بالعقل

بالعقلمحسن عليوة

الرأى24-8-2026 | 19:35

تشهد الساحة الفنية في الآونة الأخيرة مظاهر تُثير الكثير من القلق والتساؤلات فى وجدان المجتمع ، حيث أصبحت بعض الحفلات والمناسبات العامة ساحةً لاستعراض سلوكيات تتنافى مع منظومة القيم والأخلاق التي طالما شكلت الهوية الثقافية والاجتماعية ، إن ما يشهده المتابع من تسيب وإستهانة بالضوابط الأخلاقية بين بعض الشباب والفتيات لا يمثل مجرد أحداث فردية تمر مرور الكرام دون التوقف عندها ، بل هو عَرَض ودِلالة دامغة لأزمة تربوية ومجتمعية عميقة تحتاج إلى جهد كبير و مواجهة حاسمة واعترافات صريحة وحلول موضوعية لهذه الظواهر ذات التأثير السلبى على أمن مجتمعاتنا .

وعندما ندقق النظر فيما يحدث من فئة ليست بقليلة من شباب وشابات مصر ، يتبادر الى الذهن بعض الأسئلة أهمها هل هؤلاء الشباب والشابات التى تكتظ بهم تلك الحفلات و تنتشر صورهم على وسائل التواصل الإجتماعى ومقاطع التيكتوك ، والذى لا يغيب عن عقل عاقل أنهم عديمى المسئولية ، ونحن نتسائل فى حسرة وألم هل هؤلاء هم جزء من صُناع و حماة مستقبلنا ؟.

هل هؤلاء جزء من أمل أمتنا ؟ هل هؤلاء جزء ممن يستطيعون الدفاع والحفاظ على مقدرات مصرنا ؟ ، و هل ستكون بنات هذا الجيل جزءاً من أمهات الغد ؟ ، هل هن مربيات الأجيال ؟ ، هل هن صانعات الرجال ؟ هل هذا الجزء من الجيل الحالى هم وهن من سيقودون بلادنا فى القادم ؟ لقد أصبح من المؤكد أن المخطط هو تضييع قوتنا بضياع شبابنا ، هدم قيمنا فى العقول و القلوب التى استطاعوا استمالتها ، لقد استطاعوا تمييع وتضييع وتجهيل وقتل الرجولة والنخوة ، تهميش القدوات وإبراز التافهين فى المجتمع .

و لقد أحسن شيخ أزهرنا الشريف بقوله إن مجتمعاتنا مستهدفة بأجندات تسعى إلى فصل شبابنا عن جذورهم الثقافية والدينية والأخلاقية، واختطافهم ثقافيًّا، وإفقادهم توازنهم وقدرتهم على التمييز بين الحسن والقبيح؛ في ظل غزو ثقافي واسع يقتحم البيوت، ويصل إلى غرف الشباب دون رقيب ، وهنا لابد من يقظة وإنتباه و وعى وانتماء ، البحث عن الأسباب الحقيقة وراء هذه الظواهر الغريبة عن مجتمعاتنا ،فهل نتج هذا عن تراجع فى الدور التربوي للأسرة ، هل يتمثل فى غياب الرقابة الواعية والاحتواء من جانب الوالدين، أم عن انشغال الأسر بأمور حياتية ومعيشية أخرى على حساب الغرس الأخلاقي والتربوي ، أم أن هذه الظواهر ناتجة عن الاستهلاك غير المنضبط للتكنولوجيا و التأثيرات السلبية لبعض المحتويات الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تروج للإسفاف و السطحية والانفتاح العشوائي تحت ما يُسمى "المعاصرة" أو "الحرية الفردية" ، أم أن ذلك نتج ضعف المظلة الثقافية بانحسار دور المؤسسات التعليمية والتربوية في توجيه السلوك العام، مقابل غلبة النمط الاستهلاكي والتجاري في تنظيم الفعاليات الترفيهية والتثقيفية ، أم أن ذلك ناتج عن غياب القدوة والمسؤولية و الانجراف وراء ضغوط الصُحبة الغير سوية والرغبة فى حب الظهور، مما يدفع بعض الشباب لتجاوز الخطوط الحمراء دون إدراك لتبعات ذلك.

و تتجلى مظاهر هذه الأزمة في بروز أنماط سلوكية تجرح الحياء العام لم تكن من سلوكياتا بهذا الشكل ، فتستبيح لنفسها كل المساحات المشتركة ، فضلاً عن إنتشار وشيوع حالة من اللامبالاة تجاه الأعراف الاجتماعية والالتزام الأخلاقى ، ومكمن الخطر لا يقتصر على المظهر الخارجي للتصرفات، بل يمتد إلى إضعاف النسيج الأخلاقي الذى يحمى المجتمع من عوامل التفكك، ويُفقد هذا الجزء من الجيل قدرته على التمييز بين الحرية الملتزمة والتفلت العشوائي الغير ملتزم .

ومكمن الخطورة أيضاً أننا أصبحنا نعيش فى حالة من تصدُر كثير من التفاهات العديد من المشاهد، حتى بدا وكأن الأخلاق والعقلانية والهُوية والقيم الدينية قد تراجعت إلى الصفوف الخلفية ، بل وبكل أسف ، فإن أصحاب الأخلاق أو من يتمسكون بالقيم ، هم أشد الناس معاناة من صخب التفاهات التى تُحيط بهم من أكثر من جهة .

ومن الخطورة أنه قد تراجعت بعض قيمنا من ثقافة التعامل بالتراحم والمودة فاصبح التشفى والغدر وعدم حفظ الجميل وتوقير الكبير ورحمة الصغير التى هى من أخلاقيات جميع الأديان والشرائع السماوية ، فتبدلت المعايير وأختلت الموازين فغابت القيم وانتفش التافهون وتقزم المصلحون ، ومع ما تبذله بعض الاجهزة بمحاولات الحفاظ على الهوية وأعادة منظومتى الاخلاق والقيم وإعادة قوتنا الناعمة التى أُهدرت بهؤلاء الذى أُبتُليت بهم ساحات افن والغناء فبعدما كان الفن هو سفيرنا فى كل مكان أصبحنا نتوارى منه خجلاً وبخاصة ممن يعتلون منصاته والذين اصبحوا مسخاً فيما يلبسون وبما يتكلمون وكأنهم يستهدفون قوتنا الناعمة .

ومن هنا فإن الواجب يقتضينا أن نعمل جميعاً نحو عدة مسارات لمعالجة هذا العارض واستعادة قوتنا الناعمة وأخلاقياتنا المجتمعية وذلك بتفعيل المسؤولية المجتمعية والتربوية و رد المكانة و الاعتبار لدور الأسرة كخط دفاع أول فى بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين الحداثة والتقدم مع الالتزام بالقيم ، إقامة تنسيق دائم بين المؤسسات التربوية والدينية والثقافية و إلزام الجهات التنظيمية ببعض الضوابط ، فمثلا فرض تنظيم حازم للحفلات والفعاليات العامة بما يضمن احترام الذوق العام والأخلاقيات السائدة، ومحاسبة المستهترين بتلك الضوابط ، كما أننا نحتاج الى تطوير الخطاب الإعلامي والثقافى وذلك من خلال تقديم محتوى بناء يعزز من قيمة الانضباط الذاتي والشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية لدى الشباب ، مع ضرورة الإهتمام بدعم الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية التي تستوعب طاقات الشباب وتنمي لديهم الحس المبدع والوعي الرصين وتعميق الإنتماء والحرص على أخلاقيات المجتمع ، إن المسؤلية الوطنية لحماية الشباب من الانزلاق نحو التسيب لا تتأتى بالمنع الصارم وحده، بل من خلال إعادة بناء الوعي، وترسيخ أن الحرية الحقيقية تنتهي عندما تبدأ حدود قيم المجتمع وحقوق الآخرين.

حفظ الله مصر

أضف تعليق

من الضبعة إلى النيل.. كيف تدار حرب الشائعات ضد مصر ؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان