مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى لـ الكونجرس الأمريكي المقررة فى نوفمبر المقبل، يواجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تحديات داخلية وخارجية متشابكة، تأتى فى مقدمتها الحرب على إيران، بالإضافة إلى الملفات الاقتصادية، وقضايا الهجرة والحدود.
وأجمع مراقبون على أن المعركة الانتخابية المرتقبة لا تقتصر على التنافس على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، بل تمثل اختبارًا مباشرًا لقدرة الإدارة الأمريكية على الحفاظ على نفوذها التشريعي، وتمرير أولوياتها الاقتصادية والأمنية خلال السنوات المقبلة.
قبل نحو 100 يوم على تلك الانتخابات ، انخفضت نسبة التأييد للرئيس الأمريكى بشكل كبير، ففى استطلاع أجرته «رويترز/ إيبسوس»، تراجعت نسبة التأييد ل ترامب إلى 35%، وفى استطلاع آخر لجامعة كوينيبياك، هبط التأييد للرئيس ليصل إلى 32% فقط، ورأى 68% من الناخبين أنه لا يركز بما يكفى على مشكلاتهم. ما يعرض الجمهوريين لخسارة أحد مجلسى الكونجرس أو كليهما، وهو ما قد يحول ترامب إلى ما يعرف سياسيًا بـ «البطة العرجاء»، كرئيس يملك الصلاحيات الدستورية، لكنه يفقد القدرة الفعلية على تمرير أجندته التشريعية.
وتأتى الحرب على إيران كأبرز أزمة تواجه الرئيس ترامب قبل الانتخابات. وفى هذا السياق، ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية، فى تقرير بعنوان «إيران تخطط لتوجيه ضربة قوية ل ترامب فى انتخابات التجديد النصفى من خلال إبقائه متورطًا فى الحرب»، أنه من خلال تعمّد إطالة أمد المفاوضات، تهدف إيران إلى إلحاق ضرر سياسى بالرئيس الأمريكى.
وذكرت الصحيفة، أن طهران وضعت جدولاً زمنيًا مطولًا للمفاوضات، صُمّم لإبقاء ترامب متورطًا فى الصراع حتى انتخابات التجديد النصفى، أملاً فى إلحاق ضربة مدمرة لرئاسته، على غرار ما عانى منه الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، بسبب أزمة احتجاز الرهائن فى السفارة الأمريكية خلال الفترة 1979-1981.
ورأت الصحيفة، أن كثيرين داخل إيران يرون أن إلحاق ضربة ثأرية قوية ل ترامب يعد هدفًا مشروعاً قائمًا بذاته من بين أهداف الحرب، فإذا نجحت طهران فى فرض رؤيتها، فسيتوجه ترامب إلى صناديق الاقتراع من دون أى التزام إيرانى بشأن الأسلحة النووية، وليس أمامه سوى فاتورة اقتصادية باهظة لحرب فاشلة.
أما شبكة «سى إن إن» الأمريكية، فذكرت أن تأثير الحرب على أسعار الطاقة يزيد من تدهور نظرة الناخبين للاقتصاد، مضيفة، لقد دخل الأمر فى حلقة مفرغة، حيث يبحث الرؤساء والمسئولون فى البيانات عن بصيص أمل، لكن الناخبين لا يرون سوى لامبالاة بمعاناتهم.
وإضافة إلى الحرب على إيران، يواجه ترامب معركة أخرى تتعلق بمجلس الاحتياطى الفيدرالى (البنك المركزى الأمريكى)، حيث أعاد الرئيس إشعال معركة استقلال الاحتياطى الفيدرالى، من بوابة «ليزا كوك» عضوة مجلس محافظى الاحتياطى الفيدرالى، مهددًا بإقالتها بعد نحو شهر من قرار المحكمة العليا الذى عرقل محاولته السابقة لعزلها، على خلفية اتهامات لم تُثبت أمام القضاء تتعلق باحتيال مزعوم فى قروض عقارية.
وحسب وكالة «بلومبرج»، أبلغ البيت الأبيض كوك، بأن ترامب يدرس إقالتها، ومنحها مهلة حتى 26 أغسطس الجارى للرد على الاتهامات التى وجهتها إليها الإدارة الأمريكية.
وذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، أن الضغط المتجدد على كوك يعيد القلق بشأن استقلال أهم بنك مركزى فى العالم، فى ظل هجمات ترامب السابقة على «جيروم باول» رئيس الاحتياطى الفيدرالى السابق بسبب رفضه خفض كلفة الاقتراض، ونقلت الصحيفة عن محامى كوك قوله إن الاتهامات «بلا أساس»، وإن الإجراء محاولة جديدة للتدخل فى استقلال الفيدرالى.
الرسوم الجمركية أزمة أخرى يواجهها ترامب فى الوقت الحالى، وطبقًا لصحيفة «ذا هيل» الأمريكية، يواصل الرئيس البحث عن أبواب قانونية بديلة بعد أن أسقطت المحكمة العليا رسوم «يوم التحرير» التى فرضها ترامب بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية. وقد عادت الإدارة الأمريكية برسوم عالمية جديدة هذه المرة على أساس انتهاكات العمل القسرى.
ومن المعارك المستمرة التى يواجهها ترامب، حق المواطنة بالولادة، فبعد أسابيع من رفض المحكمة العليا محاولته السابقة لإنهاء هذا الحق، يحاول الرئيس مرة أخرى تقليص نطاق حق المواطنة بالولادة فى الولايات المتحدة، حيث وقًع أمرين تنفيذيين، أحدهما يوسّع التعريفات الحالية لفئات غير المواطنين الذين لا يكون أطفالهم مؤهلين للحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيًا بالولادة، أما الأمر التنفيذى الثانى فيحظر ما يُعرف بــ «سياحة الولادة»، وهى ممارسة تلجأ فيها نساء حوامل إلى السفر إلى الولايات المتحدة للولادة هناك بهدف حصول أطفالهن على الجنسية الأمريكية، وذكرت صحيفة «ذا هيل» أن الأوامر الجديدة سوف تفتح باب معارك قضائية أخرى.
والسؤال هنا: هل تؤدى تلك التحديات وغيرها إلى خسارة ترامب والجمهوريين لانتخابات التجديد النصفى؟ فى هذا السياق، ذكر موقع «أكسيوس» الأمريكى أن كبار الجمهوريين فى الكونجرس يرون أن تراجع شعبية ترامب قد يقود إلى خسارة مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ، بينما يحثه بعضهم بهدوء على الانتقال إلى قضايا الاقتصاد وكلفة المعيشة.
يذكر أن الجمهوريين يسيطرون حاليًا على مجلسى النواب والشيوخ، لكن فى حال خسر الجمهوريون مجلس النواب، يمكن للجان البرلمانية التى يسيطر عليها الديمقراطيون فتح تحقيقات واسعة فى أداء الإدارة وسياساتها، كما بدأ بعض الديمقراطيون بالفعل فى مناقشة إمكانية إطلاق إجراءات لعزل ترامب، رغم أن فرص استكمال هذه العملية تبقى محدودة.