مجدي لاشين الأمين العام لـ الهيئة الوطنية للإعلام لـ"أكتوبر":«ماسبيرو».. حارس الذاكرة المصرية

مجدي لاشين الأمين العام لـ الهيئة الوطنية للإعلام لـ"أكتوبر":«ماسبيرو».. حارس الذاكرة المصريةجانب من اللقاء

ليست كل ذاكرة مصر مكتوبة في الكتب، فجزء كبير منها محفوظ على شرائط تليفزيونية وإذاعية شهدت أحداثًا ووجوهًا وأصواتًا صنعت تاريخًا طويلًا، فأكثر من مليون ساعة من المواد المرئية والمسموعة تختزن جانبًا من حياة المصريين، من الأخبار والأحداث الكبرى إلى البرامج والحفلات والمواد الثقافية والفنية، بينما تحمل شرائط أخرى صورًا نادرة لمراحل مختلفة من تاريخ الدولة والمجتمع.

واليوم، يخوض التليفزيون المصري واحدة من أكبر معاركه للحفاظ على هذا التراث، عبر مشروع للرقمنة يستهدف نقل محتوى الأرشيف من الشرائط القديمة إلى صيغة رقمية تضمن بقاءه وإتاحته للأجيال المقبلة، بالتوازي مع إجراءات لتوثيق الملكية الفكرية وحماية المحتوى من الاستخدام غير المصرح به.

وفي هذا الحوار، يكشف مجدي لاشين، الأمين العام للهيئة الوطنية للإعلام، أحد أبناء التليفزيون المصري، تفاصيل مشروع الرقمنة، وحجم التراث الذي يحتفظ به أرشيف التليفزيون والإذاعة، وكيف يجري التعامل مع الشرائط التاريخية، إلى جانب مشروع إنشاء متحف يضم معدات التصوير والتسجيل القديمة، التي ارتبطت بتاريخ الشاشة المصرية.

ويتوقف الحوار كذلك عند قيمة التليفزيون باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية، ودوره في توثيق الأحداث التي مرت بها مصر، وكيف يمكن للتراث المرئي والمسموع أن ينتقل من خزائن الأرشيف إلى الأجيال الجديدة، دون أن يفقد قيمته التاريخية أو يتحول الكتاب أو الشريط الأصلي إلى مجرد أثر من الماضي ، وإلى نص الحوار...

كيف يمثل أرشيف التليفزيون المصري جزءًا من الذاكرة الوطنية ؟

التليفزيون المصرى يمثل ذاكرة كبرى لأحداث مصر منذ ستينيات القرن الماضي، إلى جانب موروث أقدم يعود إلى ما قبل عام 1960، ويضم موادا سينمائية ومقتنيات تم الحصول عليها من مكتبات أجنبية، الإذاعة تمثل جزءًا أساسيًا من هذه الذاكرة، وقد تجاوز تاريخها مئة عام. بدأت البدايات مع الإذاعات الأهلية عام 1925، وهو العام الذى صدر فيه قانون الإذاعة، ثم جاء البث الرسمى المعروف عام 1934.

ما حجم التراث المسموع والمرئى الموجود داخل المبنى؟

يضم تراث الإذاعة نحو 25 ألف شريط، بإجمالى يقارب 34 ألف ساعة من التسجيلات المسموعة، بينما يصل تراث التليفزيون إلى نحو 624 ألف شريط، بإجمالى يقارب 965 ألف ساعة من المواد المرئية. وبذلك يتجاوز إجمالى التراث المسموع والمرئى الموجود أكثر من مليون ساعة.

كيفية التعامل مع هذا الحجم الضخم من المواد؟

بالفعل يتم تجهيز الأماكن المخصصة للعمل وتوريد المعدات اللازمة لنقل المواد من الشرائط القديمة إلى صيغ رقمية.

وتم التعاون مع شركات عالمية لتوفير وصيانة أجهزة قادرة على تشغيل أنواع متعددة من الشرائط التاريخية، ومنها أفلام 16 ملليمترًا و35 ملليمترًا، وشرائط البوصتين والبوصة الواحدة، وبيتاكام ديجيتال، بالإضافة إلى شرائط HD.

هل تشمل عملية الرقمنة جميع المواد الموجودة؟

المشروع يستهدف التعامل مع الرصيد الأرشيفى الموجود، لكن حجم المواد وتنوع أنواع الشرائط يجعلان العملية ممتدة وتحتاج إلى مراحل متتابعة من التشغيل والنقل والحفظ والتوثيق، ومع تنفيذ مشروع الرقمنة، تنتقل هذه المواد تدريجيًا من الشرائط القديمة إلى صيغ رقمية يمكن حفظها وفهرستها واسترجاعها، مع استمرار الاحتفاظ بالأصول التاريخية، التى سجلت أحداث مصر وتفاصيل حياتها على مدار عقود.

وماذا عن حماية هذه المواد من التسريب أو الاستخدام غير المصرح به؟

على مدار نحو 65 عامًا، حدثت بعض التجاوزات وتسربت مواد من الأرشيف، لكن التعامل مع التراث فى الوقت الحالى يخضع لإجراءات أكثر صرامة.

ويتم متابعة المنصات الرقمية، ومنها يوتيوب، ورصد المواد التى يتم نشرها دون تصريح، ثم مخاطبة المنصات المعنية لوقف المحتوى الذى يثبت أنه مسروق أو منشور من دون الحصول على الحقوق اللازمة، وتم تشكيل لجنة للملكية الفكرية تتولى تسجيل وتوثيق حقوق المواد الخاصة بتراث التليفزيون، بما يتيح حمايتها قانونيًا ورقميًا، خصوصًا مع انتشار المنصات الحديثة وسهولة تداول المحتوى.

ما نسبة المواد الخاصة بالتليفزيون المصرى مقارنة بالموروث الأجنبي؟

نحو 95% من المواد الموجودة تمثل موروثًا خاصًا بالتليفزيون المصري، بينما تبلغ نسبة الموروث الأجنبى نحو 5%، وهو موروث تم اقتناؤه من مكتبات بريطانية ودولية.

ما أبرز الفترات التاريخية التى يغطيها الأرشيف؟

يضم الأرشيف مواد إخبارية نادرة من فترة الملكية، إلى جانب مواد من عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وفترة الرئيس محمد أنور السادات، فضلًا عن تسجيلات توثق مراحل مختلفة من تاريخ مصر، كما يضم موادا عن الشوارع والمدن المصرية، والحروب، والأحداث الكبرى، والشخصيات التى ارتبطت بتاريخ مصر الحديث، وجميع الأشرطة لها بيانات موثقة، لكن هناك تفاصيل لا تظهر إلا عند تشغيل الشريط على الماكينة، ولذلك فإن عملية الرقمنة تتيح فحص المحتوى نفسه والتعرف إلى ما يتضمنه من مواد وتفاصيل.

أين وصل ملف الملكية الفكرية للتراث التليفزيوني؟

ملف الملكية الفكرية ما زال قيد العمل، وهو من الملفات المهمة فى المرحلة الحالية ويجرى العمل على توثيق كل ما يمتلكه التليفزيون المصرى من مواد، لإثبات حقوق الملكية والتعامل معها بصورة قانونية.

ولماذا يمثل توثيق الملكية الفكرية أهمية خاصة فى مشروع الرقمنة؟

لأن المشروع لا يقتصر على نقل التراث من الأشرطة القديمة إلى صيغة رقمية، وإنما يشمل أيضًا إنشاء منصة تتيح هذا التراث، ولذلك يجب أولًا توثيق المواد وإثبات ملكيتها، هناك مواد من تراث التليفزيون موجودة خارج مصر أو منشورة على منصات مختلفة، ويجرى حصرها والتحقق منها تمهيدًا لإثبات حقوق التليفزيون المصرى فيها.

وكيف يمكن التأكد من أن مادة قديمة تعود إلى التليفزيون المصري؟

المواد التى تعود إلى فترات الستينيات والسبعينيات، على سبيل المثال، كانت من إنتاج التليفزيون المصري، وفى تلك الفترات لم تكن هناك جهات كثيرة تعمل فى مجال الإنتاج التليفزيوني، باستثناء بعض الشركات الخاصة، التى ظهرت فى مراحل لاحقة، لذلك تتم مراجعة المواد القديمة والتحقق من مصادرها وتاريخ إنتاجها، خاصة ما يظهر منها على المواقع والمنصات الرقمية.

هل توجد مواد من تراث التليفزيون المصرى خارج البلاد؟

نعم، توجد مواد موجودة فى الخارج، ويجرى العمل على حصرها وجمع ما يمكن الوصول إليه منها، باعتبارها جزءًا من التراث التليفزيونى المصري، كما نعمل على إنشاء متحف للتليفزيون، يضم المعدات القديمة وأدوات التصوير والإنتاج التى استخدمت فى المراحل الأولى من تاريخ التلفزيون المصري، ومنها الميكروفون، الذى ارتبط بتسجيل أعمال الفنانة أم كلثوم، إلى جانب معدات الاستوديوهات وأجهزة التحكم والتسجيل التى كانت مستخدمة فى تلك الفترة، وعملية الجمع والحصر لهذه المقتنيات ما زالت مستمرة.

كيف تنظر إلى مشروع رقمنة أرشيف التليفزيون المصري؟

المشروع كبير جدًا، وقد جاء نتيجة اهتمام الدولة بأهمية الحفاظ على التراث التليفزيوني، الدولة دعمت المشروع ووفرت التعاون مع الشركات العالمية المتخصصة، كما تم وضع الخطط اللازمة لتنفيذه ونحن كعاملين فى التليفزيون كنا نتحدث عن هذا المشروع منذ سنوات طويلة، وكانت هناك محاولات مستمرة لحصر التراث وحفظه، لكن الانتقال إلى مرحلة الرقمنة يمثل خطوة أساسية فى هذا المسار.

وما أهمية الرقمنة بالنسبة إلى تاريخ مصر؟

أهميتها أنها تحافظ على جزء من تاريخ مصر. أرشيف التليفزيون يوثق حياة الدولة والمجتمع فى مراحل مختلفة، بما فيها الأحداث والأفراح والأحزان والمواد العلمية والثقافية والسياسية والفنية لذلك فإن الحفاظ على هذا الأرشيف لا يتعلق بالتليفزيون وحده، وإنما بذاكرة الوطن كله.

كيف تصف مكانة التليفزيون المصرى فى الذاكرة الوطنية؟

التليفزيون جزء مهم من الذاكرة الوطنية لمصر نحن لا نتحدث عن مؤسسة تملك هذا التراث لنفسها، فالتليفزيون فى النهاية ملك للشعب المصري، والعاملون فيه يتعاقبون على المسئولية، لكن المواد التى أنتجها التليفزيون تمثل جزءًا من تاريخ المجتمع والدولة، لذلك فإن الحفاظ عليها مسئولية تتجاوز الأشخاص والمؤسسات.

وما الدور الذى يمكن أن يؤديه التليفزيون باعتباره مؤسسة قومية؟

التليفزيون القومى يمثل همزة وصل بين الدولة والمواطن، ينقل للدولة هموم المواطنين ومشكلاتهم، وفى الوقت نفسه ينقل للمواطن سياسات الدولة ووجهة نظرها. وهذا الدور موجود فى التليفزيونات القومية فى دول كثيرة، وليس مقصورًا على مصر.

ما أصعب التحديات التى واجهها التليفزيون المصرى خلال السنوات الماضية؟

التليفزيونات القومية فى العالم كله واجهت تحديات متشابهة، خاصة مع ظهور القنوات الخاصة وتغير أنماط المشاهدة، ومن أبرز هذه التحديات التمويل، وهى مشكلة موجودة فى كثير من المؤسسات الإعلامية القومية حول العالم. لذلك لا يمكن النظر إلى ما يواجهه التليفزيون المصرى باعتباره حالة منفردة.

وهل أثرت المنافسة مع القنوات الخاصة والمنصات الحديثة فى حضور التليفزيون المصري؟

التغير فى المشاهدة ظاهرة عالمية، وشمل التليفزيونات القومية والمحطات الأرضية فى دول كثيرة لكن هناك فرق بين السعى إلى تحقيق أعلى مشاهدة وبين الحفاظ على القيمة والمصداقية، التليفزيون الرسمى مطالب بأن تكون معلوماته دقيقة وموثقة، لأنه عندما يعلن خبرًا مهمًا عن مصر، فإن وسائل الإعلام فى الخارج قد تشير إلى أن التليفزيون الرسمى المصرى هو مصدر الخبر، لذلك فإن المسئولية هنا أكبر، ولا يمكن التعامل مع الأخبار باعتبارها مجالًا للتجربة أو التخمين.

وماذا عن الكفاءات التى خرجت من التليفزيون المصرى إلى المؤسسات الإعلامية العربية والدولية؟

التليفزيون المصرى أخرج أجيالًا من الإعلاميين الذين عملوا فى محطات عربية ودولية كثيرة وعدد كبير من العاملين فى التليفزيون اكتسبوا خبرات واسعة، ثم انتقلوا للعمل فى مؤسسات إعلامية خارج مصر وأنا شخصيًا عملت فى عدد من المحطات، فالخبرة التى اكتسبها العاملون فى التليفزيون المصرى على مدار سنوات طويلة جعلت لهم حضورًا فى مؤسسات إعلامية عديدة لكن التليفزيون القومى يعمل وفق طبيعة مختلفة عن المؤسسات التجارية؛ فهو لا يستطيع أن يتعامل مع المحتوى فقط بمنطق السوق، لأن لديه مسئولية تتعلق بالدقة والتوثيق والحفاظ على الذاكرة الوطنية.

قلت إن التليفزيون المصرى يعمل بآليات مختلفة عن القنوات الخاصة، ماذا تقصد؟

التليفزيون المصرى له ضوابط وسياسة تحريرية مختلفة، لأنه لا يتعامل مع المشاهد باعتباره مجرد رقم فى نسب المشاهدة، وإنما يتحمل مسئولية تجاه الأسرة المصرية والمجتمع، نحن تربينا على البرامج والمسلسلات التى كان يقدمها التليفزيون المصري، وكانت هناك دائمًا معايير واضحة لما يعرض على الشاشة والقيم التى ينبغى الحفاظ عليها، وكانت لدينا «لجنة القراءة»، وكانت مهمتها مراجعة الأعمال والمواد التى ستعرض على الشاشة، ومعرفة أهدافها ومضمونها والقيم التى تحملها كانت هناك مسئولية تجاه الأسرة المصرية، وكان التفكير دائمًا فى تأثير ما يعرض على الأطفال والشباب والمجتمع، هذه الضوابط جزء من طبيعة عمل التليفزيون القومي.

هل هناك مشروعات جديدة لإنتاج برامج ذات مضمون مختلف، خاصة للأطفال؟

نعمل حاليًا على إعداد قناة للأطفال، وهناك اجتماعات مستمرة لمناقشة الأفكار والسياسة العامة للقناة، نريد أن نقدم محتوى يتعامل مع الطفل المصرى بصورة مختلفة، ويراعى خصوصية الثقافة المصرية، وذلك لأن الطفل المصرى تعرض خلال السنوات الماضية لمحتويات وثقافات متعددة، وبعضها بعيد عن البيئة والثقافة المصرية ونحن نريد أن نقدم له محتوى يجمع بين الجاذبية والقيم التى نريد أن تصل إلى الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على خصوصية الشخصية والثقافة المصرية.

وهل تستفيد المشروعات الجديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

نعمل بالفعل على استخدام التقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، لكن التكنولوجيا فى حد ذاتها ليست الهدف، الأهم هو المضمون؛ نريد محتوى يجذب الطفل، وفى الوقت نفسه يحمل القيم والمعارف التى نريد إيصالها إليه.

وهل سيكون المحتوى متاحًا عبر وسائل التواصل والمنصات الرقمية؟

نحن نعمل بالفعل على الحضور الرقمي، ولدينا منصات ومواقع تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، ومن بينها تطبيق القرآن الكريم الذى حقق انتشارًا واسعًا وبعد استكمال مشروع نقل التراث ورقمنته، سيكون لدينا مجال أوسع لتقديم محتوى التليفزيون المصرى عبر منصة خاصة تتيح للجمهور الوصول إلى جانب كبير من هذا التراث، كما أن الهدف من المشروع هو إتاحة التراث للجمهور ما نعمل على حفظه ليس ملكًا لأشخاص أو موظفين، وإنما يمثل جزءًا من تاريخ مصر ومن المهم أن يعرف الناس تاريخ بلدهم والأحداث التى مرت بها، لأن معرفة الماضى تساعد الأجيال الجديدة على فهم حاضرها.

ولماذا ترى أن عرض الأحداث التاريخية للأجيال الجديدة أمر مهم؟

لأن الأجيال تتغير، وقد يأتى جيل لم يعش أحداثًا مهمة مرت بها البلاد، وبالتالى لا يعرف تفاصيلها. لذلك يجب أن يظل التراث متاحًا، وأن تُعرض الأحداث والوقائع من خلال المواد الأصلية التى وثقتها فى وقتها، حتى يستطيع كل جيل أن يتعرف إلى مراحل تاريخ بلده.

بحكم عملك فى التليفزيون خلال مراحل مختلفة، كيف تتذكر الفترات التى مرت بها مصر خلال السنوات الماضية؟

التليفزيون كان حاضرًا فى مراحل كثيرة من تاريخ مصر الحديث، وشهد أحداثًا سياسية واجتماعية مهمة وخلال فترات الاضطراب السياسي، كان العاملون فى التليفزيون يتعاملون مع ظروف صعبة، وكان المبنى نفسه حاضرًا فى قلب الأحداث بحكم موقعه ودوره الإعلامي.

وهل انعكست تلك الأحداث على العمل داخل التليفزيون؟

بالتأكيد، فالعاملون فى التليفزيون عاشوا تفاصيل تلك الفترات، وكانت هناك ضغوط وتحديات مرتبطة بطبيعة المرحلة السياسية وقد شهدت المؤسسة تغيرات فى القيادات والسياسات التحريرية خلال تلك السنوات، كما شهدت نقاشات وخلافات حول طبيعة المحتوى الذى يقدم للجمهور.

وكيف تعاملت مع تلك المرحلة عندما كنت مسئولًا فى القناة الأولى؟

كان لدى تصور واضح بأن التليفزيون يجب أن يعمل لصالح الدولة والمجتمع، وليس لصالح تيار سياسى بعينه وعندما ظهرت خلافات حول طبيعة بعض البرامج والسياسة التحريرية، تمسكت بأن يكون العمل وفق ما أراه مسئولًا تجاه المؤسسة والجمهور، وانتهى الأمر بترك رئاسة القناة الأولى خلال تلك المرحلة.

هل ترى أن التليفزيون القومى له دور يتجاوز تقديم البرامج والأخبار؟

نعم، دوره يتجاوز ذلك بكثير، فالتليفزيون جزء من الذاكرة الوطنية، وهو أحد الأماكن التى وثقت تفاصيل حياة المصريين لعقود طويلة لذلك فإن الحفاظ على أرشيفه وإتاحته للأجيال الجديدة ليس مجرد عمل فنى أو تقني، وإنما جزء من الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

وكيف يمكن أن يحافظ التليفزيون على هذه الذاكرة؟

من خلال الحفاظ على الأرشيف، ورقمنة المواد، وتوثيقها، وإتاحتها للجمهور، إلى جانب تقديم محتوى جديد يستفيد من هذا التراث. نحن نريد أن يعرف المصريون ما جرى فى بلدهم، وأن تبقى المواد الأصلية متاحة للباحثين والجمهور، بدلًا من أن تضيع بمرور الوقت.

كيف ترى فلسفة العمل داخل التليفزيون المصري، وما المسئولية التى يتحملها « ماسبيرو » تجاه الأسرة والمجتمع؟

تربينا على برامج ودراما التليفزيون المصري، ولذلك كان الحفاظ على البيت المصرى وقيمه جزءًا أساسيًا من فلسفة ماسبيرو. التليفزيون المصرى يختلف فى رسالته عن القنوات الخاصة، لأن دوره لا يقتصر على المنافسة التجارية، وإنما يمتد إلى الحفاظ على هوية المجتمع وقيمه ومخاطبة جميع المصريين.

ولهذا توجد لجان للقراءة ومراجعة وتقييم المحتوى، ودورها التأكد من أن ما يقدم على الشاشة يحمل رسالة هادفة ويحافظ على الإطار الأخلاقى والقيمى للمجتمع المصري، بما يتناسب مع طبيعة الهيئة الوطنية للإعلام ومسئوليتها تجاه الجمهور.

وكيف يمكن للتليفزيون المصرى أن يستعيد حضور الأطفال فى ظل تعدد المنصات والمحتوى الذى يتعرضون له؟

الأهم أن نعمل على مضامين حقيقية وجذابة للطفل، لأن المنافسة اليوم ليست سهلة، فالطفل أمام عشرات المنصات والمحتويات المختلفة. المطلوب أن نقدم محتوى يجمع بين الجاذبية والفائدة، ويحافظ فى الوقت نفسه على الهوية والثقافة المصرية والقيم التى نريد نقلها إلى الأجيال الجديدة.

ونعمل بشكل جاد على إطلاق قناة متخصصة للأطفال، بإشراف الأستاذ أحمد، تركز على الهوية والثقافة المصرية، وتقدم محتوى يناسب الطفل المصرى ويحميه من التعرض لثقافات دخيلة لا تتناسب مع مجتمعه وقيمه.

وماذا عن مواكبة التطور الرقمى وإعادة تقديم تراث ماسبيرو للأجيال الجديدة؟

التحول الرقمى أصبح ضرورة، وقد حققنا نسب مشاهدة مرتفعة عبر المنصات الرقمية ، ومن بينها تطبيق وقناة القرآن الكريم، ولدينا تخطيط لإطلاق منصة رقمية خاصة بعد الانتهاء من رقمنة ونقل التراث التليفزيونى الحصري، بما يتيح إعادة تقديم هذا المحتوى للأجيال الجديدة بصورة تواكب التطور التكنولوجي.

فالتراث التليفزيونى ليس مجرد مواد أرشيفية، وإنما جزء من ذاكرة مصر، والحفاظ عليه وإتاحته للأجيال الجديدة مسئولية لا تقل أهمية عن إنتاج محتوى جديد.

وكيف ترى أهمية هذا التراث فى تشكيل وعى الأجيال الجديدة؟

من الضرورى أن نُذكّر الأجيال الجديدة، خاصة الشباب من سن 13 إلى 17 عامًا، بالأحداث التى مرت بها مصر، حتى يكون لديهم وعى حقيقى بتاريخ بلدهم، ولا نترك مساحة لتزييف وعيهم أو تقديم التاريخ بصورة غير دقيقة. الإعلام لديه دور أساسى فى الحفاظ على الذاكرة الوطنية وربط الأجيال بتاريخ بلدها.

بالانتقال إلى فترة حكم جماعة الإخوان.. كيف كانت علاقتك بما جرى داخل ماسبيرو خاصة مع محاولات توجيه الشاشة؟

بعد أحداث 2011، كان أعضاء من جماعة الإخوان يعتصمون فى مكتبي، ومع وصول الجماعة إلى الحكم نشبت خلافات عديدة بينى وبين وزير الإعلام آنذاك صلاح عبد المقصود، خاصة بسبب برنامج «ستوديو 27». كان هناك توجه لأن يتبنى البرنامج وجهة نظر واحدة، بينما كنت أرى أن دور الإعلام هو تحقيق التوازن وإتاحة المساحة للرأى والرأى الآخر، سواء للمؤيد أو المعارض.

ورفضت تنفيذ توجيهات بتوجيه البرنامج لمهاجمة المعارضة، لأننى كنت أرى أن الإعلام المصرى يجب أن يظل مهنيًا، وأن المهنة تضع مسئولياتها الوطنية فوق أى انتماء أو توجه سياسي.

وإلى أين وصلت هذه الخلافات؟

اعترض الوزير على طريقة إدارة البرنامج، وانتهى الأمر بوقفه. وكان مدير مكتبه يتواصل معى ويبلغنى بتوجيهات الوزير، وكان ردى دائمًا واضحًا: أنا لا أعمل عند وزير، وإنما أعمل عند مصر.
وعندما قيل لي، إن هذا الأمر لا يصلح، كان ردى أن الوزير يستطيع أن ينزل إلى القناة الأولى ويديرها بنفسه، وفى النهاية توقفت عن العمل وتركت منصبى كرئيس للقناة الأولى.

والوزير نفسه تحدث فى أحد البرامج عن إنجازاته، وذكر من بينها أنه أطاح برئيس القناة الأولى، وهو ما يعكس حجم الخلاف الذى كان قائمًا فى تلك الفترة.

وبعد انتهاء حكم الإخوان وتوليك رئاسة التليفزيون، كيف تعاملت مع مسألة الانتماءات السياسية؟

بعد رحيل الإخوان توليت رئاسة التليفزيون، وكنت حريصًا على أن أتعامل مع الجميع باعتبارهم مصريين، ولا أعترف بتصنيفات المجتمع على أساس الانتماءات السياسية، وحتى كلمة «إخوان» نفسها كنت أرفض استخدامها كتصنيف للأشخاص؛ لأن الأصل هو المواطن المصري، والانتماء لمصر.

أضف تعليق

من الضبعة إلى النيل.. كيف تدار حرب الشائعات ضد مصر ؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان