الانتخابات الإسرائيلية .. أزمات داخلية ومعارضة تبحث عن التحالفات

الانتخابات الإسرائيلية .. أزمات داخلية ومعارضة تبحث عن التحالفاتالانتخابات الإسرائيلية

رغم صعوبة التنبؤ بنتائج انتخابات الكنيست المقبلة، وخاصة فى هذه المرحلة المبكرة، إلا أن تقارير الصحف الإسرائيلية تشير إلى أن اهتمامات الناخبين الإسرائيليين هذه المرة ستكون بعيدة تماما عن المسائل المتعلقة باحتلال قطاع غزة أو وجود حماس أو الضفة أو حتى حل الدولتين، بل تتجه كل المؤشرات إلى قضايا وملفات الداخل الإسرائيلى مثل قانون التجنيد الإجباري للحريديم اليهود ، فى حين شهدت الأسابيع القليلة الماضية سلسلة من الإعلانات من قبل سياسيين قوميين ساخطين، بشأن تأسيس أحزاب جديدة تهدف إلى سحب الأصوات من حزب الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، وفرض حل وسط مع أحزاب المعارضة الصهيونية لتشكيل ما وصفه أحدهم بأنه «حكومة وحدة صهيونية واسعة»، فى الوقت الذى يشهد فيه الليكود نفسه حركة تمرد داخلية.

استطلاعات الرأى الأخيرة، أشارت كذلك إلى أن معسكر نتنياهو سيفوز بعدد يتراوح ما بين 49 و52 من أصل 120 مقعدًا فى الكنيست، بينما يتوقع أن تحصل أحزاب المعارضة الصهيونية على ما بين 56 و60 مقعدًا، أما الأحزاب العربية، فمن المتوقع أن تفوز بحوالى 10 إلى 11 مقعدًا، وهو ما يعنى أن معسكر معارضة نتنياهو لن يستطيع تشكيل الحكومة المقبلة دون الاعتماد على أحد الأحزاب العربية.

وذكرت صحيفة «هآرتس»، أن العديد من الأحزاب والائتلافات التى تكونت مؤخرا تشكلت بغرض الإطاحة بنتنياهو، ورغم أن خريطة التحالفات الحزبية للانتخابات لا تزال قيد التشكيل، حيث من المتوقع أن تقدم الأحزاب قوائمها الانتخابية النهائية إلى لجنة الانتخابات المركزية بحلول 8 سبتمبر المقبل، إلا أن معظم الأحزاب والقوى السياسية بدأت بالفعل فى وضع خططها قبل الإعلان، متوقعةً تقديم موعد الانتخابات بسبب الصعوبات التى تواجه حكومة نتنياهو.

فى هذا السياق، أسس اليسار الصهيونى فى السنوات الأخيرة، كيانا سياسيا موحدا يضم حزبى العمل وميرتس، والذى نتج عنه حزب جديد باسم «الديمقراطيون» بقيادة يائير جولان نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلى السابق، واتفق الحزبان على تخصيص مقاعد لميرتس فى القائمة الانتخابية، واختارا هذه القائمة فى 20 يوليو 2026، فى عملية شارك فيها 97 ألف عضو، يمثلون 86% من إجمالى أعضاء الحزب.

كما ظهر حزب بيحاد (معًا) وهو تحالف انتخابى أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق نفتالى بينيت ورئيس المعارضة يائير لبيد فى 26 أبريل 2026، عبر دمج «بينيت 2026» و»يش عتيد»، ويقود بينيت القائمة، بينما يشغل لبيد موقعًا قياديًا فيها. وجاء تأسيسها تحديدًا بهدف إنهاء تشتت المعسكر المناهض لنتنياهو والدخول إلى الانتخابات بقوة قادرة على منافسة الليكود.

المشكلة الكبرى أمام معارضى نتنياهو ليست بالضرورة شعبيته وحدها، وإنما تعدد الأحزاب المنافسة له وتوزيع أصوات الناخبين بينها، لذا حاول بينيت ولبيد تقديم تحالف «معاً» باعتباره إطارًا واسعًا يمكن أن يجمع ناخبين من اليمين والوسط والليبراليين، بدلا من أن يخوض كل حزب معركة منفصلة.

