إيران تحت الحصار هل يُصلح الاقتصاد ما أفسدته الحرب؟

إيران تحت الحصار هل يُصلح الاقتصاد ما أفسدته الحرب؟إيران تحت الحصار هل يُصلح الاقتصاد ما أفسدته الحرب؟

بعد نحو ستة شهور على شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران - والتى راهن الأمريكيون فى بدايتها على تحقيق أهدافها، وإنهائها خلال أسابيع قليلة - دخلت المواجهة مرحلة جديدة مع إطلاق الولايات المتحدة عملية «العزل الاقتصادى» التى تستهدف خنق الاقتصاد الإيرانى، وتهدد بإجراءات عقابية ضد الدول والجهات التى تواصل التعامل مع إيران .

وأعلن وزير الخزانة الأمريكى، سكوت بيسنت، إجراءات وصفها بأنها «يوم اقتصادى حاسم» ضد إيران، تستهدف توسيع العقوبات على الدول والكيانات التى تواصل التعامل معها، فى محاولة لقطع مصادر الإيرادات التى تساعدها على مواصلة الحرب.

وقد ردت إيران بحدة على موجة العقوبات الجديدة، حيث حذر «محسن رضائى» أمين المجلس الأعلى للأمن القومى قائلًا: «نقول لكل دول الجوار: لا تدخلوا فى حرب اقتصادية ضد إيران. ومن يدخلها سنعتبره عدوًا»، مضيفا بلهجة تصعيدية: «لم نستهدف المصالح الاقتصادية الأمريكية حتى الآن، لكن إذا تواصلت الأعمال العدائية، فهذا الخيار مطروح أمامنا».

لكن خلف هذه التصريحات، يبقى الوضع على الأرض مختلفًا، وطبقًا لـ «فرانس 24»، تبدو طهران على حافة الهاوية، فعملتها الوطنية تدهورت، والتضخم يفتك بالقدرة الشرائية لمواطنيها، والسوق فقدت مليون فرصة عمل. وترسم هذه الأرقام صورة قاتمة لمستقبل البلاد، ولكن هل يؤدى ذلك إلى استسلام إيران والقبول بشروط واشنطن؟

فى هذا الإطار، نشرت «سى إن إن»، تحليلًا ذكرت فيه أن تصريحات وزير الخزانة الأمريكى، تكشف عن أحدث تحول فى استراتيجيات إدارة الرئيس ترامب فى حرب لم تسر وفق الخطة الموضوعة، مضيفة أن الرئيس وإدارته يراهنون على أن الضغط الاقتصادى الشامل سيُجبر إيران فى نهاية المطاف على الاستسلام، على عكس الضربات العسكرية.

وقالت «سى إن إن»، إن هذه المقامرة قد تنجح، ف الاقتصاد الإيرانى يعانى بشدة، وانخفضت عملته إلى مستوى قياسى مقابل الدولار الأمريكى، لكن كما هو الحال فى المواجهات العسكرية، تستفيد إيران من الحرب غير المتكافئة على الصعيد الاقتصادى أيضًا، وقد لا يكون الوقت اللازم لإخضاع إيران فى صالح ترامب بالضرورة.

وطبقًا للشبكة الأمريكية، لا تستطيع إيران إلحاق نفس الضرر الاقتصادى الذى تُلحقه بها الولايات المتحدة، إلا أنها تملك ورقة ضغط وهى انتخابات التجديد النصفى لعام 2026، حيث تؤثر أسعار البنزين المرتفعة باستمرار- والتى يبلغ متوسطها حاليًا أكثر من 4 دولارات للجالون- على جوانب عديدة أخرى من الاقتصاد الأمريكى المتعثر، والأهم من ذلك، أنها تُذكر بالتضخم الراكد الذى قد يُمثل أكبر مشكلة انتخابية للحزب الجمهورى.

وأضافت «سى إن إن»، إذا لم تنخفض أسعار البنزين فى الأشهر المقبلة، فلن يُعانى الشعب الأمريكى كما سيُعانى الإيرانيون تحت وطأة العقوبات الاقتصادية القاسية، لكن من المرجح أن يُوجّه الناخبون الأمريكيون انتقادًا لاذعًا لحزب ترامب، ما سيُلحق به ضررًا سياسيًا خلال العامين الأخيرين من ولايته.

فى الإطار ذاته، نشرت مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية، مقالًا لـ «نيت سوانسون» مدير برنامج إيران فى المجلس الأطلنطى والمسئول السابق فى إدارة ترامب الأولى، ذكر فيه أن تداعيات حرب ترامب على إيران تهدد حظوظ حزبه فى انتخابات التجديد النصفى. والآن، ربما بدافع اليأس، يحاول ترامب تضييق الخناق الاقتصادى على طهران، ولكن فى ظل هذه الظروف، تشكل عملية الضغط الاقتصادى هذه تهديدا لمصداقية الولايات المتحدة، أكبر مما تشكله على الاقتصاد الإيرانى.

وقال الكاتب، إن الضغط الاقتصادى الركيزة التاريخية الثانية لاستراتيجية الضغط الأمريكية على إيران. وقد كان لبعض العقوبات، كتلك المصممة لتقييد قدرة طهران على بيع النفط، أثر بالغ على الاقتصاد الإيرانى، إلا أنها فشلت فى الغالب فى إحداث التغييرات السياسية التى صُممت من أجلها. فبعد اقتحام السفارة الأمريكية فى طهران عام 1979، فرض كارتر سلسلة من الإجراءات العقابية، بما فى ذلك حظر الاستثمار. وفى عام 1996، وسع الكونجرس نهج الضغط الاقتصادى بقانون العقوبات على إيران، الذى حد حتى من قدرة غير الأمريكيين على الاستثمار فى قطاع الطاقة الإيرانى. وفى عام 2012، استهدف الكونجرس، وكذلك الاتحاد الأوروبى، عائدات النفط الإيرانية وبنكها المركزى، ما أدى إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى النصف تقريبا بين عشية وضحاها.

وفى عام 2025، تم الترويج لاستراتيجية «الضغط الأقصى» التى انتهجتها إدارة ترامب الأولى فى البداية كآلية لضمان اتفاق نووى أفضل. ولكن بعد فشل هذا المسعى، أصبح فرض العقوبات على إيران غاية فى حد ذاته. واليوم، تستهدف أكثر من 3,000 عقوبة أمريكية جميع جوانب الحكومة و الاقتصاد الإيرانيين تقريبًا.

وفى الحرب الحالية، صًعد ترامب الضغط الاقتصادى إلى ذروته بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، إلا أن الحرب فرضت فى نهاية المطاف عواقبها على الشعب الأمريكى عندما أغلقت إيران مضيق هرمز واستهدفت البنية التحتية للطاقة فى الخليج، ما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بشحنات الطاقة العالمية.

وفرض ترامب الأسبوع الماضى حصارًا ثانيًا وحملة ضغط أوسع نطاقا تهدف إلى كبح ما تبقى من اقتصاد إيران، والتى يروج لها على وسائل التواصل الاجتماعى باعتبارها “أقسى عملية اقتصادية شنت على الإطلاق ضد أى دولة”. لا شك أن هذه الحملة ستضر ب إيران واقتصادها- بحسب سوانسون- لكنها ستفشل حتمًا فى إجبار طهران على الاستسلام، فبدلًا من الاستسلام للضغوط، قد تلجأ إيران إلى استخدام برنامجها الصاروخى وبرنامجها للطائرات المسيرة لفرض تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد العالمى، سواء فى مضيق هرمز أو ضد دول الخليج، لتغيير حسابات ترامب للمخاطر مرة أخرى.

أما صحيفة «الجارديان» البريطانية، فنقلت عن «سينا توسى»، وهو زميل بارز فى مركز السياسة الدولية بنيويورك، قوله: «بعد ما يقرب من ستة أشهر دون تحقيق أى انتصار عسكرى أو دبلوماسى، يبدو أن واشنطن تحاول من خلال تشديد الخناق الاقتصادى، تحقيق ما فشلت القوة العسكرية فى تحقيقه حتى الآن»، مضيفًا: «ليس من الواضح إلى أى مدى ستشكل الإجراءات الأمريكية الجديدة ضغطًا ملموسًا على النظام»، مشيرًا إلى أن العديد من الخبراء يشككون فى أن النظام الإيرانى الذى صمد أمام عقدين من سياسات الضغط الأقصى القائمة على العقوبات، سينهار تحت وطأة الإجراءات الاقتصادية الجديدة.

أضف تعليق

7 توجيهات رئاسية.. الرئيس ينتصر للمواطن

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان