شهدت قاعة الندوات بمكتبة مصر العامة بالجيزة، فعاليات الندوة الفكرية والثقافية الموسعة التي حملت عنوان «أثر الفنون والآداب في تأكيد الهوية الوطنية»، والتي نظمتها لجنة الشؤون الثقافية والفكرية ب المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، بالتعاون مع الاتحاد العربي للإعلام والثقافة، وسط حضور جماهيري وشبابي لافت، ومشاركة نخبة من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين والصحفيين، إلى جانب عدد من شباب الجامعات والباحثين والمهتمين بالقضايا الثقافية والفكرية.
وأكدت الندوة أن حماية الهوية الوطنية لم تعد مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية وحدها، وإنما أصبحت قضية مجتمعية تتطلب تكامل أدوار الفنون والآداب والإعلام، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي فرضها العصر الرقمي، وما يصاحبها من تدفق هائل للمعلومات وتداخل الثقافات وتغير أنماط تشكيل الوعي لدى الأجيال الجديدة.
وافتتحت الأستاذة الدكتورة حنان يوسف، رئيس المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، فعاليات الندوة بكلمة أكدت خلالها أهمية توظيف القوى الناعمة والفكر المستنير في دعم الهوية الوطنية، مشيرة إلى أن الثقافة والفنون والآداب تمثل أدوات رئيسية لبناء الوعي وتعزيز الانتماء، وأن الحوار الثقافي يمثل أحد المسارات المهمة لمواجهة محاولات طمس الخصوصية الثقافية أو تشويه الذاكرة الوطنية.
وشددت على أهمية استمرار المنظمة في تنظيم اللقاءات والفعاليات التي تفتح مساحات للحوار والتفاعل بين النخب الثقافية والأكاديمية والشباب، بما يسهم في نقل الخبرات والمعارف إلى الأجيال الجديدة، وتحويل الحوار الفكري إلى مشروعات ومبادرات قادرة على إحداث أثر مجتمعي ملموس. ومن منظور أكاديمي وإعلامي، تناولت الأستاذة الدكتورة منى الحديدي، أستاذ الإعلام وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، عددًا من المفاهيم المرتبطة بالثقافة والهوية، مع التركيز على طبيعة التغيرات التي فرضتها البيئة الرقمية على تشكيل الوعي العام.
وأكدت أن التعامل مع قضايا الهوية يحتاج أولًا إلى ضبط المفاهيم والمصطلحات وتقديمها بصورة علمية دقيقة، موضحة أن الإعلام أصبح شريكًا أساسيًا في تشكيل الصورة الذهنية عن المجتمع وثقافته وتاريخه، وأن التطور التكنولوجي أتاح فرصًا واسعة لنشر المحتوى الثقافي، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات جديدة تتطلب وعيًا نقديًا وقدرة على التمييز بين المحتوى الذي يعزز الهوية والمحتوى الذي يسهم في تهميشها. وفي السياق ذاته، تناول الشاعر الكبير أحمد سويلم العلاقة الوثيقة بين اللغة والهوية، مؤكدًا أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما تمثل وعاءً للذاكرة والتاريخ والثقافة، وأحد أهم مكونات الهوية العربية.
وأوضح أن الحفاظ على اللغة العربية وتعزيز حضورها في الحياة الثقافية والتعليمية والإعلامية يمثلان ضرورة لضمان استمرارية الذاكرة الثقافية وانتقالها بين الأجيال، محذرًا من مخاطر إضعاف الارتباط باللغة وتأثير بعض مظاهر التغريب على الوعي الثقافي والانتماء.
أما الفنان القدير أحمد عبد العزيز، فقد قدم قراءة فنية لقضية الهوية، متناولًا ما وصفه بـ«إزاحة الهوية»، ومؤكدًا أن الهوية المصرية نتاج تراكم حضاري وإنساني ممتد عبر آلاف السنين، تشكل من خلال روافد تاريخية وثقافية متعددة، وهو ما منح الشخصية المصرية خصوصيتها وقدرتها على استيعاب المتغيرات مع الحفاظ على جوهرها.
وأشار إلى أن الفن والدراما والسينما والمسرح قادرة على إعادة تقديم هذا الإرث الحضاري بصورة معاصرة تصل إلى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الأعمال الفنية الجادة تستطيع أن تجعل التاريخ والثقافة والهوية جزءًا من الوجدان اليومي للمجتمع، بعيدًا عن التلقين المباشر.
وأدارت فعاليات الجلسة الشاعرة والإعلامية نجلاء أحمد حسن، التي ربطت بين المحاور المختلفة للندوة، وأتاحت للحضور مساحة واسعة للنقاش وطرح الأسئلة والمداخلات، حيث شهدت الجلسة تفاعلًا واضحًا من جانب الصحفيين والشباب والباحثين المشاركين. وتطرقت المناقشات إلى أهمية تطوير الخطاب الثقافي والإعلامي الموجه إلى الشباب، والاستفادة من أدوات الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في تقديم المحتوى الثقافي بصورة أكثر جاذبية، إلى جانب ضرورة دعم الإنتاج الفني والأدبي الذي يعكس التنوع الثقافي والحضاري للمجتمع المصري والعربي.
وأكد المشاركون في ختام الندوة أن الفنون والآداب تظل من أهم أدوات القوة الناعمة القادرة على ترسيخ الانتماء وتعزيز الوعي وصون الذاكرة الوطنية، مشددين على أن مواجهة تحديات العصر لا تكون بالانغلاق عن العالم، وإنما بالانفتاح الواعي الذي يحافظ على الخصوصية الثقافية ويعزز قدرة الأجيال الجديدة على معرفة تاريخها وفهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
واختتمت الفعاليات وسط إشادة من الحضور بأهمية الموضوع وتنوع الرؤى التي طرحتها الندوة، مع التأكيد على ضرورة استمرار مثل هذه اللقاءات الفكرية والثقافية باعتبارها منصات للحوار بين أجيال الثقافة والإبداع، وجسرًا لنقل الخبرات والمعارف إلى الشباب، بما يدعم الهوية الوطنية ويحافظ على الذاكرة الثقافية في مواجهة المتغيرات المتسارعة. وفي ختام اللقاء، حرص المشاركون على التقاط الصور التذكارية، وسط أجواء من الحفاوة والتقدير المتبادل.