تمر اليوم الذكرى الثالثة والعشرون لرحيل الفنانة الكبيرة أمينة رزق، التي غابت عن عالمنا في 24 أغسطس 2003 عن عمر ناهز 93 عاما، بعد رحلة فنية استمرت أكثر من 75 عاما، قدمت خلالها عشرات الأعمال في المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، لتصبح واحدة من أبرز علامات الفن المصري والعربي، وصاحبة واحدة من أطول المسيرات الفنية في تاريخ السينما العربية.
ولدت أمينة رزق في مدينة طنطا عام 1910، وبدأت دراستها في سن السادسة، وكانت منذ طفولتها شديدة التعلق بالفن، إذ اعتادت مشاهدة عروض السيرك خلال احتفالات مولد السيد البدوي، كما قدمت بعض الاسكتشات على المسرح في طفولتها، وهو ما جعلها تكتشف مبكرا شغفها بالتمثيل.
وبعد وفاة والدها عام 1918، انتقلت مع والدتها إلى القاهرة، والتحقت بمدرسة ضياء الشرق، وعاشت مع خالتها الفنانة أمينة محمد التي كانت تعمل أيضا في مجال التمثيل، وكان لها دور أساسي في دخولها عالم الفن.
وكانت البداية الحقيقية ل أمينة رزق على خشبة المسرح عام 1922، عندما وقفت إلى جانب خالتها أمينة محمد ضمن كورال فرقة الفنان علي الكسار، وقدمتا فقرات غنائية على مسرح روض الفرج، وكانت أمينة في ذلك الوقت لا تزال في الثانية عشرة من عمرها.
وبعد هذه التجربة انتقلت إلى فرقة رمسيس التي أسسها الفنان يوسف وهبي، وهناك بدأت مرحلة جديدة في حياتها الفنية، وكانت مسرحية "راسبوتين" من أبرز محطات بدايتها مع الفرقة، ومنها انطلقت لتصبح واحدة من أهم الوجوه النسائية في المسرح المصري.
ارتبط اسم أمينة رزق طويلا بيوسف وهبي، الذي كان بالنسبة إليها أستاذا وصاحب فضل كبير في مسيرتها الفنية، وشاركت في أغلب مسرحيات فرقة رمسيس، حتى أصبحت من الشخصيات الأساسية فيها، كما التحقت بالفرقة القومية عند إنشائها عام 1935، وواصلت حضورها المسرحي لسنوات طويلة، ولم تقتصر موهبتها على التراجيديا، وإنما أثبتت قدرتها على تقديم الكوميديا أيضا، ومن أشهر أعمالها المسرحية "السنيورة" و"إنها حقا عائلة محترمة"، التي شاركت فيها مع فؤاد المهندس وشويكار، بينما كان آخر ما قدمته على خشبة المسرح مسرحية "يا طالع الشجرة" لتوفيق الحكيم، إلى جانب الفنان أحمد فؤاد سليم.
وبالتوازي مع المسرح، بدأت أمينة رزق رحلتها مع السينما في وقت مبكر، فكان ظهورها في الفيلم الصامت "سعاد الغجرية" عام 1928، قبل أن تنتقل إلى مرحلة السينما الناطقة، وتشارك مع يوسف وهبي في فيلم "أولاد الذوات" عام 1932، الذي أخرجه محمد كريم. ومنذ ذلك الوقت استمرت في تقديم أدوار متنوعة، وعاصرت مراحل تطور السينما المصرية المختلفة، حتى أصبحت من أكثر الفنانات حضورا واستمرارية على الشاشة.
قدمت أمينة رزق خلال مسيرتها عددا كبيرا من الأفلام التي أصبحت جزءا من ذاكرة السينما المصرية، ومن بينها : كليوباترا، البؤساء، شياطين الليل، المخطوفة، صراع الأحفاد، التوت والنبوت، الطوفان، المجرم، قنديل أم هاشم ،الشموع السوداء، أعز الحبايب، الطريق المستقيم، إلى جانب أفلام بارزة أخرى مثل: أين عمري، دعاء الكروان، نهر الحب، التلميذة، الشيماء، أريد حلا، أمهات في المنفى، العار، الكيت كات ، و ناصر 56.
واستطاعت أمينة رزق أن تفصل بين أدائها المسرحي والسينمائي، فلم تكن مجرد ممثلة مسرحية انتقلت إلى السينما، وإنما صنعت لكل وسيط أسلوبه الخاص، ونجحت في تقديم شخصيات مختلفة على الشاشة.
ومع تقدمها في العمر ارتبط اسمها بصورة الأم، حتى أصبحت واحدة من أشهر من جسدن دور الأم في السينما المصرية، لكنها لم تقدمها في صورة واحدة نمطية، وإنما جعلت منها امرأة قوية، صلبة، تعرف كيف تحمي أبناءها وأسرتها، وتواجه الأزمات، ونادرا ما تظهر في صورة المرأة المستضعفة.
ومن أبرز أدوارها التي رسخت هذه الصورة أفلام "أريد حلا" و "بداية ونهاية" وغيرها، حتى أصبح الجمهور والعاملون في الوسط الفني ينادونها بـ "ماما أمينة" .
ورغم شهرتها الكبيرة في أدوار الأمومة، فإنها كانت تتمنى تقديم شخصيات مختلفة، ونجحت في مراحل مختلفة من حياتها في تقديم أدوار الشابة والحبيبة والمرأة القوية والشخصيات الكوميدية، وهو ما يؤكد اتساع موهبتها وعدم انحصارها في قالب واحد.
ولم يكن المسرح والسينما وحدهما مجال عملها، فقد قدمت أمينة رزق أعمالا كثيرة في الإذاعة، كما شاركت في المسلسلات التليفزيونية التاريخية والاجتماعية، وظهرت في عدد كبير من الأعمال الدرامية التي جعلت حضورها ممتدا إلى أجيال جديدة من المشاهدين.
ومن أعمالها التليفزيونية والإذاعية أعمال تنوعت بين الدراما الاجتماعية والتاريخية والدينية، واستطاعت من خلالها أن تحافظ على مكانتها الفنية رغم تغير الأجيال والوسائط.
وكانت ل أمينة رزق اهتمامات أخرى داخل المجال الفني، إذ سافرت إلى إنجلترا عام 1964 في منحة للاطلاع على تطور الحركة الفنية، وهناك ازداد اهتمامها بالإخراج.
وبعد عودتها إلى مصر اكتشفت أن ممارسة الإخراج كانت تتطلب العمل كمساعد مخرج لفترة، وهو ما تعذر عليها في البداية بسبب مكانتها كبطلة في الفرقة، لكنها لم تتخل عن حلمها، وتمكنت لاحقا من خوض تجربة الإخراج عندما انضمت إلى المسرح الشعبي، فأخرجت عددا من المسرحيات.
كما دخلت مجال الإنتاج الفني، وأسست شركة للإنتاج، وأنتجت فيلم "ضحايا المدينة"، وكانت أيضا واحدة من الشركاء الأربعة في شركة "اتحاد الفنانين"، لتؤكد أن تجربتها لم تكن محصورة في الوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، وإنما امتدت إلى جوانب أخرى من صناعة الفن.
وعلى المستوى الشخصي، كرست أمينة رزق حياتها للفن، وظل التمثيل حاضرا في حياتها حتى سنواتها الأخيرة، وهو ما ارتبط به لقب "راهبة الفن".
لم تقتصر مكانتها على المجال الفني، وإنما كان لها حضور في الحياة العامة، ففي عام 1966 اختيرت عضوا في لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للآداب، وكانت السيدة الوحيدة بين أعضاء اللجنة في ذلك الوقت.
وفي مايو 1991 عينت عضوا في مجلس الشورى المصري، لتكون من أوائل الفنانات اللاتي وصلن إلى هذا الموقع، كما كرمتها ليبيا في العام نفسه باعتبارها من رائدات الفن في العالم العربي.
حصلت أمينة رزق على العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرتها، من بينها الجائزة الأولى كأحسن ممثلة مسرحية، كما حصلت على جوائز عن أعمالها السينمائية، ومن بينها جائزة أحسن ممثلة دور ثان عن فيلم " أريد حلا " عام 1975. وحصلت كذلك على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى جانب أوسمة وتكريمات من عدد من الدول العربية، من بينها المغرب وتونس وليبيا.
استمر تكريمها بعد رحيلها، إذ ظلت المهرجانات والمؤسسات الفنية تستعيد أعمالها وتحتفي بتجربتها باعتبارها واحدة من علامات الفن المصري، كما أن عددا من الأفلام التي شاركت فيها دخل قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، من بينها :
"أين عمري"، "دعاء الكروان"، "بداية ونهاية" ،" قنديل أم هاشم" ،"أريد حلا"، "السقا مات"، "العار" و"الكيت كات".
ولم يتوقف تخليد اسم أمينة رزق عند أعمالها الفنية، إذ حرص جهاز التنسيق الحضاري على الاحتفاء بسيرتها، من خلال وضع لوحة "عاش هنا" على منزلها بالقاهرة، تخليدا لمسيرتها وإسهاماتها في تاريخ الفن المصري.
في 24 أغسطس 2003، رحلت أمينة رزق عن عمر ناهز 93 عاما، بعد رحلة طويلة تركت خلالها بصمة واضحة في تاريخ الفن المصري.
وبعد 23 عاما على رحيلها، تبقى أكثر من مجرد فنانة اشتهرت بدور الأم؛ فهي واحدة من الفنانات اللواتي عشن تاريخ الفن المصري لحظة بلحظة، وانتقلن معه من المسرح في عشرينيات القرن الماضي إلى السينما الصامتة والناطقة، ثم الإذاعة والتليفزيون، وظلت أدوارها وشخصياتها حاضرة في ذاكرة الجمهور، كما بقيت ألقاب "راهبة الفن" و"راهبة المسرح" و"ماما أمينة" و"عذراء الفن" مرتبطة باسمها، ليظل إرثها شاهدا على واحدة من أطول وأغزر المسيرات الفنية في تاريخ السينما والمسرح العربي.