وهناك كذلك حزب «يشار» الذى أسسه رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلى السابق جادى آيزنكوت، أكبر المنافسين لنتنياهو فى الانتخابات المقبلة على منصب رئيس الوزراء، وتظهر استطلاعات الرأى الأخيرة مدى سرعة صعوده، ففى استطلاع نشرته «معاريف» فى يوليو الماضى، حصل حزب «يشار» على 23 مقعدًا مقابل 20 لليكود. وفى استطلاع أحدث فى أغسطس، واصل حزب آيزنكوت تقدمه على الليكود، وأصبح الخطر الذى يمثله آيزنكوت على نتنياهو لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التى يمكن أن يحصل عليها «يشار»، وإنما بقدرته على إعادة توزيع أصوات الناخبين داخل المعسكر الصهيونى المناهض لنتنياهو.

أما حزب «إسرائيل بيتنا»، بقيادة أفيجدور ليبرمان، والذى يتألف فى معظمه من ناخبين يهود هاجروا إلى إسرائيل من الاتحاد السوفيتى السابق، فلم يعلن حتى الآن عن قائمته الانتخابية. ومن المرجح أن يخوض الحزب انتخابات الكنيست بشكل مستقل، منفصلاً عن حزبى «بيحاد» و«يشار».

وحسب صحيفة «هآرتس»، من المتوقع ظهور قوائم انتخابية جديدة، يقودها نشطاء انشقوا عن حزب الليكود الذى يتزعمه نتنياهو (أو يعتزمون الانشقاق عنه) بسبب خلافات مع رئيس الوزراء، أو نشطاء من حزب أزرق أبيض (بقيادة زعيم المعارضة السابق بينى جانتس) أو أحزاب أخرى، جميعهم يسعون إلى إيجاد موقع وسط بين معسكر نتنياهو والمعارضة، ففى يوليو الماضى، أسس عضو الكنيست هيلى تروبر، الوزير السابق الذى انشق عن حزب أزرق أبيض، حزباً سياسياً جديداً باسم «بيت تسيونى - هاميلومنيكم» (البيت الصهيونى - الاحتياطيون).

كما ظهر معسكر ائتلاف نتنياهو، الذى جاء به استعدادًا لانتخابات الكنيست، بتوطيد سيطرته على حزب الليكود وقائمته الانتخابية. ولتحقيق هذه الغاية، أصرّ على أن يمنحه مؤتمر الحزب صلاحية تعيين 8 مرشحين ضمن أول 30 مركزًا فى قائمة الليكود. وقد وافق المؤتمر على طلب نتنياهو، مانحًا إياه الحق فى تعيين شخصيتين ضمن المراكز الـ10 الأولى، و3 شخصيات أخرى ضمن المراكز الـ10 الثانية، و3 شخصيات أخرى ضمن المراكز الـ10 الثالثة، الأمر الذى تسبب الآن فى زيادة الفجوة داخل حزب الليكود بعد تشكيل قائمته الانتخابية الأسبوع الماضى، وأصبح يشهد منافسة شرسة بين قادة الحزب على المناصب العليا.

يأتى هذا فى الوقت الذى شكل فيه حزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، فى يوليو الماضى، قائمته الانتخابية للكنيست، والتى حصدت فيها شخصياته الأكثر تطرفاً المراكز الأولى. ولا يُجرى حزب القوة اليهودية (عوتسما يهوديت)، بقيادة إيتمار بن جفير، ولا حزبا شاس ويهودية التوراة المتحدة، انتخابات داخلية لتحديد قوائمها الانتخابية، إذ يُعيّن بن جفير قائمته مباشرةً، بينما تُعيّن القيادات الدينية لحزبى شاس ويهودية التوراة المتحدة قوائمها الخاصة.

وفيما يتعلق بالأحزاب العربية فى إسرائيل، أظهرت التجربة الانتخابية خلال السنوات القليلة الماضية أنها تحقق تمثيلاً برلمانياً أكبر عندما تخوض انتخابات الكنيست بقائمة مشتركة، ويعود ذلك إلى ارتفاع نسبة إقبال الناخبين العرب بشكل ملحوظ عندما تخوض الأحزاب العربية الانتخابات بقائمة مشتركة، فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة المشاركة العربية 64.8% خلال انتخابات 2020، بينما انخفضت إلى 44.6% عام 2021، عندما خاضت الأحزاب انتخابات الكنيست بقائمتين منفصلتين، واستجابة للطلب الشعبى لدولة الاحتلال وقّعت الأحزاب العربية فى أوائل عام 2026 اتفاقًا مبدئيًا لتشكيل قائمة مشتركة، إلا أن منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة (الرعام)، الذى يسعى إلى ضم حزبه إلى الائتلاف الحاكم، تراجع لاحقًا عن التزامه بالترشح على هذه القائمة، لاعتقاده بأن الترشح على قائمة مشتركة مع أحزاب عربية أخرى سيقلل من فرص حزبه فى الانضمام إلى الائتلاف الحكومى، كما أنه يسعى لضم عضو الكنيست عن حزب يش عتيد، ورجل الشرطة المتقاعد يوآف سيجالوفيتز، الذى شغل سابقًا منصب نائب وزير الأمن الداخلى فى «حكومة التغيير».

يأتى هذا فى الوقت الذى يواجه فيه حزب الليكود تصاعداً كبيرًا فى حالات التمرد والانقسامات، حيث أكد باحثون إسرائيليون، كما جاء فى صحيفة «إسرائيل اليوم»، أن حزب الليكود قد يواجه معركة انتخابية أشدّ صعوبة إذا اختار أعضاؤه البالغ عددهم 140 ألفًا قائمة مرشحين شعبويين من اليمين المتشدد، فى وقت تُظهر فيه استطلاعات الرأى أن المزيد من ناخبيه التقليديين يرغبون فى التوجه نحو الوسط السياسى.

ويقول المحلل نمرود نير، من مختبرات أجام التابعة للجامعة العبرية: «اتسعت الفجوة بشكل كبير بين أعضاء حزب الليكود وناخبيه وعامة الشعب، وقد يكون لهذا تأثير بالغ على قدرة نتنياهو على الفوز».

وذكرت «هآرتس»، أن استطلاعا للرأى أجرته مختبرات أجام فى 11 أغسطس، أظهر أن أكثر من نصف ناخبى الليكود 54.9% يرغبون فى حكومة أكثر وسطية من ائتلاف نتنياهو الحالى، الذى يضم أحزابًا يهودية متشددة وأحزابًا قومية.

وتقول «إسرائيل اليوم»، إن نتنياهو يسعى جاهداً لاستقطاب مرشحين أكثر اعتدالاً، لموازنة الشعبويين الذين اكتسبوا زخماً فى الانتخابات التمهيدية لليكود، وقد يظل الليكود الحزب الأكبر فى انتخابات أكتوبر المقبل، لكن تراجع حصته من المقاعد، وانقسامه الداخلى، وصعود آيزنكوت وتكتلات يمين الوسط، قد تجعل نتنياهو عاجزًا عن تحويل فوزه النسبى إلى حكومة تملك 61 مقعدًا، موضحة أن إزاحة نتنياهو لا تتطلب بالضرورة أن يفوز خصمه بـ61 مقعدًا من البداية، المهم القدرة على تركيب حكومة بعد الانتخابات.

كما أشارت «هآرتس»، إلى أن محاولات نتنياهو لجمع أوصال حزبه بسبب الانقسامات تأتى فى الوقت الذى يشهد فيه حزبه حالات تمرد أدت إلى خروج أهم الأعضاء من الليكود، مثل عضو الكنيست دان إيلوز الذى أعلن انسحابه من الليكود وعدم خوض الانتخابات التمهيدية، فى ضربة أخرى للحزب، وكذلك دافيد بيتان الذى غادر الحزب بسبب محاولة نتنياهو تغيير نظام الانتخابات الداخلية، بتخصيص 9 مقاعد لنفسه من المؤيدين له، ووصفت الصحيفة موقفه بأنه كسر للصف داخل الحزب، بعدما اعترض على استبدال تصويت أعضاء الليكود بآلية اختيار يسيطر عليها نتنياهو.

وحسب موقع المعهد الإسرائيلى للديمقراطية، ستدور الانتخابات الإسرائيلية المقبلة حول 4 قضايا رئيسية تخص الشأن الإسرائيلى الداخلى، تأتى فى مقدمتها قضية المسئولية عن هجوم حماس يوم

7 أكتوبر والحرب التى تلته، وتهرب نتنياهو السياسى والأخلاقى من تحمل المسئولية، ومقاومته لتشكيل لجنة تحقيق حكومية فى إخفاقات أحداث 7 أكتوبر، يُضاف إلى ذلك الخلافات المتزايدة حول عملية «زئير الأسد» لعام 2026 ضد إيران، والتى يرى ناخبون أنها لم تُحقق هدفها السياسى بالكامل حتى الآن.

أما القضية الثانية، فتدور حول من يجب إقصاؤه من مواقع النفوذ، وسيطرة أنصار منظمة «الدولة العميقة» الإسرائيلية المعارضة لوجود ائتلاف نتنياهو على رأس مؤسسات رئيسية، كالقضاء، والأوساط الأكاديمية، والإعلام، والاقتصاد، وحتى أجزاء من المؤسسة الأمنية، وبناءً على هذا الرأى، فإن التغيير السياسى عبر صناديق الاقتراع لم يُترجم بعد إلى انتقال حقيقى للسلطة.

وتتعلق القضية الثالثة، بوضع المواطنين العرب فى إسرائيل وشرعية مشاركتهم فى الائتلافات الحكومية، فى الوقت الذى صرّح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، قائلاً: «إن حكومة برئاسة منصور عباس أسوأ من مجزرة 7 أكتوبر»، حيث إن الشعور العام الرافض للمشاركة العربية يتبناه جزء كبير من اليمين، ومع ذلك، تبقى الحسابات السياسية ثابتة، فبدون حزب عربى واحد على الأقل، قد يفشل «تكتل التغيير» المناهض لنتنياهو فى تشكيل أغلبية برلمانية.

القضية الرابعة، التى يُرجّح أن تُؤثر على الخطاب الانتخابى هى تحكم التيار الحريدى فى مستقبل إسرائيل على يد ائتلاف نتنياهو الذى يسعى إلى ضمان بقائه، وهو نفس التيار الذى سعى إلى حل الكنيست فى النهاية بسبب قانون تجنيد الحريديم، ولكن المعارضة للإعفاءات الواسعة من التجنيد لطلاب المعاهد الدينية اليهودية تتجاوز بكثير معسكر مناهضى نتنياهو، حيث يعارض العديد من ناخبى اليمين الإعفاءات الدائمة، ويستاءون من تزايد مطالب المتشددين الأرثوذكس بإعادة تشكيل المجال العام، بدءًا من إزالة صور النساء من اللوحات الإعلانية وصولًا إلى الفصل بين الجنسين فى المناسبات العامة. ومع ذلك، وحسب تقرير المعهد الإسرائيلى، قد تتغلب حسابات التحالف فى نهاية المطاف على الأيديولوجية، فحتى لو تشكلت «حكومة تغيير» بعد الانتخابات، فقد تجد نفسها مضطرة- سواء لأسباب عملية أو استراتيجية- إلى ضم حزب واحد على الأقل من المتشددين الأرثوذكس.

فى نهاية المطاف، يبدو أن الانتخابات المقبلة ستكون بمثابة صراع على هوية إسرائيل. فإلى جانب المخاوف الأمنية المباشرة، ستكون الحملة بمثابة استفتاء على مستقبل المؤسسات الديمقراطية، والتوازن بين الدين والدولة، وإمكانية استعادة التوافق المدنى الليبرالى فى عصر يشهد استقطابًا غير مسبوق. والطرف الذى يُحسن توظيف خطابه حول هذه القضايا هو الذى سيحظى على الأرجح بنسبة مشاركة أعلى من ناخبيه، وبالتالى قد يحقق النصر فى معركة الانتخابات.

أضف تعليق

من الضبعة إلى النيل.. كيف تدار حرب الشائعات ضد مصر ؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان