مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية ، تتعدد التكتلات والأحزاب المتنافسة، وتتباين مواقفها بشأن مستقبل الحكومة، والإصلاحات القضائية، وتجنيد الحريديم، وطريقة إدارة الصراع مع الفلسطينيين، إلا أن قضية الاستيطان فى الضفة الغربية تبدو واحدة من الملفات التى يصعب تجاوزها، حتى مع اختلاف توجهات القوى السياسية، وتبدل التحالفات الانتخابية.
وبينما تضع بعض أحزاب المعارضة تقليص الاستيطان أو الحد من التوسع فى البؤر الاستيطانية ضمن رؤيتها السياسية، تتمسك أحزاب اليمين الصهيونى واليمين المتطرف بتوسيع المستوطنات وتعزيز الوجود الإسرائيلى فى الضفة الغربية. وفى المنطقة الوسطى بين الطرفين، تطرح أحزاب أخرى مقاربات أمنية وسياسية لا تصل بالضرورة إلى حد رفض الاستيطان أو الدعوة إلى تفكيكه.
وغالباً ما تكون قضية المستوطنات فى الضفة الغربية فى صميم الحملات الانتخابية الإسرائيلية، وتُعد أداة سياسية رئيسية لتحفيز الناخبين، والترويج لخطط البناء، واتخاذ القرارات السياسية.
وأصبح السؤال الأبرز الدائر الآن فى الصحف الإسرائيلية: ماذا سيحدث للاستيطان إذا سقط نتنياهو؟ النقطة الأبرز هى أن سقوط نتنياهو لا يعنى تلقائياً تراجع الاستيطان؛ لأن البدائل الرئيسية نفسها لا تتبنى جميعها موقفاً رافضاً للمستوطنات، وإنما تختلف فى مدى التوسع والضم وطريقة التعامل مع مناطق الضفة الغربية.
وأشار تقرير فى موقع «مقور ريشون» الإسرائيلى، إلى أن التكتلات الحزبية الإسرائيلية الجديدة ليست كتلة واحدة فى قضية الاستيطان، فرئيس حزب المعارضة نفتالى بينيت، على سبيل المثال، أقرب إلى اليمين فى الملف الفلسطينى والاستيطان، والذى يعد أحد أهم أهدافه استمراره؛ بينما جادى آيزنكوت ويائير لابيد ومعهما أفيجدور ليبرمان أقرب إلى فكرة الفصل وتقليص الاحتكاك والسيطرة على الفلسطينيين، لكن هذا لا يعنى أنهم يتبنون بالضرورة موقفاً يسارياً رافضاً لكل المستوطنات.
ولا يزال اللاعبون الرئيسيون فى دولة الاحتلال - حسب موقع «السلام الآن»- منقسمين بين كتلة الائتلاف الحالية، كتلة نتنياهو، وأحزاب المعارضة والوسط، مع بقاء قضية الاستيطان محوراً أساسياً على اليمين ونقطة تركيز للنقد على اليسار والوسط.
فكتلة الائتلاف واليمين المتمثلة فى الليكود، والصهيونية الدينية، وعوتسما يهوديت، تدعم الاستيطان بالكامل والتوسع به، وإنشاء مراكز استيطانية ونقاط استيطان جديدة، على الرغم من الانتقادات الأمنية أو السياسية.
أما أحزاب الوسط والمعارضة المتمثلة فى المعسكر الحكومى، ويش عتيد، وأحزاب أخرى، فهى تحمل نهجاً أمنياً سياسياً مختلطاً؛ فمنهم من يرى أنه يجب دعم الحفاظ على التجمعات الاستيطانية الكبيرة فى إطار ترتيب مستقبلى، ولكن يأتى ذلك مع انتقادات حول إنشاء مستوطنات معزولة أو سياسية لأنها، فى رأى المسئولين الأمنيين الإسرائيليين، تثقل كاهل الجيش الإسرائيلى بشكل مفرط.
ويقف المعسكر اليسارى والديمقراطيون، موقف المعارض للاحتلال والمستوطنات بشكل واضح، فهم يعتبرونه عقبة رئيسية أمام حل النزاع وتحقيق السلام فى المستقبل، ويدعون دائماً إلى إيقاف سياسة الضم التى يتبعها الاحتلال الآن فى الضفة الغربية.
ويعد حزب الليكود الحاكم من أكثر الأحزاب المؤيدة للاستيطان، ويعمل على توسيع أطرافه بالأراضى المحتلة. فجميع التقارير الحديثة بالصحف الإسرائيلية تصف الليكود بأنه يتحرك أكثر نحو اليمين، مع تصاعد نفوذ الشخصيات المؤيدة للاستيطان داخل الحزب.
كما أن الليكود، حسب «هآرتس»، يستخدم ملف الاستيطان كأداة انتخابية مركزية لاستقطاب ناخبى معسكر اليمين واليمين المتطرف، عبر تسريع مخططات البناء فى الضفة الغربية والقدس المحتلة لشد عضد قاعدته الشعبية، وتقديم نفسه الحارس الأمين لمشروع التوسع الاستيطانى وقت الأزمات أو قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
يليه بعد ذلك حزب «الصهيونية الدينية» لبتسلئيل سموتريتش، ومنافسه فى نفس الدائرة وشريكه فى الأفكار الاستيطانية إيتمار بن جفير، الذى يقود حزب «القوة اليهودية»، وهما أوضح الأحزاب تأييداً للاستيطان الكامل للأراضى الفلسطينية.
أما عن الأحزاب الحريدية الأخرى، المتمثلة فى «شاس» و»يهدوت هتوراه»، فلا يمكن أن يتم وضعها تلقائياً فى خانة الأحزاب المؤيدة للاستيطان أو المتشددة فيه مثل غيرها، حيث إن قضية الاستيطان ليست المحور الأساسى فى برامجها؛ فأولوياتها السياسية تتعلق أكثر بالدين والدولة، والتعليم الحريدى، والتجنيد والميزانيات، مع بقائها تاريخياً ضمن معسكر نتنياهو.
ويأتى حزب «معاً» بقيادة زعيمى المعارضة نفتالى بينيت ويائير لابيد، على رأس الأحزاب التى تتسم بالوسطية فى قضية الاستيطان. فكما جاء فى موقع «مقور ريشون»، دعا بينيت مؤخراً أثناء حملته الانتخابية إلى تفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، بالمنطقة (ج) الخاصة باتفاقية أوسلو بالضفة الغربية، مما أثار غضب قادة اليمين.
وأكد بينيت أنه يؤيد التسوية القانونية فى المنطقة (ج)، ولكن ليس على الأراضى الخاصة بالفلسطينيين أو المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين من المفترض أن تكونا جزءاً من «الحكم الذاتى الفلسطينى».
ويحرص حزب «يشار» بزعامة وزير الدفاع الأسبق وأكبر منافسى نتنياهو على الحكم، جادى آيزنكوت، على تقديم برنامج سياسى يعكس الإجماع الإسرائيلى، ومن بين أهداف الحزب المعلنة ضمان وجود دولة إسرائيل كوطن قومى للشعب اليهودى مع الحفاظ على طابعها كدولة يهودية وديمقراطية بروح إعلان الاستقلال، حيث أكد مؤخراً فى تصريحاته على أنه لم يتحدث عن دولتين لشعبين، وأن أى شخص يتحدث عن السلام الآن والدولتين لا يفهم النزاع، وأنه يؤمن بشدة ب الاستيطان فى الضفة الغربية.
كما أن آيزنكوت يعرف نفسه بالبديل الوسطى لنتنياهو، لأن البرنامج السياسى للحزب يجمع بين رفض الضم الكامل للضفة الغربية ورفض إقامة دولة فلسطينية فى المرحلة الحالية، مع الإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المنطقة على شرط ألا تكون كاملة، لأنه يرى أن ذلك قد يقود إلى واقع دولة ثنائية القومية ويهدد الأغلبية اليهودية فى إسرائيل. وفى الوقت نفسه، لا يطرح انسحاباً إسرائيلياً شاملاً من الضفة أو تفكيك المستوطنات كجزء من برنامجه السياسى.
ويظل الفرق الأساسى بين آيزنكوت واليمين الدينى المتطرف، كما ذكرت «هآرتس»، هو أنه لا يجعل توسيع الاستيطان وضم الضفة مشروعاً لإعادة رسم حدود إسرائيل، بل ينطلق من اعتبارات أمنية وديموغرافية: الحفاظ على الأغلبية اليهودية ومنع الوصول إلى واقع الدولة الواحدة.
وبذلك، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تطيح بنتنياهو أو تعيد تشكيل معسكره، لكنها لا تعنى بالضرورة نهاية المشروع الاستيطانى. فالاستيطان، كما تكشف مواقف الأحزاب وخطط الحكومة والجدل داخل المؤسسة الأمنية، أصبح ملفاً متجذراً فى السياسة الإسرائيلية، تتعامل معه الأحزاب بدرجات مختلفة من التأييد أو الرفض، لكنه يظل حاضراً فى حساباتها الانتخابية والأمنية والسياسية.
وفى هذا الصدد، نشرت صحيفة «هآرتس» تقريراً يؤكد أن هناك مخططاً موسعاً للاستيطان ستلتزم دولة الاحتلال بتنفيذه فى الفترة القادمة، سواء بفوز نتنياهو أو غيره، حيث كشف رئيس مجلس الاستيطان فى منطقة بنيامين فى إسرائيل، يسرائيل جانتس، عن خطة استيطانية جديدة وصفها بأنها الأكبر والأهم فى العقود الأخيرة.
وتهدف الخطة، التى تستند إلى قرار مجلس الوزراء، إلى إنشاء مستوطنات دائمة فى موقعين استراتيجيين فى الضفة الغربية: بنيامين الغربية على الطريق الجبلى الذى يربط القدس بوسط البلاد، وبنيامين الشرقية المطلة على وادى الأردن.
وحسب الخطة، من المتوقع أن تنضم المستوطنات الجديدة إلى مستوطنة «ماوز تسور»، التى تم إنشاؤها قبل أشهر على الطريق السريع 443 بالقرب من غوش تالمونيم، فى خطوة تعتبر تصعيداً إضافياً فى النشاط الاستيطانى قبل الانتخابات المقبلة.