في احتفالية المولد النبوي الشريف ، استوقفتني لقطة ربما تبدو صغيرة، لكنها تحوي معاني كبيرة وكثيرة، تلك اللقطة التي استوقف فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي الفنانة هبة مجدي ، ودعا لها بالسلامة، هي لقطة إنسانية في ظاهرها، لكنها تحمل معني أوسع إذا وضعت إلي جوار ما قاله الرئيس بعد ذلك، فالرئيس الذي يتحدث عن جاهزية القوات المسلحة، ويتابع مستويات الاستعداد القتالي، ويتحدث عن أمن الدولة ومقدراتها، هو نفسه الذي يتوقف أمام مواطن من شعبه، ليسأل عن حاله ويدعو له بالسلامة.
من هنا تحديدًا، من هذه اللقطة الإنسانية العميقة، بدأت في قراءة كلمة الرئيس.. قراءة تبدأ من عند كلمة «الأمن» ليس في مفهومه التقليدي دبابة علي الحدود، ولا قوة ردع في مواجهة تهديد خارجي، إنما «الأمن» في معناه الأوسع، وهو أن يأمن الوطن علي أرضه، وأن يأمن المواطن في بيته وعمله وماله وحقوقه وخدماته ومستقبله، وأن يأمن كذلك من أن يتحول وعيه إلي ساحة مفتوحة للشائعة والتضليل والإرباك.
ومن هذه الزاوية، أري أن كلمة الرئيس في احتفالية المولد النبوي الشريف أقرب إلي خريطة طريق لإدارة دولة تواجه المخاطر من الخارج، وتعمل في الوقت نفسه علي إصلاح البيت من الداخل، فلم يكن الانتقال من الحديث عن السيرة النبوية إلي الحديث عن الأمن القومي ، ثم إلي العقارات والكهرباء والأسواق والطرق والمرور والمحليات والقانون، انتقالًا عاديا، بل كان هناك خيط واحد يجمع كل هذه الملفات هو «أمن الإنسان المصري».
فحين أكد الرئيس أن جيشنا علي أتم الجاهزية والاستعداد للدفاع عن الوطن ومقدراته، كان يتحدث عن المعني المباشر للأمن القومي، لكن الكلمة سرعان ما كشفت عن معني أوسع، فالدولة التي تحمي حدودها، تحمي أيضا مواطنيها من صور أخري للخطر قد لا تأتي في صورة طائرة أو صاروخ أو تهديد عسكري.
وإذا أعدنا قراءة التوجيهات التي أصدرها الرئيس للحكومة، سنجد أنها لا تتحرك في دوائر بعيدة عن حياة الناس، في ملف العقارات، الرسالة واضحة: المواطن الذي دفع أمواله يجب أن يحصل علي حقه، والمطور الذي وقع عقدًا عليه أن يلتزم به، وفي الكهرباء، لا يريد الرئيس أن تتحول الفاتورة إلي مصدر قلق إضافي للمواطن، ولذلك جاء الحديث عن تجنب التقدير الجزافي، وتيسير سداد المتأخرات، وفي الأسواق، لا يكفي أن تقول الدولة: إن السلع موجودة، المطلوب أن تكون متاحة بسعر يمكن أن تتحمله القدرة الشرائية للمواطن، وفي النقل، لا يكفي إنشاء الطرق والمشروعات، المطلوب أن تعمل في المواعيد المحددة، وأن تكون الطرق أكثر أمانًا، وأن يكون هناك انضباط مروري حقيقي، وفي المحليات، لا يريد الرئيس جهازًا إداريًا ينتظر المواطن خلف مكتبه، وإنما مسئولًا ينزل إلي الأرض، يسمع، ويتلقي الشكاوي ويشرح ويحل، ثم تأتي الجملة الأكثر حسمًا: «فلا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب»، وهنا تصبح حقوق المواطن جزءًا من هيبة الدولة نفسها.
وفي سياق الحديث عن أمن الوطن وأمن المواطن، أري أن أكثر ما يميز كلمة الرئيس هو ما طرحه بشأن «أكتوبر المقبل» فالدعوة إلي إعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية، وعرضه علي المواطنين، لم تأت باعتبارها مجرد كشف حساب للإنجازات، فقد تحدث الرئيس عن الأموال التي أنفقت، والنتائج التي تحققت، والتحديات التي واجهت الدولة، ودعا إلي مشاركة المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات، بل وطرح أن يستمر النقاش أسبوعًا أو عشرة أيام، وهذه نقطة مهمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالناس لا تحتاج فقط إلي أن تعرف ماذا أنجزت الدولة، وإنما تريد أن تعرف أيضًا: ماذا تغير؟ ماذا لم يتغير؟ وما الذي ينتظرنا في المرحلة المقبلة؟ .
ومن أكثر النقاط عمقًا أيضا في حديث الرئيس ، بعيدًا عن التوجيهات التنفيذية، حديثه عن حالة الفوضي في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، فالمشكلة ليست في مجرد وجود آراء مخالفة، لأن الاختلاف في الرأي ليس مشكلة في حد ذاته، إنما المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد والمعلومة الكاذبة، وبين التحليل والانطباع، وبين الاختلاف ومحاولة إرباك الناس.
ففي عالم أصبحت فيه المعلومة أسرع من قدرة المؤسسات علي تفسيرها، يصبح الوعي مسألة أمن قومي، وقد تستطيع الدولة أن تواجه تهديدًا عسكريًا بجيش قوي، وأن تواجه أزمة اقتصادية بإجراءات وقرارات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تواجه كل شائعة تنتشر في ملايين الهواتف خلال دقائق، هنا يصبح المواطن نفسه جزءًا من منظومة الحماية.. ولكن كيف تكون الحماية؟
أقولها بصدق: الوعي، نعم الوعي هو السبيل الوحيد والأهم لتحقيق الحماية لك عزيزي «المواطن»، فالحماية الحقيقة في أن تعرف قبل أن تصدق.. وأن تسأل قبل أن تشارك.. أن تفرق بين المعلومة والرأي، فالإصلاح ليس طريقًا بلا تكلفة، والبناء ليس قرارًا يصدر اليوم وتظهر نتائجه غدًا، والدولة التي تريد أن تغير أوضاعًا تراكمت علي مدي عقود تحتاج إلي مجتمع يعرف لماذا يتم التغيير، وما تكلفته، وما نتائجه، وما الذي يمكن أن يتحمله الآن انتظارًا لما هو أفضل لاحقًا.
هناك أيضا إلي نقطة في غاية الأهمية جاءت عبر جملة قالها الرئيس في كلمته غير الرسمية: «محتاجين نشتغل ونفهم».. ربما تختصر هذه العبارة الكثير من فلسفة المرحلة، نحن بحاجة إلي أن نعمل.. لكننا بحاجة قبل ذلك إلي أن نفهم، أن نفهم لماذا واجهت مصر خلال السنوات الماضية كل هذه الضغوط.. أن نفهم معني أن تكون دولة بهذا الحجم السكاني في إقليم شديد الاضطراب.. أن نفهم الاقتصاد قبل أن نحكم علي الاقتصاد.. أن نفهم السياسة الدولية قبل أن نفسر كل حدث باعتباره مؤامرة أو فشل.. أن نفهم حجم الإنجاز، لكن نفهم أيضًا حجم القصور وكيف نعالجه.. والأهم أن يتحول الفهم إلي عمل، فالمجتمع الذي يفهم تحدياته يصبح أكثر قدرة علي تحمل الإصلاح، وأكثر قدرة علي حماية بلده، وأقل قابلية لأن يكون وقودًا للشائعة
أو الفوضي أو الإحباط.
وفي النهاية، يمكن النظر إلي كلمة الرئيس من زاوية أن الدولة تريد أن تحمي مصر في اتجاهين متوازيين، تحميها من الخطر الذي يأتي من الخارج، بالقوة والجاهزية والردع، وتحميها من عوامل الضعف التي يمكن أن تتسلل من الداخل، من فساد، وإهمال، وفوضي، ثم من أخطرها جميعًا: إرباك الوعي، وفي قلب الاتجاهين يوجد المواطن، المواطن الذي تريد الدولة أن يشعر بالأمان علي بلده، وفي الوقت نفسه بالأمان علي حقه، المواطن الذي تطلب منه أن يصبر علي الإصلاح، لكنها في المقابل تؤكد له أن حقوقه ليست محل مساومة، المواطن الذي تريد منه أن يثق فيها، ومن أجل ذلك تفتح أمامه في أكتوبر المقبل بابًا للمعلومات والنقاش والمصارحة، المواطن الذي تطلب منه أن يكون واعيًا، لأن الوعي اليوم لم يعد مجرد قيمة ثقافية، وإنما أصبح واحدًا من خطوط الدفاع عن الوطن.
ومن هنا تصبح الرسالة الأهم التي خرجت بها الاحتفالية أبعد من التوجيهات السبعة نفسها، مصر تحتاج إلي دولة قوية تحميها، وتحتاج إلي حكومة تعمل بكفاءة، وتحتاج إلي مجتمع يعرف حجم التحديات، وتحتاج إلي إعلام يناقش ولا يربك، وينقد ولا يضلل، وتحتاج قبل ذلك كله إلي مواطن يعرف أن أمن وطنه وأمنه الشخصي ليسا قضيتين منفصلتين، فحين تكون الحدود آمنة، ويكون البيت آمنًا، يصبح معني الأمن أكثر اكتمالًا.
وربما لهذا كانت دعوة أكتوبر هي المحطة الأهم فيما بعد الاحتفالية، فالمطلوب ليس فقط أن نسمع ما حدث خلال السنوات الماضية، وإنما أن نفهمه، وليس المطلوب فقط أن نفهمه، وإنما أن نعرف ما الذي يجب أن يحدث بعد ذلك، نحتاج أن نعمل.. ونحتاج أن نفهم، لأن الفهم سيجعلنا نعمل أكثر، وفي دولة تواجه هذا القدر من التحديات، قد تكون هذه هي المعادلة الأكثر واقعية: أن تحمي الدولة وطنها، وأن تحمي المواطن، وأن يحمي المواطن وطنه بوعيه وعمله وصبره.
وأخيرًا، لا توجد دولة قوية بلا مواطن آمن.. ولا يوجد مواطن آمن بلا دولة قوية.. ويكتمل الاثنان في ظل صون واحترام الحقوق، والتحصن بالوعي، وإتقان العمل، فذلك جزءًا أصيلًا من معني الأمن القومي نفسه.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن