موعودة له منذ 3000 عام

موعودة له منذ 3000 عامعاطف عبد الغني

الرأى16-8-2026 | 16:08

بشكل شعبوى ساخر تجلت عبقرية تفكيك الخطاب السياسي والديني الصهيوني، فى عبارة قصيرة مكثفة منتشرة على منصات (إكس، تيك توك، وإنستجرام) فى حسابات المستخدمين فى الغرب ومنطوقها: "PROMISED TO HIM 3,000 YEARS" وترجمتها: «موعودة له منذ 3000 عام»، وتحولت العبارة إلى شفرة «MEME» للسخرية والتهكم يُعاد استخدامها يوميًا لإسقاطها على شتى أنواع الإخفاقات والخسائر؛ بدءًا من الهزائم الرياضية فى ملاعب الكرة ، وصولاً إلى السجالات السياسية المعقدة، لكن يبقى أصل الاستخدام يشير إلى أكبر كذبة أسطورية، تتعلق بما أسماه " الصهاينة " أرض الميعاد التى وهبها "يهوه" رب الجنود العنصرى لعرق وسلسال اليهود منذ 3 آلاف عام، أما حكاية نقائهم العرقى فهذه أكذوبة أخرى من الأكاذيب الأسطورية التى يمنح بها اليهود لأنفسهم حقوقا ليست لهم وشرعية، وأدبيات تبرر احتلالهم لحقوق وأراضي العرب و الفلسطينين ، ومن هذه الأدبيات نصوص ووعود يزعمون أنها إلهية يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف عام (حقبة تدوين التوارة).

ومع اشتداد حرب الروايات على المنصات الرقمية فى الأعوام الأخيرة، بدأ نشطاء الجيل الجديد فى استخدام هذه الحجة الممسوخة ونزع الجدية عنها عبر توظيفها فى سياقات ساخرة تفضح تهافت منطقها القائم على استدعاء الماضي البعيد لتبرير الواقع السياسى والحقوقى الراهن، وهكذا انتشرت العبارة كالنار فى الهشيم على مواقع ومنصات "السوشيال ميديا".. والسؤال: ما هو سر انتشارها؟
الإجابة تتلخص فى عدد من العوامل تحكم وتتحكم فى ثقافة الإنترنت الحديثة ومستخدمى وسائل التواصل وهى كالتالى:

أولا: القدرة على التجريد والسخرية السوداء، التى تميز ثقافة «الكوميكس والـ MEMES» والقدرة على اختزال القضايا الشائكة فى جملة قصيرة واحدة، وعبارة "موعودة له منذ 3000 عام" تعبّر عن قضية ضخمة ومصيرية وتُسقطها ليس فقط على الصراع الإسرائيلى العربى، ولكن أيضا على قضايا تحمل تفاصيل يومية بسيطة وعابرة أو ما شابه ذلك، مما يخلق مفارقة كوميدية حادة بين أصل استخدام العبارة وتوظيفها الجديد.

ثانيا: العبارة شفرة رقمية (MEME) عابرة للغات والثقافات، انتشرت باللغات الأجنبية قبل العربية، وهذا الشيوع العالمي جعلها «لغة مشتركة» بين جيل الشباب (GEN Z) المناهض للانحيازات الغربية، حيث يسهل استخدامها فى التعليقات الموجهة للشخصيات العامة أو الفرق الرياضية أو الحسابات الإسرائيلية الرسمية.

ثالثا: تكمن قوة "الترند الرقمي" فى مرونته؛ فالجمهور لم يعد يستخدم الجملة فى السياسة فقط، بل نقلها إلى مجالات عديدة كما أسلفنا، وعلى سبيل المثال، عندما يرتكب لاعب إسرائيلي خطأ فى مباراة، أو يخسر فريقه، يتداول المشجعون العبارة كتعليق ساخر: «خسر مباراة كانت موعودة له منذ 3000 عام!»، للسخرية منه.

رابعا: تتجاوز العبارة خوارزميات الحجب والحظر على وسائل التواصل، فى ظل القيود التى تفرضها بعض المنصات على المصطلحات السياسية المباشرة، ويلجأ المستخدمون إلى أداة «رمزية ذكية» للتعبير عن مواقفهم وتوصيل رسائلهم.

وأخيرا فهذه العبارة تعكس بامتياز توظيف أدوات الإعلام الرقمى فى إدارة الصراعات (خاصة السياسية) على شبكة الإنترنت؛ وتوظيف ما يمكن أن نسميه: «السخرية الرقمية» سلاحًا نافذًا يمتلكه الجمهور لإضعاف السرديات التقليدية وكشف الأكاذيب وتعرية ازدواجية المعايير بأسلوب جذاب، سريع التأثير.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان