الصين توسع نفوذها في سلاسل توريد السيارات الأوروبية وسط قلق صناع السياسيات

الصين توسع نفوذها في سلاسل توريد السيارات الأوروبية وسط قلق صناع السياسياتالصين توسع نفوذها في سلاسل توريد السيارات الأوروبية وسط قلق صناع السياسيات

اقتصاد وبنوك13-8-2026 | 11:44

عززت شركات تصنيع قطع غيار السيارات الصينية نفوذها في سلاسل توريد السيارات الأوروبية، عبر الاستحواذ على موردين محليين، في خطوة تعكس مساعي (بكين) لتوسيع حضورها في السوق الأوروبية، رغم تصاعد المعارضة للصادرات الصينية.

وتشير أرقام شركة "روديوم" للاستشارات إلى أن الشركات الصينية استثمرت منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، في أكثر من 130 شركة أوروبية لتصنيع قطع غيار السيارات، ولاسيما في مراكز تصنيع السيارات الرئيسية في ألمانيا وفرنسا.

وأفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، في تحقيق موسع لها شمل العديد من العواصم الأوروبية والمدن الآسيوية، بأن عمليات الاستحواذ على موردي قطع الغيار الأوروبيين تثير قلق صناع السياسيات في الاتحاد الأوروبي والمديرين التنفيذيين في قطاع السيارات ويخشى الجانبان أن تتولى الصين في القريب العاجل رسم خريطة صناعة مكونات وقطع غيار السيارات، مدعومة بالنمو الهائل في صادرات السيارات.

ونقلت الصحيفة عن سيباستيان فريندو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "دو ويل دو جود"، التي تتخذ من باريس مقراً لها، قوله: "لن يكون مفاجئاً أن يكون اثنان أو ثلاثة من أكبر عشرة موردين صينيين في المستقبل القريب، وهو ما لم يحدث بعد".

وقد دعمت استراتيجية بكين، الرامية إلى "التوسع عالمياً"، عمليات الاستحواذ المبكرة، التي شجعت الشركات الصينية على عولمة عملياتها واكتساب التكنولوجيا الأجنبية من خلال الاستثمارات، ولا سيما في الشركات المصنعة الأوروبية.

وتكشف بيانات شركة "روديوم" أن حجم صفقات السيارات الصينية في أوروبا بلغ ذروته في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية مع استحواذ "جيلي" على شركة "فولفو" السويدية لصناعة السيارات مقابل 1.8 مليار دولار.

لكن القيود التي فرضتها بكين على الاستثمار الخارجي وارتفاع الحواجز التجارية أديا إلى أن العديد من الصفقات خلال العقد الماضي كانت أقل من 100 مليون يورو، وهو مبلغ زهيد لم يكن يستدعي تدخلاً من الجهات التنظيمية الأوروبية.

وفي عام 2024، فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً إضافية على مصنعي السيارات الكهربائية الصينيين، بما في ذلك شركة "بي واي دي"، بالإضافة إلى تعريفة الـ 10% المفروضة على واردات السيارات، وذلك بعد دراسة تأثير الدعم الحكومي على هذه الشركات.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "ساياري"، المتخصصة في معلومات الشركات، فارلي ميسكو، في تصريحاته لـ"فايننشال تايمز"، إن الحجم الحقيقي للملكية الصينية قد يتجاوز ما تم الاعتراف به.

وتابع قائلاً: "نحو أربعة من كل خمسة أصول في قطاع السيارات تسيطر عليها الصين، والتي رصدتها الشركة في ألمانيا حتى الآن، تدار من خلال وسيط خارجي واحد على الأقل، أو عبر شركة قابضة مسجلة في ألمانيا تحمل اسماً محلياً".

وقد أبدى صناع السياسات قلقهم إزاء الاستثمارات الصينية المستمرة في سلسلة توريد السيارات في القارة الأوروبية، حيث وصف أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي التهديد الصيني لقطاع السيارات في المنطقة بأنه "تحدي العقد بالنسبة لأوروبا".

وأشار المسؤول إلى أن الشركات الصينية اتبعت نهجاً رباعياً للتوسع في أوروبا، حيث عززت صادراتها، واستحوذت على حصص في شركات محلية، ودخلت في مشاريع برأسمال مشترك، وأنشأت مصانع خاصة بها، سواء في الاتحاد الأوروبي أو في دول مجاورة مثل صربيا وتركيا والمغرب.

ورغم أن الصفقات الصينية لم تحظَ باهتمام كبير، فإن "استمرار عمليات الاستحواذ الصغيرة سيظل مصدراً للقلق البالغ لدى صانعي السياسات الأوروبيين"، كما صرح كبير محللي الأبحاث في شركة "روديوم"، أرماند ماير.

وقد منحت الخطط الأخيرة التي وضعتها بروكسل لفرض قواعد صارمة بشأن المحتوى المحلي، التي تشترط استخدام قطع غيار السيارات والعمالة المصنعة في أوروبا، الصينيين دافعاً إضافياً للاستثمار في الاتحاد الأوروبي.

وقال مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في شركة يابانية رائدة في توريد قطع غيار السيارات: "بالنسبة للموردين الصينيين، يعد الاستحواذ على الشركات الأوروبية وسيلة فعالة للغاية للحصول على قواعد إنتاج بسرعة" واكتساب صفة "صُنع في الاتحاد الأوروبي" دون الحاجة إلى بناء كل شيء من الصفر.

وكشف تحليل أجرته شركة "ساياري" لعينة من 62 كياناً مملوكاً للصينيين في سلسلة التوريد الألمانية، كيف كونت هذه الشركات تجمعات في مراكز صناعة السيارات الرئيسية في البلاد.

وعلق مسؤول في الاتحاد الأوروبي على ذلك قائلاً إن شركات تصنيع قطع الغيار الأوروبية ليست معروفةً على نطاق واسع، لكنها "توفر الكثير من فرص العمل على المستوى المحلي"، مضيفاً أن هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير تقيّد وصول الشركات الصينية إلى السوق، وفرض ضوابط على الاستثمارات الاستراتيجية، وذلك لاستكمال قواعد المحتوى المحلي الأكثر صرامة.

يوظّف هذا القطاع بشكلٍ مباشر حوالي 1.7 مليون شخص في أوروبا، وقد فقدت شركات تصنيع قطع الغيار، بما في ذلك "بوش" و"فاليو" و"فورفيا"، أكثر من 100 ألف وظيفة خلال العامين الماضيين، حسب بيانات "هيئة التجارة الأوروبية" (كليبا).

وفي الوقت نفسه، تجري شركات صناعة السيارات في المنطقة تدقيقاً متأنياً في عمليات الاستحواذ الصينية عن كثب، لأن تغيير الملكية قد يشكل مخاطر على سلسلة التوريد إذا كانت الشركة المُستحوذ عليها هي المورد الوحيد لقطع غيار مهمة، حسبما صرح الشريك في شركة "بورشه" للاستشارات، بنجامين بولاندر.

من جانبها، رصدت شركة "ساياري" عمليات استحواذ قامت بها 23 مجموعة صينية داخل ألمانيا، استحوذت خلالها على شركات تصنيع قطع غيار عالية التقنية ضمن سلسلة التوريد. وتشمل هذه الشركات مصنعي "جوانات" محركات السيارات الفاخرة، وأنظمة القيادة الذاتية، وهوائيات الاتصال اللاسلكي.

ويرى مسؤول تنفيذي في قطاع السيارات الأوربي أن شركة السيارات الصينية باتت تمتلك قائمة بمصنعي قطع الغيار الصينيين في أوروبا لضمان وجود موردين بدلاء.

وتزيد القيود الأمريكية المفروضة على الأجهزة والبرامج الصينية المستخدمة في السيارات من تعقيد مسألة ملكية الموردين. وتعد شركة "بيريللي" مثالاً على ذلك، حيث تبحث الحكومة الإيطالية، بالتعاون مع مساهمي الشركة، عن سبل لإنهاء مشاركة شركة "سينوكيم". وقد تتعرض "بيريللي" أيضاً لحظر دخول السوق الأمريكية بسبب حصة المجموعة الكيميائية الصينية فيها.

وبينما تتزايد المخاوف بشأن وجود الموردين الصينيين في أوروبا، يرى بعض المحللين أن معدل نجاحهم متفاوت. فالعديد منهم يعملون بهوامش ربح ضئيلة، في حين أن تصدير الكفاءات الهندسية المحلية وقدرات الخدمة إلى الصين يمثل تحدياً.

وتلفت الصحيفة البريطانية إلى انه من بين أبرز مصنعي قطع الغيار في الصين، توسع بعضهم في الخارج بناءً على طلب من شركات صناعة السيارات الغربية، وهو اتجاه تسارع مع سعي المزيد من المصنعين إلى خفض التكاليف عن طريق الشراء من موردين صينيين أرخص.

من بين هذه الشركات، شركة "يانفينج"، التي أسست في الأصل مشروعاً مشتركاً في الصين مع شركة "فورد" الأمريكية في عام 1994، واكتسبت خبرتها من عميلها الرئيسي "فولكس فاجن". ثم مهدت علاقاتها التجارية مع "جنرال موتورز" في الصين الطريق للإنتاج في الولايات المتحدة، حيث زودت أيضا شركة "تسلا".

وقال مسؤول تنفيذي سابق في يانفينج: "كانت جميع الشركات العالمية الكبرى، بما فيها ’مرسيدس بنز’ و’بي إم دبليو’، تشجع ’يانفينج’ على التوسع في الخارج".

وبدلاً من معارضة الاستحواذ على الشركة الموردة التي تخضع لإعادة هيكلة شاملة، كان مسؤولو قطاع السيارات حريصين على الاستفادة من دورة التطوير الصينية، حسب تصريح الرئيس التنفيذي لشركة "ليوني"، كلاوس رينربرجر، لصحيفة "فاينانشيال تايمز".

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان