خبير آثار: كشف عسيلة إحياء لمدينة مندثرة وإضافة علمية لدرب الحج المصري القديم

خبير آثار: كشف عسيلة إحياء لمدينة مندثرة وإضافة علمية لدرب الحج المصري القديمخبير آثار: كشف عسيلة إحياء لمدينة مندثرة وإضافة علمية لدرب الحج المصري القديم

ثقافة12-8-2026 | 18:05

كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة «عسيلة» المندثرة، يرجح أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، والذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.
وفى ضوء ذلك يشير الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى أهمية هذا الكشف كمحطة هامة على درب الحج المصرى القديم عبر سيناء الذى يبلغ طوله 1500كم ويستغرف السفر فيه أكثر من شهر وكان طريقًا للحجاج المصريين إلى مكة المكرمة عبر سيناء وكذلك حجاج بلاد الأندلس وبلاد المغرب وشمال أفريقيا وبلاد التكرور غرب القارة الإفريقية علاوة على بلاد السودان وكان يحج عن طريقه أيضًا مسلمي روسيا وأوروبا قادمين من البحر الأسود إلى البحر المتوسط عن طريق الإسكندرية إلى القاهرة
وأوضح أن هذا الطريق رسالة حضارية وتفانى لخدمة حجاج بيت الله الحرام بدأت حين استعاد السلطان الظاهر بيبرس الذى حارب الصليبيين لمدة عشر سنوات مدينة عقبة أيلة (بالأردن حاليًا) من السيطرة الصليبية عام (665هـ / 1267م) فأحيى درب الحاج المصرى عبر وسط سيناء وأعاده إلى سابق عهده طريقًا للحج وقام الظاهر بيبرس بكسوة الكعبة وعمل لها مفتاحًا ثم أخرج قافلة الحاج فى البر على درب الحاج المصرى وانتهى بذلك طريق الحجاج عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية عن طريق قوص- عيذاب وفى عام (667هـ / 1268م) زار الظاهر بيبرس مكة عن طريق أيلة
وينوه الدكتور ريحان إلى أن محطات الطريق تبدأ من صحراء الريدانية (العباسية) كأرض مكشوفة غير عامرة ثم إلى بركة الحاج "معروفة باسمها حتى الآن بالقاهرة الكبرى" ومنها إلى عجرود قاطعين 130كم
وبلغ حجم القافلة 80 ألف راحلة دون الدواب الأخرى، وكانت بركة الحاج تضم آبارًا طيبة وتقوم بها سوق عظيمة يقضى فيها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة ويتزود منها الحجاج بكل احتياجاتهم وأن المرحلة بين القاهرة وعجرود تستغرق ثلاثة أيام وكان الحجاج يعبرون خمس محطات من بركة الحاج إلى عجرود، تبدأ من بركة الحاج ومنها إلى البويب، الطليحات ، المنفرج ، مراكع موسى ومنها إلى عجرود وبها بئر مصنع
ويستكمل الحجاج طريقهم عبر سيناء إلى وادى مبعوق وبه مصادر مياه وقد تميزت المحطات بوجود مصادر مياه لإمداد الحجاج عبر رحلتهم الطويلة، ومن مبعوق إلى نخل بوسط سيناء يستغرق ثلاثة أيام وفى نخل أنشأ السلطان الغورى خان قام بتنفيذ ذلك خاير بك المعمار أحد المقدمين فى عام (915هـ / 1509م) وكان الخان ضيقًا فتمت توسعته فى عام (959هـ / 1551م) وبنخل ثلاث فساقى " أحواض مياه مستديرة أو مربّعة تتوسطها نافورة تضخ الماء" وبئران إحداهما بساقية والأخرى بسلم .
ويتابع الدكتور ريحان بأن موكب الحجيج يصل إلى نخل قلب سيناء النابض وكانت تمثل سوقًا عربية مشتركة فى زمن الحج حيث ينصب بها سوق كبير وأفران لعمل الخبز وترد لهذا السوق الجماعات البدوية من سيناء وبذلك يتوفر للحجاج جملة خدمات بنخل من حيث الإقامة فى خان فى ظل حماية الحراس وتوفير الماء العذب الكافى من الآبار والفساقى
وقد وصف الرحّالة ومنهم الزيانى نخل فى رحلته الحجازية وتعجب من كثرة الفواكه الشامية بها من سفرجل ورمان وعنب والخيرات الكثيرة وما يحتاج إليه الحجاج من المؤن والقرب المملوءة بالماء البارد وبهذا يعطى صورة عن الحركة التجارية فى نخل زمن الحج وما كان يصلها من قوافل تجارية تجلب سلع الشام التى تلزم الحجاج
ومن نخل إلى حسد الحى، بئر بيدرا، ثمد الحصا، ظهر العقبة ، سطح العقبة وهو عرقوب البغلة كما وصف هذه المحطات المؤرخون ومنهم الجزيرى ذاكرًا المحطات من نخل إلى وادى الفيحاء ويسمى وادى القريص، عراقيب البغلة، ثمد الحصى ، سطح العقبة إلى عقبة أيلة كما ذكر أن مدة الإقامة بعقبة أيلة ثلاثة أيام وينصب فيها سوق كبير فيه من البضائع والفواكه من غزة والقدس والكرك وبها الأغنام والجمال والبغال والماشية والسمن والعسل والزيت وسائر الحبوب والأقمشة ،ويأتى إليها الحجاج والتجار مما يعد موسمًا فى كل عام
ولفت الدكتور ريحان إلى محطة هامة من محطات درب الحجيج ما بين نخل والنقب يطلق عليها دبة البغلة أو مقعد الباشا قامت منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية بترميمها منذ سنين وأحاطتها بسور بشكل إسلامى لدرجة أن الحجاج والمعتمرين المارين بهذا الطريق فى الطريق البرى الحديث إلى ميناء نويبع ومنها إلى العقبة وهو نفس الطريق البرى القديم يعتقدون أنه ولى من أولياء الله الصالحين وينزلون إليها ليقرأوا اللوحة الخاصة بالآثار ويعرفون حقيقة هذه العلامة الهامة فى طريق الحج القديم المستخدم حتى الآن
ومن عقبة أيلة تسير قافلة الحجاج بمحاذاة البحر الأحمر إلى الجنوب إلى حقل، مدين، ينبع، بدر، رابغ، بطن مر، مكة المكرمة ، وظل درب الحاج المصرى مستخدمًا حتى أبطل سيره وتحول إلى الطريق البحرى عام (1303هـ / 1885م )
وأشار الدكتور ريحان إلى أن الدرب السلطانى عبر شمال سيناء كان طريقًا للحجاج والتجار والجيوش والبريد، وبنيت المنشئات الخاصة بمحطات الطريق من مواد متوافرة بالبيئة السيناوية من الطوب اللبن الذى يصنع من الغرين الذى تحمله السيول من أعلى الجبال والأودية بعد الأمطار الغزيرة والطوب الأحمر ناتج حرق الطوب اللبن، وانفرد بميزة خاصة فى المواقع الساحلية وهى الأحجار الكلسية أو الحجر الجيري وهي صخور رسوبية تتكون أساسًا من كربونات الكالسيوم وغالبًا ما تنشأ من تراكم بقايا الأحياء المائية وقواقع المرجان وتتميز بلونها الفاتح وهذا ما تلاحظ فى المبنى المكتشف بعسيلة من البناء بالطوب الأحمر والطوب اللبن والأحجار الكلسية
ويعد خان الخوينات إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء وبالمقارنة بالمبنى المكتشف فى عسيلة يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني
وتقع بقايا مبنى خان الخوينات شمال قرية مزار بحوالى 25كم بشمال سيناء بمساحة 3000متر مربع، وكان مبنى تجارى فى العصر المملوكى مدخله الرئيسى فى منتصف الضلع الشمالى وعلى يسار الداخل حجرة حراسة
واختتم الدكتور ريحان بأن اللقى الأثرية ب كشف عسيلة تميزت بارتباطها بوظيفة المبنى حيث الأوانى الفخارية لتخزين المياه والمؤن لإمداد الحجاج لمواصلة المسير وتأريخها بالعصر المملوكى هو العصر الذى ازدهر فيه درب الحاج المصرى ب سيناء وبنيت فيه العديد من المنشئات لخدمة الحجاج أشهرها خان نخل والخان المكتشف بمدينة عسيلة
ويمثل الكشف إحياء لمدينة مندثرة كان لها دور كبير فى خدمة حجاج بيت الله الحرام ويضيف معلومات جديدة عن أهمية الطريق الذى يعد قيمة عالمية استثنائية والموضوع على القائمة التمهيدية لليونسكو وينتظر إعداد ملف لتسجيله تراث عالمى ثقافى منذ سنوات، ومن الجدير بالذكر أن آخر موقع تم تسجيله تراث عالمى ثقافى باليونسكو هى مدينة سانت كاترين عام 2002 ومنذ ذلك الوقت لم يتم إضافة أى موقع جديد تراث ثقافى مادى، وما يتم تسجيله هو تراث ثقافى لامادى آخره الكشرى

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان