ليس المهم فى بيان وزير الدولة للإعلام، الكاتب الصحفى ضياء رشوان ، أنه تحدث عن هموم الصحافة و الإعلام ، فهذه الهموم معروفة ومطروحة منذ سنوات، وإنما أهميته الحقيقية أنه جاء فى لحظة تحتاج فيها مصر إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام، وإلى الانتقال من الحديث عن أزمات المهنة إلى بناء منظومة قادرة على أداء دورها الوطني والمهني فى آن واحد.
البيان الذي وصفه الوزير بأنه «فضفضة» ضرورية واقتراحات من زميل قديم للمهنة، حمل فى جوهره 6رسائل شديدة الأهمية، وهي فتح المجال أمام الحوار الموضوعي والرأي والرأي الآخر، تنشيط الحياة السياسية والحزبية، إعادة المواطن إلى قلب المشهد الإعلامي، استعادة الثقافة لدورها، حماية حرية الصحافة مع الالتزام بالمسؤولية المهنية والقانون، ثم بناء وعي عام بحجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، وهذه ليست ملفات منفصلة، بل حلقات فى منظومة واحدة عنوانها الأكبر كيف يصبح الإعلام قوة حقيقية فى بناء الوعي وحماية المجتمع والدولة؟
أهم ما فى دعوة الوزير لتنفيذ توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعقد اجتماع سنوي للإعلام، أنها يمكن أن تؤسس لمسار جديد لمراجعة أحوال المهنة بصورة منتظمة، بدل أن تظل معالجة مشكلاتها مرتبطة بالأزمات أو المناسبات،لكن نجاح الفكرة يتطلب ألا يتحول اجتماع 3 ديسمبر إلى مؤتمر سنوي لإلقاء الكلمات، وإنما إلى آلية مؤسسية للمراجعة والمساءلة وقياس النتائج.
«المرجو»، أن يسبق الاجتماع تقرير سنوي شامل عن حالة الإعلام ، يتضمن مؤشرات واضحة عن حرية الصحافة ، والتزام المهنية، والتدريب، والتحول الرقمي، والأوضاع الاقتصادية للمؤسسات، ومدى وصول المحتوى إلى الجمهور، ومستوى ثقة المواطنين فى وسائل الإعلام، وأبرز التحديات التي تواجه الصحافة والإعلام، ويجب أن تتحول توصيات الاجتماع إلى جدول زمني للتنفيذ، تحدد فيه المسؤوليات والجهات والنتائج المستهدفة، ثم يبدأ الاجتماع التالي بمراجعة ما تحقق وما لم يتحقق وأسباب ذلك.
أما الرسالة الثانية شديدة الأهمية هي إعادة المواطن إلى قلب العملية الإعلامية، فلقد أثبتت منظومة الشكاوى الحكومية وصفحة وزارة الداخلية على مواقع التواصل أن المواطن عندما يجد قناة مباشرة وفعالة للوصول إلى الدولة، فإنه يستخدمها بكثافة، وهنا يمكن للإعلام أن ينتقل من مجرد نقل شكاوى المواطنين إلى منظومة احترافية للرصد والمتابعة والتحقق والحل.
ومن هنا يمكن لكل مؤسسة صحفية إنشاء «مرصد المواطن»، يستقبل الشكاوى والقضايا المحلية، ثم يصنفها ويحقق فيها ويتواصل مع الجهات المعنية ويتابع نتائجها وينشر ما تم إنجازه، وهكذا لا يصبح الإعلام مجرد ناقل لصوت المواطن، وإنما يتحول إلى جسر بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وفى المقابل فإن هذا الدور يحتاج إلى قواعد صارمة تمنع تحويل المنصات الإعلامية إلى ساحات للتشهير أو تصفية الحسابات، فكل شكوى تحتاج إلى تحقق، وكل اتهام يحتاج إلى دليل، وكل مسئول يجب أن تتاح له فرصة الرد.
ومن حسن الطالع أن تلتقي دعوة الوزير مع جوهر سلسلة «لماذا لا نروي روايتنا؟» التي طرحتها خلال الأسابيع الماضية على صفحات «أكتوبر»، فالمشكلة ليست أن العالم يتحدث عن مصر فقط، إنما فى أن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغًا، فإذا لم تملأه الرواية المهنية فى الوقت المناسب، فسوف تملؤه روايات أخرى، وامتلاك الرواية لا يعني أن تتحدث الدولة وحدها، ولا أن تتحول المؤسسات الإعلامية إلى مكبرات صوت للبيانات الرسمية،فالرواية الوطنية القوية تبدأ من الحقيقة، وتستند إلى المعلومات، وتخضع للتحليل المهني، وتعرض الوقائع كاملة، وتعترف بما لا تعرفه، وتفرق بوضوح بين الخبر والتحليل والرأي.
وهذا يتطلب إنشاء مراكز إعلامية متخصصة لإدارة الأزمات والمعلومات داخل المؤسسات الكبرى، تضم صحفيين ومحللين وخبراء بيانات واتصال رقمي، بحيث تستطيع المؤسسة خلال الساعات الأولى لأي أزمة أن تجمع المعلومات وتتحقق منها وتنتج محتوى يجيب عن أسئلة الجمهور، فالسرعة اليوم جزء من المصداقية.
أما دعوة الوزير إلى استعادة الاهتمام بالثقافة، فهي فى الحقيقة أبعد من مجرد زيادة الصفحات والبرامج الثقافية، فمصر تمتلك رصيدًا هائلًا من القوة الناعمة (الأدب، والموسيقى، والمسرح، والسينما، والفنون الشعبية، والتراث، والعمارة، والحرف، والشخصيات المصرية المؤثرة فى مختلف المحافظات)، لذلك مطلوب إنشاء خريطة إعلامية للثقافة المصرية، تكشف المواهب والأماكن والرموز والحكايات المحلية، وتحوّلها إلى محتوى جذاب يصل إلى الأجيال الجديدة، خصوصًا عبر المنصات الرقمية، وهنا يمكن للإعلام القومي أن يلعب دورًا لا تستطيع المنصات التجارية وحدها القيام به، وهو حفظ الذاكرة الوطنية وتحويلها إلى محتوى معاصر قابل للتداول والتأثير.
وعودة للبيان، فإن الفقرة الخامسة منه ربما تكون الأكثر حساسية، لأنها تضع العلاقة الصحيحة بين الحرية والمسئولية، فحرية الرأي والتعبير ليست نقيضًا للمسؤولية، كما أن المسؤولية ليست ذريعة لتقييد الرأي، المعادلة الصحيحة هي أن الحرية تحميها المهنية، والمهنية تحميها القواعد، والقواعد يحكمها الدستور والقانون، ولهذا تحتاج المؤسسات إلى مراجعة حقيقية لآليات العمل التحريري، عبر وحدات تحقق من المعلومات، مدونات سلوك مهنية، قواعد واضحة للتعامل مع المصادر المجهلة، فصل الخبر عن الرأي، وآليات سريعة لتصحيح الأخطاء، ومن الضروري كذلك الاستثمار فى الصحفى نفسه، لأن الإعلام الجديد يحتاج إلى صحفى يعرف البحث والتحقق وتحليل البيانات، ويستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، ويفهم خوارزميات المنصات، دون أن يفقد أساسيات المهنة.
وهنا نصل إلى أحد أهم الاستحقاقات التي ناقشتها عبر «أكتوبر» فى مقال تطوير المؤسسات الصحفية القومية، هذه المؤسسات لا تحتاج إلى مجرد إنقاذ مالي أو إعادة هيكلة إدارية، وإنما إلى إعادة تعريف وظيفتها فى العصر الرقمي، فالمؤسسة الصحفية القومية يجب أن تكون بيت خبرة وطنيًا يمتلك غرف أخبار حديثة، ومراكز أبحاث، ووحدات تحقق، وأرشيفًا رقميًا، ومنصات متعددة، وبرامج تدريب مستمرة، وقدرة على إنتاج الفيديو والبودكاست والإنفوغراف والتحقيقات المتخصصة.
والإصلاح الاقتصادي جزء أساسي من ذلك، فلا يمكن أن نطالب الصحفى بالإبداع بينما المؤسسة عاجزة عن تمويل التطوير، ولا يمكن بناء إعلام قوي دون نموذج اقتصادي مستدام يقوم على تنويع الإيرادات، وتطوير المحتوى المتخصص، واستثمار الأرشيف، وتنمية الإعلانات الرقمية، والشراكات المهنية، مع الحفاظ على الاستقلال التحريري، ولقد طرحت فى المقال نفسه أن المؤسسات القومية يمكن أن تكون «الدرع والسيف» فى معركة البناء والوجود، واليوم يمكن إضافة وظيفة ثالثة، أن تكون العقل الذي يجمع المعلومات ويحللها ويشرحها للمجتمع.
ومن هنا تبرز أيضًا الفكرة التي ناقشتها المجلة فى مقال «استراتيجية وطنية للمشروعات القومية»، لأن الإعلام الذي يتعامل مع المشروع القومي باعتباره خبر افتتاح أو رقم تكلفة فقط، يفقد الجزء الأهم من مهمته، فالمواطن يريد أن يعرف لماذا أنشئ المشروع؟ ماذا سيضيف؟ كم تكلف؟ ما العائد المتوقع؟ كيف سيؤثر فى حياته؟ وما الذي تحقق بالفعل؟، وهنا يمكن إنشاء وحدات إعلامية متخصصة فى شرح المشروعات القومية، تعمل على إنتاج قواعد بيانات وخرائط زمنية ومواد تفسيرية، وتتابع مؤشرات الإنجاز، وتستضيف الخبراء، وتعرض النتائج بموضوعية، هذه هي الطريقة التي يتحول بها الإعلام من «تغطية المشروعات» إلى بناء فهم مجتمعي لها.
أما الرسالة السادسة فى بيان الوزير تضع الإعلام أمام مسؤوليته فى مواجهة التحديات التي تحيط بمصر، ولا يمكن بناء حائط صد إعلامي بالخطاب التعبوي وحده، فالحائط الحقيقي تصنعه المعلومة الصحيحة، والتحليل العميق، وسرعة الاستجابة، وتعدد الأصوات، والثقة، والمجتمع الذي يثق فى إعلامه لا تسقطه بسهولة شائعة أو حملة تضليل، والمواطن الذي يجد إعلامًا يجيب عن أسئلته، وينقل مشكلاته، ويشرح له ما يجري حوله، ويعترف له بالحقيقة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين النقد والتشويه، وبين الاختلاف والاستقطاب، وبين المعلومة والدعاية، وهنا تتضح أهمية ما طرحه وزير الدولة للإعلام عبر «فضفضته»، فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى إعلام أكثر صوتًا، وإنما إلى إعلام أكثر تأثيرًا.
البيان إذن يمكن أن يكون نقطة بداية لا خاتمة،والمطلوب الآن أن تتحول أفكاره الست إلى مشروع وطني واضح لتطوير الإعلام ، له أهداف ومؤشرات ومواعيد ومسؤوليات، نحتاج إلى «مجلس مهني دائم» يضم ممثلين عن المؤسسات الصحفية والإعلامية والهيئات المختصة، وإلى تقرير سنوي لحالة الإعلام، وإلى منظومة وطنية للتدريب، ومراكز للتحقق وإدارة الأزمات، ومرصد لصوت المواطن، وخطة للتحول الرقمي، واستراتيجية لاستعادة المحتوى الثقافى، وبرامج لتطوير المؤسسات القومية اقتصاديًا وتحريريًا وتكنولوجيًا.
والأهم أن نعيد الاعتبار لفكرة بسيطة -لكنها شديدة العمق- وهي أن الإعلام ليس قطاعًا خدميًا هامشيًا، وإنما أحد مكونات القوة الوطنية للدولة، فلقد أثبتت السنوات الماضية أن الدول لا تواجه الأزمات بالجيوش والاقتصادات فقط، وإنما تواجهها أيضًا بقدرتها على تفسير ما يحدث، وإقناع مواطنيها، ومخاطبة العالم، وحماية الحقيقة من التزييف، ومن هنا فإن السؤال لم يعد «هل نحتاج إلى إعلام قوى؟».. الإجابة محسومة.
إنما السؤال الحقيقى هو: هل نستطيع أن نبني إعلامًا مصريًا يسبق الحدث لا أن يلحق به، يصنع الفهم لا يكتفى بنقل الخبر، يسمع المواطن قبل أن يتحدث عنه، ويمتلك أدوات رواية مصر للعالم كما هي، لا كما يريد الآخرون أن تكون؟.. تلك هي المهمة التي تبدأ من «فضفضة» ضرورية، لكنها يجب ألا تنتهي عندها.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن