واصل الأزهر الشريف حملته التوعوية التي تستهدف تفنيد الأفكار المغلوطة وتصحيح المفاهيم الخاطئة ، ومواجهة الشبهات التي تثار حول الإسلام وسيرة النبي محمد ﷺ، من خلال طرح علمي يستند إلى الأدلة التاريخية والعقائدية .

وفي هذا السياق، فنّد الدكتور معاذ شلبي ، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، مزاعم تدعي أن النبي محمد ﷺ كان قبل البعثة على مذهب أريوس ، ثم ترك الأريوسية وأسس الإسلام، مؤكدًا أن هذه الدعوى لا تستند إلى أي دليل تاريخي مباشر أو وثيقة معاصرة تثبت انتساب النبي ﷺ إلى هذا المذهب.
وأوضح أن أريوس عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي، وتوفي نحو عام 336م ، بينما وُلد النبي ﷺ بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون، فضلًا عن غياب أي دليل تاريخي على وجود تأثير أريوسي في البيئة التي نشأ فيها النبي ﷺ بمكة.
وأشار إلى أن المصادر المسيحية واليهودية القريبة من عصر ظهور الإسلام لم تنسب للنبي ﷺ أي صلة بالأريوسية، كما أن خصومه المعاصرين، الذين سعوا إلى الطعن في دعوته، لم يتهموه قط بالتأثر بأريوس، رغم تعدد الاتهامات التي وجهوها إليه.
وبيّن أن التشابه في بعض الأفكار، كرفض تأليه المسيح عليه السلام وتعظيم وحدانية الله تعالى، لا يعني بالضرورة وجود علاقة تأثير أو تبعية تاريخية، موضحًا أن الإسلام يقرر أصلًا وحدة دعوة الأنبياء جميعًا إلى توحيد الله تعالى، وأن اتفاق بعض التعاليم مع ما قاله أريوس لا يجعل الإسلام امتدادًا لمذهبه.
كما أوضح أن ما ورد في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل من قوله: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين»، لا يدل على أتباع أريوس؛ إذ إن الراجح عند جماهير العلماء، ومنهم الإمام النووي والحافظ ابن حجر، أن المقصود بـ«الأريسيين» الفلاحون والعامة، وأن الكلمة ذات أصل سرياني وآرامي، ولا علاقة لها باسم أريوس.
وأكد الدكتور معاذ شلبي أن أريوس لم يكن صاحب شريعة أو منظومة دينية متكاملة، وإنما كان صاحب رأي لاهوتي داخل الإطار المسيحي، في حين جاء الإسلام بعقيدة وعبادة وأخلاق وتشريعات متكاملة تنظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات بين الأمم.
واختتم بالتأكيد على أن دعوى تأثر النبي ﷺ بالأريوسية تفتقر إلى السند التاريخي، في ظل الفارق الزمني والمكاني الكبير بين أريوس والنبي ﷺ، وغياب أي مصدر معاصر يثبت هذه الدعوى، مشددًا على ضرورة التمييز بين مجرد التشابه في بعض الأفكار وبين إثبات التأثر التاريخي القائم على الأدلة والبراهين.