المولد النبوي في لبنان.. حكاية فرح تتوارثها الأجيال بين المدائح والحلوى وزينة الأحياء

المولد النبوي في لبنان.. حكاية فرح تتوارثها الأجيال بين المدائح والحلوى وزينة الأحياءصورة تعبيرية

في لبنان، لا تمر ذكرى المولد النبوي الشريف كموعد ديني فحسب، بل تتحول المناسبة في العديد من المدن والبلدات إلى مشهد اجتماعي وثقافي تتداخل فيه العادات القديمة مع مظاهر الاحتفال الحديثة، فتتزين المساجد والشوارع، وتتعالى المدائح والأناشيد الدينية، وتنتشر حلوى المولد، فيما تفتح العائلات أبوابها لاستقبال المهنئين وتبادل الزيارات.

وتكتسب المناسبة خصوصية واضحة في المدن اللبنانية التي حافظت على جانب كبير من تراثها الشعبي، وفي مقدمتها بيروت وصيدا، حيث ارتبط المولد عبر عقود طويلة بالإنشاد الديني والمسيرات الشعبية وتوزيع الحلوى وإضاءة المساجد والمآذن.

للمولد النبوي في بيروت جذور تاريخية قديمة، إذ تشير روايات تاريخية إلى أن تقاليد إحياء المناسبة في المدينة تعود إلى القرن التاسع عشر، وشهدت آنذاك إضاءة منارات الجوامع وإقامة مجالس لقراءة السيرة النبوية، إلى جانب المدائح والموشحات.

وكانت الاحتفالات العائلية قديماً تجمع الأقارب والوجهاء في المنازل، حيث تُقرأ السيرة النبوية وتُتلى آيات من القرآن الكريم، تتخللها الأشعار والمدائح والموشحات، قبل أن تقدم الضيافة والحلوى للحاضرين.

وتكشف هذه التقاليد عن أن المولد لم يكن مناسبة دينية فقط، وإنما مساحة اجتماعية تجتمع فيها العائلات والجيران والأصدقاء، وتتحول فيها المنازل والأحياء إلى أماكن للقاء وتبادل التهاني.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المساجد والمآذن كانت تُزيّن بهذه المناسبة، فيما كانت قراءة السيرة النبوية تحتل مكانة أساسية في الاحتفالات.

وفي صيدا، يأخذ المولد النبوي طابعاً شعبياً واضحاً، خصوصاً في أحياء المدينة القديمة، حيث ترتبط المناسبة بذاكرة السكان وعاداتهم المتوارثة.

وتشهد المدينة خلال المناسبة مظاهر متعددة، من تزيين الشوارع والأحياء إلى إقامة المسيرات والاحتفالات الدينية، فيما تحضر فرق الإنشاد والمدائح النبوية في المشهد الاحتفالي.

وفي مناسبات سابقة، انطلقت مسيرات شعبية من أمام المسجد العمري الكبير وجابت أحياء صيدا القديمة والأسواق والشوارع الرئيسية، بمشاركة فرق كشفية وأهلية وفرق صوفية، وتخللتها الأناشيد والدفوف والعروض التراثية، وسط مشاركة الأهالي والأطفال.

وتتحول الشوارع في هذه المناسبة إلى مساحة مفتوحة للفرح، حيث يقف السكان على أبواب منازلهم وشرفاتهم لمتابعة المواكب، بينما يشارك آخرون في المسيرات أو يستقبلون المشاركين بالتهاني والحلوى.

وتعد المدائح النبوية أبرز سمات إحياء المولد بلبنان، ففي المساجد والمجالس الدينية والاحتفالات الشعبية، تتردد الأناشيد التي تتناول السيرة النبوية وفضائل النبي محمد، بينما تشارك فرق الإنشاد والمنشدون في إحياء السهرات والمجالس الخاصة بالمناسبة.

وفي بيروت، شهدت الاحتفالات إقامة مجالس دينية تخللتها المدائح النبوية، بينما شهدت صيدا مسيرات للفرق الصوفية ترافقها الدفوف والأناشيد والتواشيح.

ولا تقتصر هذه الأجواء على المساجد، إذ تنتقل أحياناً إلى الشوارع والأحياء، فتسمع أصوات الإنشاد في المسيرات التي تجوب المناطق القديمة، لتصبح المناسبة جزءاً من المشهد اليومي للمدينة.

وللحلوى مكانة خاصة في المولد النبوي في لبنان، إذ اعتاد اللبنانيون تقديم أنواع مختلفة من الحلويات في الزيارات وتوزيعها على الأقارب والجيران والمارة.

وفي صيدا القديمة، ارتبطت المناسبة بشكل خاص بـ«راحة الحلقوم»، التي تحولت على مدى سنوات إلى واحدة من علامات المولد في المدينة.

وتُعد راحة الحلقوم من السكر وماء الورد والنشاء، ويمكن أن تحشى بالفستق الحلبي أو الجوز أو البندق أو الفستق السوداني، ثم تُقطع وتقدم للضيوف، وقد ارتبط شراؤها في صيدا القديمة بزيارات المعايدة خلال المولد.

ولا تقتصر حلوى المناسبة على راحة الحلقوم، إذ تظهر أيضاً أصناف من الملبس والمكسرات والتمور والصنوبرية والمعمول وغيرها من الضيافات التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى.

وفي بعض أحياء صيدا، تضع العائلات الحلوى والتمر وراحة الحلقوم المحشوة بالمكسرات أمام المنازل لتقديمها للزائرين والمهنئين، في تقليد يعكس روح المشاركة والضيافة.

ومن المظاهر التي رافقت إحياء المولد في عدد من المناطق اللبنانية إقامة ما يُعرف بـ«حواجز المحبة»، حيث يتجمع أفراد من الجمعيات أو الفرق الكشفية لتوزيع الحلوى على المارة وتهنئتهم بالمناسبة.

وفي صيدا، شهدت مناسبات سابقة توزيع حلوى المولد على الأهالي والمارة، فيما شاركت الفرق الكشفية والأهلية في تنظيم الفعاليات والمسيرات.

وفي بيروت وجبل لبنان، نظمت جمعيات أهلية وخيرية أنشطة شملت توزيع الهدايا والحلوى على الأطفال، إلى جانب مبادرات اجتماعية استفادت منها عائلات محتاجة، بما يجعل المناسبة مرتبطة أيضاً بقيم التكافل والعطاء.

وتظهر زينة المولد في عدد من الأحياء اللبنانية، خصوصاً حول المساجد وفي المناطق التي تشهد كثافة سكانية مسلمة.

وتتنوع الزينة بين الأضواء واللافتات والعبارات الخاصة بالمناسبة، فيما تضاء بعض المساجد والمآذن وتُزيّن مداخلها وساحاتها لاستقبال المصلين والمشاركين في المجالس الدينية.

وفي صيدا القديمة، ارتبطت زينة المولد تاريخياً بأحياء المدينة وشوارعها، وأصبحت جزءاً من المشهد الذي يرافق المناسبة ويمنحها طابعاً بصرياً مميزاً.

ولا تقتصر المناسبة على الاحتفالات العامة، فالمولد حاضر أيضاً داخل البيوت اللبنانية.

تجتمع العائلات لتبادل التهاني، ويستقبل بعضها الأقارب والجيران، فيما تُقدم الحلوى والقهوة والمشروبات للضيوف.

وفي بعض البيوت، تقام جلسات لقراءة السيرة النبوية والمدائح، وهي عادة قديمة عُرفت في بيروت، حيث كانت العائلات تستضيف الأقارب والمعارف لسماع قراءة المولد، وتتخللها الأشعار والموشحات قبل تقديم الضيافة.

وبذلك يصبح المولد مناسبة تجمع بين العبادة واللقاء العائلي، وبين الذاكرة الدينية والعادات الاجتماعية التي تنتقل من جيل إلى آخر.

ويحظى الأطفال بجانب خاص من الاحتفالات، سواء من خلال توزيع الحلوى والهدايا عليهم أو إشراكهم في الأنشطة والفعاليات الدينية.

وتحرص بعض الجمعيات على تنظيم برامج للأطفال بهذه المناسبة، تشمل توزيع الهدايا والحلوى، وهو ما يمنح المولد بعداً اجتماعياً وتربوياً، ويجعل الأطفال جزءاً من عملية نقل العادات الشعبية إلى الأجيال الجديدة.

ومع مرور السنوات، تغيرت بعض تفاصيل الاحتفال بالمولد في لبنان، إلا أن الكثير من العادات بقي حاضراً، ولو بأشكال مختلفة.

فالمدائح لا تزال تُنشد، والمساجد تُضاء وتستقبل المجالس، والحلوى تظل حاضرة على موائد العائلات، فيما تستمر المسيرات والفعاليات في بعض المدن.

لكن الظروف الاقتصادية الصعبة أثرت في بعض مظاهر الاحتفال، وخصوصاً شراء كميات كبيرة من الحلوى وتوزيعها كما كان يحدث في الماضي.

وفي صيدا، انعكست الأزمات المعيشية في سنوات سابقة على عادة توزيع راحة الحلقوم، إذ اضطرت بعض العائلات إلى تقليل الكميات أو الاستغناء عنها، بينما حاولت عائلات أخرى الحفاظ على التقليد من خلال إعدادها في المنازل.

وهكذا، لم تختفِ العادة، لكنها تكيفت مع الظروف الجديدة، لتبقى رمزية الحلوى والضيافة حاضرة حتى عندما تتغير الكميات والأشكال.

ويبقى المولد النبوي في لبنان مناسبة تتجاوز مظاهر الاحتفال الظاهرة، فهو بالنسبة إلى كثير من العائلات فرصة لاستعادة تقاليد قديمة، ولمّ شمل الأقارب والجيران، وتعليم الأطفال جانباً من تراث المدن والأحياء.

ومن بيروت، حيث تمتد جذور تقاليد المولد إلى القرن التاسع عشر، إلى صيدا التي ما زالت تحتفظ بمسيراتها ومدائحها وحلوى المولد، تبدو المناسبة جزءاً من الذاكرة الشعبية اللبنانية.

فالأضواء التي تزين المساجد، وأصوات المدائح التي تملأ الساحات، وعلب الحلوى التي تنتقل من بيت إلى آخر، ليست مجرد تفاصيل احتفالية، بل صور من تراث اجتماعي وثقافي حافظ عليه اللبنانيون جيلاً بعد جيل.

وفي كل عام، يعود المولد ليمنح الأحياء القديمة والشوارع والمساجد ملامح خاصة، فتلتقي فيها العبادة مع العادات، والذاكرة مع الحاضر، والفرح الفردي مع روح المشاركة والتكافل.

أضف تعليق

من الضبعة إلى النيل.. كيف تدار حرب الشائعات ضد مصر ؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان