حكايتي مع الدكتور شديد !

حكايتي مع الدكتور شديد !محمد رفعت

الرأى23-8-2026 | 16:43

قبل وفاته بشهور قليلة، اصطحبني صديقي المصور الفنان محمد حنفي إلى بنسيون متواضع جداً فى منطقة بولاق أبو العلا، للقاء الفنان الكوميدي الراحل محمد فرحات عمر والشهير بالدكتور شديد.

كان الدكتور شديد حاصلاً على دكتوراه فى الفلسفة ، وصديقاً لكبار نجوم الفكر والفن والثقافة وعلى رأسهم المفكر الكبير الراحل الدكتور فؤاد زكريا، وحدثني بصراحة مطلقة عن حياته، وعن السنوات التسع التي قضاها فى العمل كمترجم بهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، لمدة تسع سنوات بعد ابتعاده عن التمثيل، كما حدثني عن زواجه بإبنة رئيس وزراء من عهد الملك فاروق، وكيف تم طلاقهما فى ظروف صعبة، أفقدته الثقة فى نفسه كما أفقدته الرغبة فى الحياة، وأصابته بالحزن الشديد والإحباط.

وهالني الحالة المزرية التي رأيته عليها خلال إقامته فى هذا البنسيون المتواضع، حيث كان يرتدى «بيجامة قديمة ومهترئة» وينظر لي ولزميلي المُصور بعيون زائغة ويضحك بطريقة هستيرية، لكن ضحكته كانت تحمل شيئاً من الحزن الخفي، وشعوراً بالوحدة الكئيبة التي رافقته فى أيامه الأخيرة.

أراني الدكتور شديد صوره مع المونولوجيست حسام المنياوي، الذي عمل مساعداً له فى أواخر حياته، وكان يستغل إفيهات الدكتور الشهيرة فى الأفلام، مثل " يارب يا خويا يارب" و" وماله يا اخويا" و"ضلمه..أنا بُقي ضلمه"، لإضحاك الجمهور، ولمحت فى عينيه نظرات يختلط فيها الألم والخجل، بعد أن تحول إلى مجرد "سنيد" بائس لمونولوجيست نصف معروف، يستغل تاريخه فى برنامج " ساعة لقلبك " وأفلام كوميدية شهيرة شارك فيها مع عمالقة الزمن الجميل لتقديم "نمرة" فى ملهى ليلي!

وشعرت بحزن شديد وأنا أراه يختتم أيامه وحيداً فى فندق متواضع، لا يزوره أحد ولا يسأل عنه أحد، ورغم استضافته فى العديد من البرامج التليفزيونية بعد نشر حواري معه فى مجلة أكتوبر ، إلا أن حاله لم يتغير كثيراً، ولم تساعده نقابة الفنانين- وقتها- فى الحصول على مسكن كريم كما حدث مع آخرين عانوا الفقر والمرض فى أواخر حياتهم، ويعيشون الآن فى دار رعاية كبار الفنانين التي تم افتتاحها منذ سنوات، ويقيم بها فنانون كبار، ومنهم محيي إسماعيل ونبيل نورالدين.

هذه النهاية المأساوية تثير دائماً في نفسي سؤالاً مؤلماً، وهو لماذا يرحل من يرسمون الابتسامات على شفاهنا غالباً وهم يغرقون فى الحزن ويعانون الفقر والمرض والتجاهل والنسيان؟

ويبدو أن الأجيال الجديدة من الفنانين قد تعلموا الدرس، وأصبحوا أكثر حظاً ووعياً من الجيل القديم، والذين انتهت حياتهم نهايات مأساوية مثل الفنانين الكبار عبدالفتاح القصري ورياض القصبجي وزينات صدقي، وباتوا يعرفون قيمة الاستثمار وإدارة المال، ويفتتح معظمهم مشروعات تجارية تدر عليهم أرباحاً، وتوفر لهم مصادر دخل بديلة فى حال لم يعودوا مطلوبين فى الأعمال الفنية ، أو انصرف عنهم الجمهور والمخرجون والمنتجون.

أضف تعليق

من الضبعة إلى النيل.. كيف تدار حرب الشائعات ضد مصر ؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان