ضغوط المناخ تنهي شراكة متحف العلوم في لندن و"بي بي" بعد عقود من التعاون

ضغوط المناخ تنهي شراكة متحف العلوم في لندن و"بي بي" بعد عقود من التعاونضغوط المناخ تنهي شراكة متحف العلوم في لندن و بي بي بعد عقود من التعاون

عرب وعالم30-8-2026 | 15:53

لم تعد العلاقة بين المؤسسات الثقافية وشركات الطاقة مجرد مسألة تمويل ورعاية بعدما أصبحت مصادر الأموال نفسها جزءا من النقاش حول الدور الذي تؤديه المتاحف في المجتمع.

وفي لندن، يصل هذا النقاش إلى محطة جديدة غدا الاثنين، مع انتهاء الشراكة بين شركة "بي بي" وأكاديمية مجموعة متحف العلوم بعد عقود من التعاون الذي ساهم في تمويل برامج تعليمية وتدريبية لكنه واجه في السنوات الأخيرة انتقادات متزايدة من ناشطين ومؤسسات تعليمية على خلفية علاقة الشركة بقطاع الوقود الأحفوري.
وتأتي نهاية الشراكة في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات الثقافية البريطانية لإعادة النظر في مصادر التمويل والرعاية خاصة عندما ترتبط هذه المصادر بشركات تعمل في مجالات النفط والغاز والفحم، في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بتغير المناخ وآثاره على البيئة والمجتمعات.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية، أعلنت أكاديمية مجموعة متحف العلوم أن الشراكة مع "بي بي" ستنتهي بانتهاء مدة العقد الحالي، فيما أكدت الشركة أن التعاون بين الطرفين سيصل إلى نهايته غدا 31 أغسطس، دون الإعلان عن اتفاق جديد لاستمراره..ولا يعني انتهاء الشراكة أن العلاقة بين الطرفين كانت محدودة أو قصيرة، إذ امتدت لعقود وشملت دعما لبرامج مرتبطة بتعليم العلوم والتدريب والتواصل العلمي.
وقال إيان بلاتشفورد مدير مجموعة متحف العلوم ورئيسها التنفيذي، إن مساهمات الشركة ساعدت في تدريب أكثر من 11 ألف متخصص في مجالات التعليم والمتاحف والعلوم، كما دعمت برامج وصلت من خلالها أنشطة المتحف العلمية إلى أكثر من مليون شاب في أنحاء المملكة المتحدة.
وتعمل أكاديمية مجموعة متحف العلوم، التي تأسست عام 2018، على توفير التدريب والموارد للمعلمين والعاملين في المتاحف والقطاعات المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، داخل المملكة المتحدة وخارجها. ومن هنا، اكتسبت الشراكة أهمية تتجاوز فكرة التمويل المباشر، لأنها ارتبطت ببرامج تهدف إلى تطوير طرق تقديم العلوم للجمهور وتعزيز الاهتمام بها بين الأجيال الأصغر.
لكن هذا الجانب التعليمي لم يكن كافيا لإبعاد الجدل عن الشراكة، إذ تعرض متحف العلوم خلال السنوات الماضية لضغوط من جماعات بيئية ومدرسين ومدارس رأت أن وجود شركة نفط وغاز ضمن شبكة الرعاة يثير أسئلة حول العلاقة بين التمويل الخاص واستقلال المؤسسات التي تقدم المعرفة العلمية.
وتحولت هذه الانتقادات في بعض الحالات إلى تحركات عملية، بعدما أعلنت مدارس ومؤسسات تعليمية أنها ستقاطع زيارات إلى المتحف بسبب استمرار علاقته بـ"بي بي". ومع استمرار الاحتجاجات، أصبح وجود الشركة داخل مؤسسة يفترض أن تقدم المعرفة العلمية، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالمناخ والطاقة، موضع نقاش أوسع حول حدود الرعاية التجارية للمؤسسات الثقافية والتعليمية.
ولم يكن متحف العلوم بعيدا عن هذه المواجهة في السنوات الأخيرة، فقد سبق له في عام 2024 إنهاء علاقته بشركة الطاقة "إكوينور" بعد خلافات مرتبطة بمدى توافق سياساتها المتعلقة بخفض الانبعاثات مع الهدف المنصوص عليه في اتفاق باريس للمناخ، والخاص بمحاولة الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية.
وبالنسبة إلى جماعات الضغط البيئي، فإن إنهاء التعاون مع "بي بي" يكلل سنوات من الحملات التي استهدفت علاقة شركات الوقود الأحفوري بالمؤسسات الثقافية والتعليمية. واعتبر كريس جارارد، من جماعة "كالتشر أنستيند" البحثية والحقوقية المتخصصة في إطلاق الحملات المناهضة لتمويل قطاع الثقافة والفنون من قِبل شركات الوقود الأحفوري والنفط، القرار تحولا كبيرا جاء بعد ضغوط متواصلة من ناشطين ومعلمين ومدارس.
ويرى منتقدو الشراكة أن القضية لا تتعلق فقط باسم الشركة الذي يظهر ضمن قائمة الداعمين، وإنما بالصورة التي يمكن أن تمنحها الرعاية للمؤسسات التي تستقبل ملايين الزوار وتؤدي دورا في تشكيل النقاش العام حول العلم والتكنولوجيا والطاقة.
وفي المقابل، فإن تاريخ التعاون يوضح أن المتاحف الكبرى تعتمد بدرجات مختلفة على التمويل والشراكات مع القطاع الخاص للمساعدة في تنفيذ برامجها التعليمية والثقافية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل المؤسسات الثقافية واتساع نطاق المشروعات التي تقدمها للجمهور. ولذلك، أصبحت مسألة اختيار الشركاء أكثر تعقيدا، إذ لم يعد السؤال مقتصرا على مقدار الدعم الذي يمكن أن توفره الشركة، وإنما امتد إلى طبيعة نشاطها ومدى انسجامه مع الرسالة التي تقدمها المؤسسة.
ويأتي هذا التحول في متحف العلوم ضمن اتجاه أوسع شهدته المؤسسات الثقافية البريطانية خلال السنوات الماضية، إذ بدأت عدة متاحف وهيئات فنية في إعادة النظر في علاقاتها مع شركات النفط والغاز، حيث انتهت شراكة "بي بي" مع دار الأوبرا الملكية في لندن عام 2023 بعد 33 عاما، كما أعلنت مؤسسات ثقافية أخرى إنهاء أو إعادة تقييم علاقاتها بالشركة.
ولا يخلو هذا المسار من تناقضات، إذ لا يزال متحف العلوم يحصل على تمويل من شركة ""أداني غرين إنرجي"، التابعة لمجموعة "أداني"، وهي مجموعة تعمل في مجالات الطاقة والتعدين. ولذلك، يرى منتقدون أن إنهاء الشراكة مع "بي بي" لا يمثل نهاية النقاش، وإنما خطوة واحدة ضمن سؤال أكبر حول كيفية تمويل المؤسسات الثقافية والعلمية في عصر أصبحت فيه قضايا المناخ جزءا أساسيا من الخطاب العلمي العام.
ومع انتهاء الشراكة غدا، لا يغلق متحف العلوم ملف علاقته بالشركات الخاصة بقدر ما يفتح فصلا جديدا في كيفية تحديد الشركاء الذين يمكن أن تتقاطع مصالحهم مع رسالة المؤسسة. وبين الحاجة إلى التمويل والرغبة في الحفاظ على الثقة العامة، تبدو المتاحف أمام معادلة أكثر تعقيدا من مجرد الحصول على الدعم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تقدم العلوم بوصفها أداة لفهم العالم والتعامل مع التحديات التي يواجهها.
يعد متحف العلوم في لندن واحدا من أبرز المتاحف المتخصصة في تاريخ العلوم والتكنولوجيا، ويشكل جزءا من مجموعة متحف العلوم التي تضم عددا من المؤسسات الثقافية في المملكة المتحدة، وتقدم المجموعة معارض وبرامج تعليمية تستهدف الأطفال والشباب والباحثين والجمهور العام.
أما "بي بي" فهي واحدة من أكبر شركات الطاقة البريطانية، وتملك تاريخا طويلا في قطاع النفط والغاز، قبل أن توسع نشاطها في السنوات الأخيرة ليشمل مجالات مرتبطة بتحول الطاقة.

أضف تعليق

7 توجيهات رئاسية.. الرئيس ينتصر للمواطن

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان