أيضًا بقصة حب وزواج الفنانة بوسي، التي بدأت علاقته بها في الوسط الفني، وتحولت مع الوقت إلى واحدة من أشهر قصص الحب بين نجوم الفن.
تزوج الثنائي عام 1972، وأنجبا ابنتيهما سارة ومي، واستمرت حياتهما الزوجية لسنوات طويلة، قبل أن ينفصلا عام 2006.
ورغم الانفصال، ظلت العلاقة بينهما تحمل قدرًا كبيرًا من الخصوصية، وعادا إلى بعضهما عام 2015، قبل رحيل نور الشريف بأشهر قليلة.
وقدما معًا عددًا من الأعمال الفنية، وكان فيلم "حبيبي دائمًا" من أشهر التجارب التي ارتبط بها الجمهور بقصة حبهما، حتى أصبح العمل حاضرًا في ذاكرة المشاهدين باعتباره واحدًا من أشهر أفلام الرومانسية في السينما المصرية.
"الفنان المثقف".. شغف بالقراءة والمعرفة
تميز نور الشريف عن كثير من أبناء جيله باهتمامه بالقراءة والثقافة، ولم يتعامل مع التمثيل باعتباره مهنة تعتمد على الموهبة فقط، وإنما كان يرى أن الفنان يحتاج إلى المعرفة لفهم الشخصيات والقضايا التي يقدمها.
ومنذ شبابه كان حريصًا على قراءة الكتب المتعلقة ب السينما والمسرح، كما كان يهتم بتلخيص القصص والنصوص التي تلفت انتباهه، وهو ما انعكس على اختياراته الفنية وشخصياته التي اتسم بعضها بقدر كبير من العمق والتعقيد.
ولذلك ارتبط اسمه على مدار سنوات بلقب "الفنان المثقف"، وهي صورة لم تأتِ من فراغ، وإنما دعمتها اهتماماته الفكرية وتنوع أدواره ومشروعاته الفنية.
آخر سنواته ورحيله
في سنواته الأخيرة، استمر نور الشريف في العمل، وقدم عددًا من التجارب المهمة، كان من بينها فيلم «بتوقيت القاهرة» عام 2014، الذي شارك في بطولته إلى جانب عدد من النجوم.
وفي 11 أغسطس 2015، رحل نور الشريف عن عالمنا بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز 69 عامًا، لتطوى صفحة أحد أهم الفنانين الذين أثروا السينما والتلفزيون المصريين.
ورغم مرور سنوات على رحيله، لم يتوقف حضور نور الشريف؛ فأعماله لا تزال تُعرض، وشخصياته لا تزال عالقة في ذاكرة الجمهور، بينما تستمر أفلامه ومسلسلاته في الوصول إلى أجيال جديدة لم تعاصره.
إرث فني يتجاوز عدد الأعمال
لم تكن قيمة نور الشريف في عدد الأفلام والمسلسلات التي قدمها فقط، وإنما في قدرته على صناعة شخصية فنية مستقلة، تجمع بين النجم الجماهيري والفنان صاحب المشروع.
ترك وراءه أعمالًا تنتمي إلى أجيال مختلفة، وشخصيات يصعب اختزالها في قالب واحد، وهو ما جعل تجربته ممتدة حتى بعد رحيله.
وبعد سنوات من غيابه، يبقى نور الشريف حاضرًا كلما عاد الجمهور إلى "لن أعيش في جلباب أبي"، و "سواق الأتوبيس"، و "حبيبي دائمًا"، و "أهل القمة"، و "العار"، وغيرها من الأعمال التي لم تفقد تأثيرها مع مرور الزمن.
وفي ذكرى رحيله، لا يُستعاد نور الشريف باعتباره نجمًا غاب عن الشاشة فحسب، وإنما باعتباره فنانًا ترك جزءًا من روحه في الشخصيات التي قدمها، وجعل من التمثيل وسيلة لطرح الأسئلة عن الإنسان والمجتمع والحياة.